| تأبط وطنا يكتب الحلقة (2) عن الصحافة الأردنية : "شيحان ".. كسر لللتابوهات السياسية وتوتير للعلاقات ألأردنية العربية ؟!! |
|
|
|
د. رياض الحروب كما أسلفنا في الحلقة الماضية وصلت معونات بسيطة للدكتور رياض الحروب من شقيقه عدنان الذي يقيم ويعمل في المملكة العربية السعودية لحساب أحد أهم أثرياء العالم " مستر لاتسوس" وهو يوناني استطاع أن يصل الى قمة الهرم في المملكة العربية السعودية عبر شبكة علاقات واسعة هناك، مكنته فيما بعد من الحصول على مشاريع ضخمة وبناء قصور ملكية ومحطات تحلية ومصاف للنفط بعشرات المليارات من الدولارات، الأمر الذي مكن رياض من دفع بدل إلتزامه مع " القوات المسلحة الأردنية " التي درس على حسابها في اليونان والبدء بمشروعه الصحفي الذي كان قد حصل على ترخيص له تحت بند "صحيفة زراعية مناطقية" المفروض أنها تصدر من محافظة الكرك. ولأن طموح رياض لم يكن يتوقف عند حدود الاعلام والصحافة، بل السياسة أيضا وبناء علاقات شعبية وجماهيرية في منطقته الكرك، فقد أشترى عيادة صديق له كانت شبه مهجورة وقرر أن يزاول من خلالها الطب الى جانب مشروعه الصحفي غير مأمون العواقب والنتائج، ومن هناك بدأ رياض، أو "الدكتور" كما تحب العائلة أن تسميه، عقد لقاءاته الليلية والنهارية مع بعض الهواة أو المغامرين للبدء في تنفيذ مشروعه الصحفي وسط ظروف كانت شديدة الحساسية في الأردن. التقى رياض في أحد المساءات الصيفية من عام 1984 بمدرس للغة العربية في نهاية العشرينيات من عمره يدعى عدنان الرواشدة، والذي أصبح فيما من أهم وأشهر كتاب التحقيقات الأجتماعية ومحرري " الديسك" كما يطلق عليهم في تعريفات المطبخ الصحفي، وبدأ رياض وعدنان بوضع اللمسات شبه النهائية على شكل ومضمون "الجريدة" انذاك والتي أصبحت شيحان فيما بعد. عدنان لوحده لا يمكن أن يقوم بتحرير الصحيفة " من الجلده الى الجلده" فكان لا بد من البحث عن آخرين لمساعدته، الا أن رياض لم يستطع العثور في تلك الفترة على من يعمل معه ، الا شاب مصري يدعى جرجس بخيت، كان يعمل " طوبرجي" في الكرك، فأنضم لقائمة تحرير شيحان بعدما تبين أنه كان قد عمل بمونتاج بعض الصحف المصرية وهو من قام بكتابة شخصية " شيحو " الشهيرة وعاد عام1997 الى القاهرة وأصبح الآن على قائمة أهم الفنانين التشكيليين في جمهورية مصر العربية. "الرواشدة" و" بخيت" امسيا كل الفريق الذي عمل في شيحان خلال عملية التحضير لإصدار العدد الأول، بعدما أقترح رياض اللجوء الى عمليات ترجمة المواضيع من الصحف والمجلات اليونانية والأجنبية لتغطية العجز في المادة الصحفية المحلية. وإستعدادا للعدد الأول بدأ رياض يبحث عن مطابع تطبع له الألف نسخة التي نصحه بعدم تجاوزها مبدئيا صاحب الخبرة " طارق مصاروة" ففشل . ولعل العارفين بأمر "الطبع والنشر"يعلمون جيدا أن الألف عدد الأولى تلقى عادة في حاوية القمامة لغايات ضبط الحروف والألوان والصور. رفضت الدستور والرأي وصوت الشعب طباعة مثل هذه الكميات الضئيلة ، فذهب "الدكتور" الى منافسه " المفترض "عبد الحفيظ محمد ناشر "أخبار الأسبوع"، وقد كانت الأسبوعية الوحيدة في الأردن في ذلك الوقت، فرفض الأخير مناقشة المسألة بحجة أن صف الجريدة على الطريقة التقليدية التي تعمل بها جريدته يأخذ الوقت الطويل وهو ما لا يستطيع أن يفعله لصف وإخراج صحيفتين أسبوعيتين في أن واحد . وبناء على نصيحة من أحد الأصدقاء لم يجد رياض بدا من إحياء جريدة " الأخبار" وهي رميم. هذه الصحيفة كان يرأسها الصحافي والكاتب اللامع "راكان المجالي" نهاية السبعينات و لديها مطابع مغلقة في شارع وادي صقرة . فتم إستئجار المطبعة على أن يعاد تأهيلها لغايات الطباعة، فجمع رياض إلى جانبه مجموعة من الشباب المتحمسين صحفيا وبضع من "عمال المطابع" من اليوميات - للخلاص ربما - من هيمنة الرأي والدستور لاعادة تأهيل المطبعة المغلقة منذ أعوام. كانت فرحة " الطبيب رياض عبدالله الحروب " لا توصف حين وجد مكتبا داخل المطبعة إستخدمه كمقر للصحيفة في عمان . قبل أن ينتقل بعد فترة لمكتب خاص بالإدارة بعمارة تسمى " عمارة التأمين " في طلوع الدور الثالث. قبل الإنتقال كان مكتب الصحيفة في شارع وادي صقرة بحاجة الى أثاث وبعض التجهيزات الاساسية .. وما وصل من السعودية كان شحيحا لعدم إيمان الشقيق عدنان- كما أسر لمقربين منه لاحقا - بنجاح مغامرة أخيه ، فأضطر رياض ومن معه للذهاب الى منطقة "سقف السيل" لشراء ما تيسر من أثاث مستعمل بمبلغ لا يتجاوز العشرين دينارا . فأشتروا طاولة وسبعة كراسي بثلاثة عشر دينارا أردنيا، في حين استخدمت السبعة دنانير المتبقية في شراء أدوات مطبخية عبارة عن " غاز كهربائي صغير و "ركوة قهوة "ومجموعة من الكاسات الزجاجية والفناجين رديئة الصنع لتكون هي الأخرى نواة لكفتيريا شيحان فيما بعد. وبعدما إستقر - قليلوا الخبرة الصحفية - في وادي صقرة نصحه أحد الزملاء الصحفيين بضرورة تبويب صفحات سياسية واجتماعية وفنية وشعر نبطي وغيرها فبدأ عدنان يقص الصفحات من المجلات الفنية - قبل إكتشاف طريقة إستعارتها من "كشك حسن أبو علي" وحين وجد الدكتور رياض بأنه يتوجب عليه شراء مجلات وصحف بما قيمته عشرة دنانير أو يزيد أسبوعيا قال لرئيس تحريره : لم لا نبحث عن محرر بمكافأة شهرية رمزية ...فنصحوه بمحرر للصفحات الفنية في جريدة أخبار الأسبوع يدعى " نايف الطورة" وهو الذي أصبح كاتبا وناشرا ينافس رياض بعد تأسيس إمبراطوريته الإعلامية فيما بعد. لا شك ان رياض شخصية ذكية وكان يعلم عما يبحث المتلقي في ظل "صحافة حكومية وأحكام عرفية" تمنع البشر حتى من التنفس أحيانا، لذا قرر أن يكون مختلفا ، وهكذا كان . فكانت عناوين شيحان ببداياتها " تيس برأسين " و " الباحثون عن الذهب " و وتغطية تفصيلية لكافة الجرائم التي تحدث في الأردن وغيرها من " المانشيتات " و " الصور " المثيرة والغريبة على قاريء إعتاد على مفردات مثل: صرح، وزار، وإجتمع ؟ قرر " رياض " أن يغامر ضاربا بنصائح " المصاروة " عرض الحائط .. فطبع 1500 عددا .. ويقول مدير المطبعة " أبو شوقي " بأنه تم شراء " رول الأوراق" من صحيفة الدستور الأردنية. خرج العدد الأول من " الفرن " لكن رياض ولغمرة حماسه كان قد نسي شيئا مهما ...كيف سيتم " توزيع" العدد ؟ إتصل ب "رجا العيسي" في شركة التوزيع الأردنية فأخبره بأن الأمر يحتاج لترتيبات مسبقة مع الشركة ورفض توزيع العدد الأول. إقترح رياض على فريق العامل بالصحيفة أو من كان يسميهم ب " قوات التدخل السريع " أن يقوموا بتوزيعها ولم يكن معهم إلا سيارة قديمة ، يملكها زميلهم الجديد "منصور سلامة" الذي أصبح الموزع الرئيسي لها بعد ذلك . ووقف الصحفيون ببدلاتهم الأنيقة على الإشارات الضوئية لتوزيع الصحيفة . واختار " رياض " إشارة وادي صقرة لقربها من المطبعة وكان أصحاب السيارات يضحكون ويعطون فريق شيحان مبالغا أكبر من السعر "عشرة قروش "لأن أشكالهم تدل على أنهم " اولاد ناس"ويرتدون البدلات خصيصا " الدكتور " المعروف بأناقته. ظلت "الحكومة" تراقب عن بعد وتغض الطرف عن رياض الحروب وشيحان .. والسبب أن الصحيفة كانت لا تشكل خطرا سياسيا وكانت صحيفة " صفراء" ضمن التصنيفات الحكومية التي شاعت كثيرا في منتصف السبعينيات من القرن الماصي. في العام 1984 بلغت الخلافات الأردنية – السورية ذروتها، بعد تولي أحمد عبيدات رئاسة الوزراء للمرة الاولى والأخيرة في حياته، خلفا لمضر بدران، وكادت تصل الى أن تحرك دمشق قواتها الى الحدود الأردنية ،وخشيت الحكومة من أن تؤثر سوريا على المكون الفلسطيني داخل المملكة بعدما عبثت فيه تماما في لبنان وبعض دول الشتات الأخرى، وأصرت الحكومة أن تستضيف في نهايات ذلك العام وتحديدا في 22 -11 المؤتمر الوطني الفلسطينيني في المركز الثقافي الملكي بعمان. طعنت سوريا في شرعية ذلك الأجتماع ، وكان اعلامها يردد صباح مساء أن الاجتماع مزور وغيرقانوني، وأن النصاب غير مكتمل، مما سبب حرجا للأردن وقيادته، وللراحل العظيم، المغفور له الحسين بن طلال الذي حرص طوال أيام المؤتمر التي امتدت حتى 28-11، الى الحضور الى المركز الثقافي الملكي ومتابعة مجريات الاجتماعات وفض الاشتباكات اليومية بين المجتمعين، حرصا على نجاح تلك الدورة، ولاضفاء زخما اعلاميا يغطي على آلة الاعلام السوري التي كانت تشاهد وتسمع بقوة في اوساط الأردنيين. ذهب رياض الحروب ونايف الطورة لتغطية الموضوع . لم يكن أيا منهما مسيسا ويعرف بخبايا التنظيمات الفلسطينية، ولا حتى بطبيعة التحالفات في ذلك الوقت، مما جعلهما – كما الأطرش في الزفة- وكانا وبعد القاء كل زعيم تنظيم فلسطيني لخطابه يصرخان: لقد وجدنا "المانشيت" الى أن إستقال أبو عمار في ذلك المؤتمر فقالا بأنه هذا هو المانشيت قبل أن يعود " الختيار" كعادته عن الاستقالة تحت ضغط الحضور. وحينما عادا للصحيفة وأختلطت عليهما الامور، بدءا بالتشاور على المانشيت فكان الحل من وجهة نظر رياض الحروب بأن هناك مجلات متخصصة في التعليق على الصور، وربما يكون هذا الامر مخرجا ملائما لعدم خبرتهما السياسية وقدرتهما على كتابة تقرير يغطي مجريات ومخرجات المجلس الوطني الفلسطيني. بعد استعراض الصور التي التقطها رياض ونايف، تبين أن هنالك بعض الاعضاء كانوا قد غطوا في نوم عميق، فصرخ رياض قائلا لقد وجدت المانشيت: إعضاء المجلس الفلسطيني ... النوم سلطان " وصدر عدد "شيحان" وهو يحمل هذا العنوان اضافة الى تعليق كان في منتهى الخطورة على صورة الراحل العظيم " الحسين" وهو يؤشر بيده للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وكتب تحتها التعليق التالي: "أحنا تمام" في حين يرد عليه " ابو عمار" : وأحنا كمان" الأمر الذي فهم منه على أن الملك الراحل" طبخ" مع " الختيار" كل شيء، سواء كان قانونيا ام لا، الأمر الذي أثار غضبا كبيرا لدى قيادات الدولة التي لم تتنبه في وقت مبكر لهذه الصحيفة وخطورة هفواتها وقلة خبرة العاملين فيها . الأردن الرسمي المشغول في انجاح المؤتمر لم يكن ليتنبه لما كتبته " شيحان" لولا أن الصحيفة تصدرت النشرة الاخبارية الرئيسة في التلفزيون السوري، ضمن تقرير مطول عن مجريات اعمال المؤتمر الوطني الفلسطيني، في اشارة الى الصحيفة على أنها صحيفة المعارضة الأردنية ، وأنها كانت الشاهد على تزوير قصة المجلس التي طبخت بين الملك الراحل وعرفات . أحمد عبيدات القادم من رحم المخابرات للتو، طلب على وجه السرعة تزويده بملف كامل عن الصحيفة والعاملين فيها، وأستعرض الملف مع قيادات الاجهزة الامنية، وطلب منهم جمع النسخ من الاسواق وترك لهم حرية التصرف لمعالجة هذا الامر فورا فتحركت الاجهزة على عدة محاور بدءا من دائرة المطبوعات التي قالت ان الصحيفة خالفت شروط الترخيص وانتهاء بالمحور الأمني الذي كانت تعول عليه الحكومة كثيرا لمعالجة الموضوع وضمان عدم تكراره ، حيث تحركت الاجهزة الامنية والمخابرت العامة وداهمت مقر الصحيفة، واذ بهم امام مشهد لم يتوقعوه اطلاقا، حينما وجدوا أربعة أشخاص انهكهم التعب ، و بقايا قلاية بندورة وخبز وكاسة شاي فارغة على طاولة التحرير. بدأ التحقيق مع رياض ومن معه ، وبعد مراجعة ملفات من ضبطوا داخل المبنى وبعد اتصالات ما بين المخابرات والحكومة، ووساطات بعض الشخصيات المؤثرة، قرر عبيدات عدم تنفيذ توصية وزير الاعلام بأغلاق الصحيقة ، بعدما تأكدت الأجهزة من حسن نوايا العاملين، وعدم تلقيهم تعليمات من اي جهة خارجية ، ومن قلة خبرتهم، وأخلت الأجهزة سبيل الجميع بعدما تعهد رياض بعدم القيام بمثل هذه الامور مستقبلا. وفي الوقت الذي ظن فيه الكثيرون أن ملف "شيحان" قد أقفل كانت ألأجهزة الأمنية قد أتخذت قرارا بوضع شيحان ورياض ومن معه تحت المراقبة، بعدما فتحت هذه الحادثة شهية رياض على أن يكون نجما طامحا الى شهوة السلطة والمال. |













