| ممنوع الوقوف أو التوقف في "الوقفة".. |
|
|
|
الزميل الكاتب : هاني البدري - عمان وعادت الروح إلى قاع المدينة، وبات وسط البلد ملجأ الآلاف من أبناء عمان ممن يلوذون به ليستعيدوا ذكريات الزقاق وأدراج شارع بسمان والسنترال، مرة واحدة -هكذا- رجع وسط البلد بقرار أبناء المدينة ممن سئموا الدواوير والمولات وعصرنة الحياة العمانية التي اكتشف أصحابها أنها بلا لون ولا رائحة ولا طعم لتصنع لهم ذكريات. رَجِعَت المقاهي وشرفات المباني العتيقة إلى الحياة، حوالي الأوبرج وعلى درجات مقهى الجامعة العربية ودخلة هاشم وذكريات المدرسة، أفلام نجيب محفوظ ونبيلة عبيد كلها حضرناها هنا في بسمان ورغدان، ومازال هنا ساندويتش فؤاد رفيق الأيام مكحلاً بنصف وقية كنافة على الواقف عند كشك أبوعلي.. هي عودة الروح، إذن، لأبناء عمان الأصلية التي لم تفقد روحها بعد، وهي أيضاً ملاذ الناس المكتوين بأسعار معارض الماركات ووكالات (الأجنبي) والمولات التي هي في الأردن للفرجة فقط.. اللهم بعض المرتاحين من حملة الأكياس الكرتونية الراقية. أتابعُ وسط البلد وهو يعود للحياة بناسٍٍ خَبِرَهم عمراً، وآخرين من الشباب والصبايا الفرحين بالأصلي: الخروب، والتمر هندي، والفروج، ومسخن عمون، والكنافة النابلسية، وسندويشات دخلة سينما عمان، والبزر المحمص والسوداني الطيب، وأكياس البالة النايلون السوداء وابتسامة التجار ونداؤهم التاريخي.. "اتفضل عنا الأصلي". ومع المشهد الذي أراقبه كل مساء خلال ليالي رمضان الفضيل من على شرفة من شرفات البلد، حيث حركة الناس والسياح، راعني ما شاهدته خلال الأيام الأخيرة من الشهر، حيث تكتظ أسواق قاع المدينة بتلك الأسر التي تلوذ أيضا بوسط البلد لشراء حاجيات العيد وملابس الأطفال، هاربة من نار الأسعار في عمان "الفوقة". ما أن يتوقف رب أسرة على جانب الشارع لتناول بضع حاجيات ستُوفر له بضعة دنانير بيضاء تنفعه في أيام البرد السوداء، حتى ينقَضُ عليه شرطي سير أو أكثر، وهم منتشرون في الأسبوع الأخير من رمضان بشكل لافت وغير مفهوم، ليسجل مخالفة مرورية ستعيده حتماً إلى ما تحت الصفر في مشروع التوفير البسيط الذي اختار وسط البلد ميداناً له.. رأيت، عن كثب، رجالاً يتوسلون لشرطي سير بأن يعفو عنهم بعد أن توقفوا لدقائق قليلة تناولوا خلالها حذاءً لطفل أو بنطالاً للعيد، كان العناد سيد المشهد وكأن النظام والقانون لا يستويان إلا عند هذا المواطن الذي أبَى أن يشكو أسعار وغلاء واحتكار وجشع التجار في رمضان إلا إلى الله.. وكأنه لم يكتف من مقلب قدوم العيد بعد انقضاء منتصف الراتب الشهري وعلى وجه "فتوح" المدارس لينتهي به مسلسل المرار بيد شرطي سير لا يقرأ القانون ومستلزمات تطبيقه إلا في عيون هذا الغلبان. أفهمُ وأستوعب تماماً أن مهمة شرطة السير، وتحديداً في شوارع وسط البلد الضيقة، هي تنظيم العملية المرورية وتسهيل انسيابها والحد من نزاعات الألفاظ والأيدي بين السائقين، لكني لا أفهم ماذا يُضير تلك الأعداد الكبيرة من شباب شرطة السير المنتشرين في المكان من وقوف مواطن وأسرته لدقائق على جانب الشارع لشراء حاجيات ترسم فرحة العيد على الوجوه! وماذا يمنع هذا الشرطي من التجاوب مع توسل المواطن وهو يهم بالمغادرة.. أم أن تطبيق العقوبة والقصاص من المواطن هو أساس العدل، فماذا إذن عن مواكب المسؤولين والوزراء الذين يوقفون حال البلد ووسطها.. من أجل زيارة فلكلورية لمطعم قديم أو سوق تراثية أمام فلاشات الكاميرات. ثم أتساءل مع نفسي.. ما ذنب تلك المحال المنتشرة على طول شوارع وسط البلد مضاءةً بكل ألوان الطيف وهي "تنش" من دون زبائن، وبلا بيع، بعد أن تقهقر المتسوقون هرباً.. في إحدى الليالي التي تابعت بها هذه المشاهد المتكررة في حوار المواطنين والتجار والشرطة، كنت قد مررت عبر شارع مكة الذي تُزيِّنُ خاصرته يافطات على امتداده رصدتُ بعضَها، "الحكومة والشعب..أكثر ابداعاًً".. "الحكومة والشعب.. أكثر وثوقاًً.. أكثر تفاعلاً.. أكثر إنجازاً.. أكثر ثباتاًً.. أكثر تحملاً..". وسألت نفسي لو أن الذي خط هذه الشعارات (الرائعة) على امتداد شارع مكة، شاهد ما يجري في وسط البلد من توسل ورجاء لمواطنين وتدخلات خجولة من زوجات أو بنات لدى شرطي سير بأن لا يدمغ تعنته في مخالفة تغطي لهم وجبات عدة أيام رمضانية.. ماذا كان سيكتب. كل عام وأنتم بخير.. ( الغد الأردنية )
|
||













