| جرائم الشرف بلا شرف |
|
|
|
كتبت: د. رلى الحروب - - خلال أسبوع واحد فقط سمعنا بجريمتين قتل في كل منهما أخ أخته، في الأولى ادعى شاب متهور بأنه قتل أخته بداعي الشرف وفي الثانية يبدو أن دفاع الأخ القاتل سيقع في الباب ذاته: جريمة شرف. لا أستطيع الكتابة عن الجريمة الأولى التي وقعت قبل أقل من أسبوع لأنني سمعت عنها عبر إحدى محطات الإذاعة في برنامج صباحي ولم أقرأ تفاصيلها، أما الجريمة الثانية فهي لا تقل بشاعة حيث قام شاب عمره 23 عاما بقتل أخته المتزوجة وعمرها 22 عاما إغراقا في البحر الميت ثم قام بتسليم جثتها وتسليم نفسه للشرطة بالتنسيق على ما يبدو مع كل من الأب والأم وأخين آخرين قاما بضرب الأخت المنكوبة ضربا مبرحا حين عادت مطرودة من منزل زوجها!!! هل يعقل هذا؟ هل يمكن أن نصدق أن أخا يقتل أخته بتنسيق مع الأسرة كلها لمجرد أنها عادت إلى منزل العائلة مطرودة من منزل زوجها؟ هل استمع الأهل إلى قصة ابنتهم أم أن تهمتها كانت جاهزة منذ عودتها إليهم؟ ما هي الجريمة التي ارتكبتها المجني عليها؟ هل خانت زوجها في غيبته أو تخلت عن عذريتها قبل الزواج، أم أنها لم تعد له طعام العشاء عند عودته متأخرا في الليل؟ هل رفعت صوتها عليه أم أهانت أمه أم تشاجرت معه بسبب المشروب؟ لتكن غلطتها ما تكون، فهل تستحق بالفعل أن تتآمر الأسرة لقتلها؟ وكيف يمكن لأخ عاش مع أخته طيلة عشرين عاما أن يقتلها ببساطة استجابة لقرار أسري أو قرار شخصي؟! تفاصيل هذه القصة المفجعة غير معلومة بعد، ولا نعلم ما سيسفر عنه التحقيق، ولا نعلم إن كان ما نشرته الصحف دقيقا، ولكنها تذكرنا على كل حال بقصة الفتاة التي قتلت أهلها في إربد بعد أن سممتهم بالعصير وخفف حكمها من الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. لقد ورد في سجلات المحكمة أن أهلها اتهموها بسرقة ثلاثين دينارا، وشك البعض في أن هذا هو السبب وراء القتل، ولكن أحدا لم يفكر في احتمالات أخرى، فقد تكون الفتاة في موقف مشابه لأولئك اللائي قتلن بدعوى الشرف وقد يكون قرارها بقتل كل أفراد الأسرة استباقيا!!! نحن لا نعلم الأسباب الحقيقية بالطبع، ولكنها مجرد احتمالات نطرحها في ظل موجة مسعورة تسمى جرائم الشرف. لا أدري كيف يمكن أن تمتزج كلمتان متناقضتان سويا وتترددا على كافة الألسنة بهذه البساطة وكأنهما توأمان متطابقان!!! جرائم .....شرف، وهل يمكن للجريمة إلا أن تكون جريمة؟ وهل يمكن للشرف أن يوضع في مصاف الجرائم؟ وهل تحمل الجريمة أي شرف؟ وهل يتحمل الشرف وزر الجريمة؟! من أعطى هذا الأخ أو ذلك الأب أو ابن العم أو ابن الخال الحق في تقرير ما هو الشرف وما هي الأفعال التي تخل بالشرف؟! من أعطى أولئك الأقارب الدانين او البعيدين الحق في اعتبار سمعة الفتاة شرفا على ذكور الأسرة الذود عنه بحد الحسام؟! ولماذا تكون الضحايا في جرائم الشرف لدينا هن النساء فقط؟ أين شركاؤهن في الجرم المزعوم؟ ولماذا يستمرون في الحياة وارتكاب الأخطاء في حين يقرر ذكور الأسرة الكرام اختطاف حياة الفتاة وحدها واقتلاع روحها من جسدها منتحلين دور الخالق الأكرم؟!! هل يعلم أولئك القتلة أن معظم الفتيات اللائي تم قتلهن بدعوى جرائم الشرف كن عذراوات؟ ألم تتضح دوافع أخرى تتعلق بالمال و"الورثة" في الكثير من قصص جرائم الشرف بالأردن؟ ألم تقتل الكثيرات جراء التهور والاندفاع دون إتاحة الفرصة للفتاة للدفاع عن نفسها؟! إلى متى يبقى مفهوم الشرف محصورا في أذهان البعض بجسد الفتاة؟ ألا يهان شرف هذا الشهم أو ذاك الهمام إلا إن سمع عن أخته أو ابنته أو ابنة عمه ما لا يرضيه؟ ماذا عن الأخت التي يلوث أخوها سمعة العائلة عبر انغماسه في المخدرات أو إدمانه الكحول أو احترافه النصب أو ممارسته الزنا؟ ألا يحق لها أن تشعر بانخداش شرفها أسوة بالذكر، أم أن الشرف باتت هويته مؤنثة؟!! ماذا عن الزوجة والأم؟ أليس لهم شرف يجرحه الابن والزوج؟ وهل تسمى جرائمهم بحق أولئك إن تمت جرائم شرف؟ لقد حاولت الملكة رانيا العبدالله ومعها كل القوى المدافعة عن حقوق المرأة في الأعوام 2002 و2003 تغيير قانون الشرف الجائر ليصبح أكثر عدالة ومساواة، فوقف في وجه تلك الجهود برلماننا الكريم، بل إن ثلاثا من النائبات الست صوتن ضد تعديل القانون ولم تؤيده إلا واحدة، أما عتاولة البرلمان فقد وقفوا جميعهم ضد ذلك التعديل دفاعا عن الشرف الرفيع الذي لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم!!! أين أولئك المدافعون عن الشرف والقاتلون باسم الشرف من شرفنا المسفوك بانتهاك مقدساتنا وحرماتنا؟! أين هم من شرفنا المهدور في فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال وافغانستان؟ أين هم مما يحاك لنا من مؤامرات ستضطر رجالنا قبل نسائنا إلى بيع أجسادهم لمن يشتري بعد ما بيعت العقول والأفئدة في أسواق النخاسة؟! إلى متى يبقى مفهوم الشرف لدى العربي محدودا في جسد المرأة؟ نتعلم من أعدائنا كل عاداتهم السيئة أما تلك الحسنة فلا نتوقف أمامها. الشرف عند الغربي يتعلق بالكرامة والصدق والنزاهة والاستقامة والحفاظ على الوعود. إنه نابع من خصاله الشخصية وسلوكه وليس من سلوك غيره حتى وإن كان ذلك الغير هو أخته أو أمه أو ابنة عمه. هل يقبل الرجال أن ترتكب النساء جرائمهم بدعوى الشرف؟ المثل يقول: ما يناسبني يناسب الآخرين، فهل يناسب الرجال أن تمنح الرخصة الممنوحة لهم للنساء للثأر للشرف المهدور؟!! آن للمجتمع الأردني أن يستيقظ ...آن لروح العدالة المختنقة في قمقم العادات البالية أن تنفض عنها الغبار وتذيب الشمع الأحمر....آن للبرلمان أن يعيد النظر في قانون الشرف بما يحقق العقوبة الرادعة لكافة أطراف الجريمة....آن للنساء أن يثرن على الظلم وعلى سياسات الكيل بمكيالين، وآن للرجال أن يوسعوا مفاهيمهم وإدراكاتهم ويتنبهوا إلى شرفنا المهان تحت بساطير الأمريكيين والإسرائيليين وعملائهم في بلداننا....آن للرجال أن يثأروا لشرف المناضلات الفلسطينيات القابعات في سجون الاحتلال الإسرائيلي وعملائه، وشرف الماجدات العراقيات اللائي يعذبن في سجون الاحتلال الأمريكي وعملائه....آن لأمة العرب وأمة الإسلام أن تعيد تعريف مفهوم الشرف بما يحمل في مضمونه الشرف، لا أن تقرن الجريمة بالشرف لتجرد كليهما من معناه. سئمنا السماع بجرائم القتل الأسرية البشعة التي ترتكب باسم من هو منها براء...كفى...أثقلتم فؤادنا وأوجعتم حتى أوجاعنا وزدتم ليالينا ظلمة وأيامنا سوادا...ارحمونا من هذه الانتهاكات باسم الشرف، وانصرفوا إلى الدفاع عن شرفكم الحقيقي الذي وإن ألقاكم في غياهب السجون أو ظلمات القبور فسيجللكم بأكاليل الغار لا أكاليل العار!!! عن الأنباط |













