|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
تعديل الحكومة او حتى رحيلها، اذا ما تم بمعزل عن تغيير يصيب النهج العام الذي يدير البلد، فانه لن يمثل الا محاولة التفافية تريد التحايل على الاحتقان، والتخفيف من حدة الفضائح الاخيرة، وتجفيف بعضا من اتون الحراك الشعبي المتصاعد لا سيما في المحافظات.
ورغم ذلك، كان من المتوقع بعد ما جرى في قضية الكازينو، واحتراما لمشاعر المواطنين ومطالبهم، ان يرحل البخيت عن المشهد، وان تكون الرسالة السياسية اكثر انحيازا للناس.
تعديل الامس الذي اجراه معروف البخيت على حكومته لم يكن فارقا بشكل واضح، وباستثناء الاطاحة بوزير الداخلية السرور، لم ينتبه الناس الى معلم يثيره التعديل في نفوسهم.
وعلى ما يبدو ان قرار التعديل رُسِمَ مضمونه بهدف إحداث تغيير شكلي نفسي يؤثر في المزاج العام، اما قضية برنامج البخيت وسياسته فهي مستمرة لن يطاولها تعديل قط.
البخيت وفي ظل رغبة المرجعيات العليا باستمراره، كان مضطرا للتغيير، فهناك مقاعد وزارية شاغرة بسبب الاستقالات، وثمة عدم توافق في فريقه الوزاري، ما جعله مضطرا للتعديل بسقف غير ابداعي.
طبعا الحراك الشعبي والسياسي الذي شهدنا تطوره يوم الجمعة، لن يتأثر بهذا التعديل ولن تقنعه هذه الخطوة بالتراجع عن مطالبه الوطنية والاجتماعية والحقوقية.
ومن هنا يتبدى ارتباك المشهد السياسي الاردني عند كافة اطرافه، فالنظام يقف امام معضلته بسلبية واضحة، فهو لايقدم على خطواته الا مترددا وبكمية غير دسمة، لا تسمن ولا تغني من جوع.
اما المعارضة والحراك الشعبي تحديدا، فمطالبتهم بحل البرلمان واسقاط الحكومة، ليست مطالبة لذات الحل والاسقاط، وانما هي مطالبة بمشروع اصلاحي متكامل يغير النهج ويلبي طموح الناس ويطوي مخاوفهم على الوطن والادارة والقرار.
التعديل الذي اجراه البخيت على حكومته، ليس اكثر من قفزة في هواء التراخي الرسمي عن الاصلاح واضاعة الوقت، فالذهاب بعمرو، والاتيان بعمرو اخر، ليس حلا.
الحل واضح وضوح الشمس، وعنوانه خطوات اصلاحية حقيقية تمس التشريعات الناظمة للعمل السياسي ومن ثم اسقاطها على ارض الواقع، على ان تدير المرحلة الانتقالية هذه، حكومة وطنية يرأسها شخص غير خلافي ومشهود له بالقامة الانصافية والاستقلالية.
|
|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
تلميحات الحكومة حول رفع أسعار المحروقات، تجعلنا نرجح أن القرار وشيك، وان لحظة الرفع ستكون رهنا بتأهيل الشارع لقبول القرار والانسجام معه كما هي العادة.
إن مجرد تفكير الحكومة برفع أسعار الوقود، تشعرنا كمواطنين في هذا التوقيت الاستثنائي الذي يسود فيه صوت الشعوب العربية الجارة لنا، بأننا قد هزمنا ولم تعد تُعر لنا الحكومة أي انتباه.
على الأقل، كان يستوجب الأمر سياسيا من الحكومة، أن تشك وتتوجس للحظة من احتمال انفجار الغضب وخروج الشارع الشعبي ليعبر عن الرغبة في التغيير.
لكن مجرد الإشارة لاحتمال رفع أسعار المحروقات، ومواكبة ذلك بحملة بالونات اختبار وتوطئة، يشي بان الحكومة تضمن الشعب أو تظن ذلك.
هذه الحسابات الرسمية التي تضمن الشارع ليست دقيقة، فوصفات مواجهة الإصلاح السياسي التي استخدمتها الحكومة وجيّشت لها الإقليمية، لن تكون فاعلة في مواجهة الغلاء والفقر العابرين للمناطق والجذور والسيقان.
نعرف أن خزينة الدولة مرهقة وتعاني، وان المواطنين يعرفون ذلك أيضا، لكنه في مقابل ذلك، يبدو "الكل المجتمعي" قانع تماما بان لا حلول مقبولة إذا ما كانت حكرا على جيوب الفقراء.
الحكومة الناجحة هي التي تبدع وتنحت الحلول الصعبة المبتكرة، والحكومة الفاشلة هي التي تذهب نحو الحل التكتيكي السهل ونحو المواطن الفقير لتأخذ منه.
رفع أسعار المشتقات النفطية مرفوض من كل الناس على اختلاف مواقعهم في السلم الاجتماعي، ولا خيار أمام الحكومة إلا أن تستحضر الخوف من الشعب واحتمال غضبته.
على الجهة المقابلة، يتحتم على الدولة ( رأس وحكومة ) البحث عن خيارات أخرى، فثمة أحاديث عن معونات خليجية تدعم الاستقرار في الأردن، وتريد من خلالها أن تتخطى الأردن موجة التغيير بأقل الأضرار.
هنا يجب على الحكومة العمل على تحصيلها في أسرع وقت وبأعلى قيمة تحقق المطلوب الاقتصادي، وليكن الإبداع الرسمي مركّز اليوم على إقناع الأشقاء بضرورة ذلك، وارتباطه بمصالحهم هم أيضا.
لو كانت الحكومة منتخبة، وقد اختارها الناس، لربما تفهّم الناس ما تفعل، وإذا لم يتفهّموا، كان الرد بإسقاطها في اقرب مناسبة ديمقراطية، فالإصلاح السياسي هو باب كل حل.
|
|
صبحي غندور
|
كتب: صبحي غندور - واشنطن - -
حينما ينتفض شعبٌ ما في أيِّ بلد من أجل المطالبة بالعدالة السياسية والاجتماعية، تصبح حركته قوة تغيير نحو مستقبل أفضل، بينما العكس يحدث إذا تحرّكت الجماعات البشرية على أساس منطلقات أثنية أو طائفية، حيث أنّ الحروب الأهلية ودمار الأوطان هي النتاج الطبيعي لمثل هذا الحراك.
إنّ التعدّدية بمختلف أشكالها، ومنها الاختلاف في الخلق والأجناس واللغات والطوائف، هي سنّة الخالق الحتمية على هذه الأرض، والطبيعة تؤكّد تلك الحقيقة في كلِّ زمانٍ ومكان. لكن ما هو خيارٌ بشري ومشيئةٌ إنسانية هو كيفيّة التعامل مع هذه "التعدّدية" ومن ثمّ اعتماد ضوابط لأساليب التغيير التي تحدث في المجتمعات القائمة على "التعدّدية".
فليس المطلوب عربياً، وهو غير ممكن أصلاً، أن تتوقّف كل مظاهر الصراعات في المجتمع. فهذه دعوة للجمود ولمناقضة طبيعة الحياة وسنّتها التي تقوم على التحوّل والتغيير باستمرار، وعلى التصارع بين ماضٍ وحاضر ومستقبل. لكن المؤمّل به هو أن تأخذ الصراعات السياسية والاجتماعية أولويّة الاهتمام والتفكير والعمل بدلاً من الصراعات الأخرى التي تجعل الناس مثلاً يحاربون بعضهم البعض فقط لمجرّد توزّعهم على انتماءات أثنية أو طائفية أو قبلية مختلفة.
إنّ المجتمعات الديمقراطية المعاصرة قد توصّلت إلى خلاصات مهمّة يمكن الأخذ بها في أيّ مكان. وأبرز هذه الخلاصات هي التقنين الدستوري السليم لتركيبة المجتمع ممّا يصون حقوق "الأكثرية" والأقلّيات معاً، رغم مبدأ خضوع الجميع لما تختاره أكثرية الناخبين حينما تكون هناك انتخابات عامَّة في البلاد.
وأيضاً لا بدّ في هذه المجتمعات من توافر الحدّ الأدنى من ضمانات الأمن والغذاء، وبعض الضمانات الاجتماعية والصحية، ممّا يكفل التعامل مع مشكلتيْ "الخوف" و"الجوع"، فلا تكون "تذكرة الانتخاب" أسيرة ل"لقمة العيش"، ولا يخشى المواطن من الإدلاء برأيه أو المشاركة بصوته الانتخابي كما يملي عليه ضميره، لا كما يرغب من يتحكّم بلقمة عيشه أو من يرهبه في أمنه وسلامته.
هذه أسس هامّة لبناء المجتمعات الحديثة، ولتوفير المناخ المناسب لوحدة الأوطان، ولتقدّمها السياسي والاجتماعي، ولمنع الاهتراء في أنظمتها وقوانينها، كما هي عاملٌ مهم أيضاً في منع تحوّل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى براكين نار تحرق نفسها ومن حولها.
إذن، من غير توفّر مقومات لبناء نظام سياسي ديمقراطي، فإنّ أيَّ ضغطٍ عنفي لتغييرٍ ما في المجتمع قد يتحوّل إلى أداة تفجير اجتماعي وأمني يصعب التحكّم بنتائجه.
كذلك، فإنّ عدم الالتزام بأساليب التغيير الديمقراطية يعني تحويراً للانقسامات السلمية نحو مسارات عنيفة. فالانقسامات السلمية الصحية في المجتمعات تحتاج لضمانات التغيير الديمقراطي من قِبل الحاكمين والمعارضين معاً.
وتعيش الآن المنطقة العربية بمعظمها مخاطر التهديد للوحدة الوطنية كمحصّلة لمفاهيم أو ممارسات خاطئة لكلٍّ من الوطنية والعروبة والدين. وقد عانى العديد من الأوطان العربية، وما يزال، من أزمات تمييز بين المواطنين، أو نتيجة ضعف بناء الدولة الوطنية، ممّا أضعف الولاء الوطني لدى الناس وجعلهم يبحثون عن أطر فئوية بديلة لمفهوم المواطنة الواحدة المشتركة.
وقد اعتقد بعض العرب، خاصّةً ممّن هم في مواقع الحكم، أنّ إضعاف الهوية الثقافية العربية أو الانتماء للعروبة بشكل عام، سيؤدّي إلى تعزيز الولاء الوطني، لكنّ ذلك كان أشبه بِمن أراد إضعاف التيّارات السياسية الدينية من خلال الابتعاد عن الدين نفسه، عوضاً عن الطرح السليم للعروبة والدين، وبإفساح المجال أيضاً لحرّية التعبير السياسي والفكري للتيّارات كلّها.
إنّ الفهم الصحيح والممارسة السليمة لكلٍّ من (الوطنية والعروبة والدين) يتطلّب أصلاً نبذاً لأسلوب العنف بين أبناء المجتمع الواحد، مهما كانت الظروف والأسباب، وما يستدعيه ذلك من توفّر أجواء سليمة للحوار الوطني الداخلي.
إنّ أساس الخلل الراهن في جسم الأمَّة العربية هو في عقول العديد من المفكرين والسياسيين وعلماء الدين الذين فشلوا عملياً في الحفاظ على الظاهرة الصحية بالتعدّد الطائفي والمذهبي والأثني في مجتمعاتهم، حيث أصبحت الأفكار والممارسات تصبّ كلّها في أطر فئوية موجّهة كالسّهام ضدّ الآخر في ربوع الوطن الواحد.
فالتعدّدية كانت قائمة في البلاد العربية خلال الخمسينات والستينات، لكنّها لم تكن حاجزاً بين الشعوب ولا مانعاً دون خوضٍ مشترك لمعارك التحرّر والاستقلال الوطني، بل كانت مفخرة معارك التحرّر آنذاك أنّها تميّزت بطابع وطني عام صبغ القائمين بها، فكانت فعلاً مجسّدةً لتسمية "حركة تحرّر وطني".
اليوم، نتعايش مع إعلام عربي وطروحات فكرية وسياسية لا تخجل من توزيع العرب على طوائف ومذاهب وأقليات بحيث أصبحت الهويّة الوطنية الواحدة غايةً منشودة بعدما جرى التخلّي المخزي عن الهوية العربية المشتركة.
هو انحطاط، وهو انقسامٌ حاصلٌ الآن بعدما استباحت القوى الأجنبية (الدولية والإقليمية)، وبعض الأطراف العربية، استخدام السلاح الطائفي والمذهبي والأثني في حروبها وصراعاتها المتعدّدة الأمكنة والأزمنة خلال العقود الثلاثة الماضية. وهاهي الأمَّة العربية الآن تعيش تحوّلاتٍ سياسية خطيرة هي نتاج طبيعي لتراكم ما حدث من تفاعلات ومتغيّرات في الثلاثين سنة الماضية، كان "الخارج" و"الداخل" فيها مسؤوليْن عن عصارة السلبيات التي تنخر الآن في جسد الأمَّة.
إنّ الشّباب العربي المعاصر لم يعش حقباتٍ زمنيّة عاشها من سبقه من أجيال أخرى معاصرة، كانت فيها الأمّة العربيّة موحّدةً في مشاعرها وأهدافها وحركتها رغم انقسامها السياسي على مستوى الحكومات. مراحل زمنيّة كان الفرز فيها بالمجتمع يقوم على اتجاهات فكريّة وسياسيّة، لا على أسس طائفيّة أو مذهبيّة أو حتّى إقليميّة. لكن سوء الممارسات في بعض التجارب الماضية، والعطب في البناء السياسي الداخلي، إضافةً إلى التدخّل والتآمر الخارجي، أدّى كلّه للإساءة إلى المفاهيم نفسها، فاستُبدِل الانتماء القومي والوطني بالهويّات الطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة، وأضحى العرب في كل وادٍ تقسيميٍّ يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون!.
هي فرصةٌ هامّة، بل هي مسؤوليّةٌ واجبة، للجيل العربي الجديد المعاصر الآن، أن يدرس ماضي أوطانه وأمَّته بموضوعيّة وتجرّد، وأن يستخلص الدروس والعبر لبناء مستقبلٍ جديد أفضل له وللجيل القادم.
إنّ رفض الواقع والعمل من أجل تغييره هو مدخل صحيح لبناء مستقبل أفضل، لكن حين لا تحضر بمخيّلة الإنسان العربي صورة أفضل بديلة لواقعه، فإنّ النتيجة الحتمية هي السير في طريق مجهول لا تُعرف عقباه. وكذلك هي مشكلة كبرى حين يوجد عمل لكن في اتجاهٍ غير صحيح.
فعسى أن تكون الآن حركة الجيل العربي الجديد دافعاً لترسيخ الهويّة الثقافيّة العربيّة ومضمونها الحضاري، ومنطلقاً لبناء نهضة عربيّة ووطنيّة مشتركة تعتمد مفهوم المواطنة لا الانتماء الطائفي أو المذهبي أو الأصول العرقيّة، وتستهدف الوصول - بأساليب ديمقراطيّة لا عنفيّة - إلى " اتحاد عربي ديمقراطي" حرّ من التدخّل الأجنبي، وتتساوى فيه حقوق الأوطان وواجباتها كما تتساوى في كلٍّ منها حقوق المواطنين.
فالصراع على "الهُويّة" في المنطقة العربية هو جوهر الصراعات السائدة الآن، وهو صراع دولي/إقليمي في إطاره العام الجاري حالياً، ويريد البعض تحويله إلى صراعات طائفية ومذهبية في أكثر من مكان. لكن صمّام الأمان لوحدة الأوطان والمجتمعات العربية يكون في التأكيد على الطبيعة السياسية للصراع وفي ملء الفراغ الكامن عربياً من حيث انعدام المرجعية العربية الفاعلة والمشروع العربي الواحد لمستقبل الأمَّة وأوطانها. وهذا المشروع لن تقوم له قائمة ما لم تكن حاضرةً فيه، ومعاً، ركائزه الثلاث: الديمقراطية والتحرّر الوطني والهويّة العربية.
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

|
|
فؤاد وجاني
|
كتب: فؤاد وجاني - كولورادو - -
كثيرون هم من فارقوا الحياة فراق الداعب اللاعب من القدر الحاتم المحتوم علينا منذ أول صرخة في هذا الكون حتى آخر شهقة، كثيرون هم من مضوا في مزاح قبل الموت وبعده، وكأن الحياة لاتستحق الجدية مادام الموت يتخللها، أو ربما لأن الهزل أبلغ مظاهر الجد أحيانا.
كان فيلسوف عصر التنوير الغربي الكاتب والمؤرخ الفرنسي فولتير على فراش الموت حين جاءه كاهن "ليطهره من الذنوب" ناصحا إياه بنبذ الشيطان، فأجاب فولتير قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة: "هذا ليس الوقت المناسب للحصول على أعداء جدد!".
وحين سئلت الكاتبة البريطانية جين أوستن وهي تحتضر: "هل تريدين شيئا ؟" أجابت: "لاشيء سوى الموت!".
وأعرب النحوي الفرنسي دومينيك بوهور قبل أن توافيه المنية بلحظات: "أنا على وشك -أو أنا ذاهب إلى- الموت، كلا التعبيرين جائزان".
أما الأديب الأمريكي أوجين أونيل فقد همس في آخر لحظاته داخل غرفة فندق: "كنت أعرف ذلك! كنت أعرف ذلك! اللعنة! لقد ولدت في غرفة فندق، وها أنذا أموت في غرفة فندق".
القرآن يضم آيات تؤكد أن الدنيا لعب ولهو وتكاثر في الأموال والأولاد. لن يبقى على وجهها أحد، هذه الأرض الدائرة من تحتنا دون توقف أو استئذان. تحت رحمة الزمن الماضي بنا نعيش الماضي والحاضر والمستقبل، وكأننا لن نموت أبدا. نحلم ونكبر ونصغر أحيانا وفي داخلنا أكذب الآمال أننا سنعيش غدا. ربما للغاية نفسها نعشق مرح الأطفال ونميل إلى الفرح ونقدس نعمة النسيان.
لعل الآداب نفسها نشأت لتقلد دورة الحياة الكاذبة غير المجدية، لتبقى كلاما عن مشاكل العيش والتطلع إلى الحب والجمال. لاشيء يفيد مهما حاولنا التصدي لهجوم الزمن المنتصر، نحن الخاسرون أبدا، لربما كان الأجدى أن نستبدل اسم الحياة بالمعركة الخاسرة.
لعلنا نتقن فن النطق والكلام لننأى عن واقعنا أو لنسخر من أنفسنا بالنسيان، وقد تكون الحيوانات والبهائم أكثر حكمة منا لأنها لاتعقل –على حد تعبيرنا- أو لأنها رضيت بقدرها –على حد فهمها . - لعله الخيال نتمسك بأهدابه الواهنة؛ يمنحنا قوة التشبث بالحياة. لعلها الضرورة؛ ليس لنا خيار ثان مادمنا قد جئنا إلى هنا دون خيار ولم نك شيئا.
قبل أشهر، رحل صديق روسي حميم قديم. كان الصديق قد أصيب بمرض عضال في عضلة القلب لم ينفع معه استبدال القلب مرتين بآخرين صناعيين في محاولتين فاشلتين نجحتا في تمديد فترة النبض فقط. أمهله الطبيب فترة تسعة شهور لمفارقة الحياة. رغم أن مواعيدها لاتتأخر، لم يجزع الصديق من خبر الموت القادمة. عاش آخر أيامه متنقلا سائحا بين أركان الدنيا من مشرقها الى مغربها. كان سعيدا غاية السعادة، ربما لسببين رئيسين: أولاهما، أن موعد لقاء الحياة بالموت كان محددا. ثانيهما، أنه عاش سبعة عقود طولا وعرضا.
في آخر لقاء معه، سخر من قدره فأهداني ساعته الفاخرة. مرت الشهور التسعة ولم يخطئ نبأ الطبيب فتوقف قلبه، أما ساعته فتوقفت في معصمي قبل أيام قليلة. الآن فقط أحسست أنه مات فعلا.
على الأقل لن تخسر ساعته معركة الحياة، سآخذها للمصلح غدا لاستبدال البطارية ...
|
|
|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
منصب امين عمان سيبقى خاضعا لارادة الحكومة، فقد اقرت اللجنة الادارية في مجلس النواب ضمن مناقشاتها لقانون البلديات عدم انتخاب امين عمان والحفاظ على نفوذ الحكومة فيما يتعلق بهذا الموقع.
ردود رئيس اللجنة الادارية مرزوق الدعجة على مبرر ابقاء عمان ضمن معطى التعيين الذي يتنافى مع المرحلة الاصلاحية التي نمر بها، كانت غير مقنعة، واكتفت بوصف عمان بانها عاصمة سياسية، وكأن العواصم السياسية لا تدخلها الديمقراطية.
سكان عمان يشكلون الكم الاكبر من سكان البلد، وهم الذين يدفعون من جيوبهم معظم تفصيلات ميزانية الامانة، ولا يعقل ان يحرم هؤلاء من اختيار عمدتهم، فهم المالكون للبلدية وارضها، وحق لهم ان لا يهمشوا باسفاف غير مبرر.
طبعا مقاربة الدولة لابقاء منصب امين عمان دون انتخاب، لا تبتعد عن كونها سياسية امنية ذات وصاية، فلا موجب اداري نلمحه في تعيين الامين، ولا مبرر ديمقراطي يسمح بذلك.
اذاً، مما يخافون في انتخاب امين عمان وترك اختيار هذا الموقع للناس، طبعا يخافون من فوز الاسلاميين، وهذه حجة عقيمة، فقد تولى الاسلاميون مناصب وزارية اكثر اهمية ( التربية والتعليم مثلا)، ونجحوا وقدموا نموذجا.
ثم ما المانع من ان يتولى امانة عمان شخص يحمل عاصم اخلاقي واداري، يحفظ اموال الامانة من الفساد الذي لم تنفك شبهه عن ملاحقة اعمالها منذ زمن بعيد، وعن ملاحقة امناء كثيرين تولوا مسئوليتها.
لنكن واضحين، اهل عمان وسكانها يشعرون بظلم فادح من كل ما يتعلق بترتيبات ادارة امانة عمان، فمدراء المناطق واغلب الموظفون ليسوا من عمان، وهذا سلوك توتيري، فنحن نتحدث عن مؤسسة خدمية تموّل من السكان، فلا يعقل ان يبقى الامر على ما هو عليه.
من ناحية اخرى توصف امانة عمان بانها قاعدة لوجستية تستخدمها الاجهزة الامنية من اجل ارضاء اعداد كبيرة من الناس ممن يتوافقون مع سياساتها، فثمة ارقام لا يستهان يه من المستشارين والموظفين تم تعينهم بتوصيات امنية بحته.
نحن اليوم نعيش زمنا مختلفا، ندعي فيه اقدامنا على نهج اصلاحي، ولكننا نفاجىء بعجزنا عن اقرار مبدأ انتخاب لرئيس بلدية، ونكتفي بتعينه، فعن اي اصلاح يتحدثون، ولاي تابوهات يركنون.
|
|
|
عبد الحميد صيام
|
كتب: عبد الحميد صيام - نيويورك - -
أثار المقال الذي كتبه القاضي المشهور ريتشارد غولدستون ، في جريدة الواشنطن بوست في الأول من نيسان (أبريل) 2011 موجة من الاستهجان والاستغراب من جهة وترحيبا وتعظيما من جانب إسرائيل وحلفائها في العالم من جهة أخرى بل ووجهت له دعوة فورية لزيارة إسرائيل ويناقش الكونغرس الأمريكي الآن مشروع قرار يدعو لإلغاء التقرير.
أهمية المقال تكمن في كونه صادرا عن رئيس لجنة تقصي الحقائق في الحرب على غزة نهاية عام 2008 وبداية عام 2009 والمكلفة بالقيام بمهمة التحقيق في أية انتهاكات للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وقوانين حقوق الإنسان في تلك الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع تحت اسم "عملية الرصاص المسكوب" بين 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 و18 كانون الثاني(يناير) 2009.
وأود في هذا المقال أن أثبت حقيقة معروفة في التعامل مع التقارير الدولية مفادها أن أي تقرير بمجرد التوافق عليه بين أعضاء اللجنة المكلفة بإعداده وبعد تقديمه للجهة المعنية التي فوضت تلك اللجنة بإعداد التقرير ينتهي من كونه تقريرا مرتبطا بأعضاء اللجنة التي أعدته ويحول فورا إلى تقرير صادر عن الجهة التي فوضت إعداده مثل الأمين العام أو مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو مجلس حقوق الإنسان أو اليونسيف أو منظمة الصحة العالمية أو اليونسكو وهكذا.
ولنضع الحقائق أمام القراء والمسؤولين العرب ليحسنوا التعامل مع هذا التراجع باعتباره باطلا وغير شرعي ولا يعتد به من الناحية القانونية بل إنه يسئ للقاضي غولدستون نفسه ويحوله من قاض محترم محايد مهني إلى انتهازي رخيص قدم مصلحته الخاصة على حساب الحقائق، وتراجع عن موضوعيته ليصبح طرفا في الصراع وأراد أن ينجو بنفسه من الضغوط الهائلة التي تعرض لها من قبل جماعات الضغط المناصرة لإسرائيل على حساب الحقائق والقانون الدولي والموقف الأخلاقي النبيل الذي مثلته اللجنة التي أعدت التقرير وكان غولدستون رئيسا لها.
تفنيد ما جاء في المقال المذكور من الناحية القانونية
أولا: التقرير المذكور لا يحمل اسم تقرير غولدستون بل نشر تحت عنوان: حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى- تقرير بعثة تقصي الحقائق في صراع غزة.
لم يحدث لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل أن ارتبط تقرير باسم رئيس البعثة المكلفة بتقصي الحقائق مثلما ارتبط هذا التقرير باسم غولدستون لأسباب لا تخفى على أحد وأهمها كون غولدستون يهوديا مما يضيف بعدا دراميا وعاطفيا يزيد من مصداقية التقرير. ولو سألت أي اختصاصي أو مسؤول دولي أو صحافي عمّن كتب تقرير مذبحة قانا عام 1996 وتقرير آثار الحرب الأطلسية الأولى على العراق وتقرير آثار الحصار على ليبيا عام 1998 وتقرير مذبحة بيت حانون عام 2006 وتقرير مذبحة مخيم جنين عام 2002 وتقرير الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 لما تذكر أحد أسماء رؤساء اللجان التي أعدت تلك التقارير ومثلها العشرات بل لن تستطيع العودة إليها إلا تحت ملفات تقارير مجلس الأمن أو تقارير الأمين العام أو تقارير الجهاز الذي خول البعثة بالقيام بتلك المهمة. إذن هذا التقرير ليس ملكا شخصيا لغولدستون ليتراجع عنه بل هو تقرير تابع لمجلس حقوق الإنسان.
ثانيا: هذا التقرير لم يعده غولدستون لوحده ليتصرف به على هواه بل هناك ثلاثة أعضاء شاركوه المهمة من أولها إلى آخرها وأقروا كل كلمة كتبت فيه قبل تقديمه بصورته النهائية لمجلس حقوق الإنسان. والأعضاء الثلاثة الآخرون هم: 1. السيدة كريستين شنكن، أستاذة القانون الدولي في جامعة لندن للإقتصاد والتي ساهمت مع القس ديزموند توتو في إعداد تقرير حول مذبحة بيت حانون التي حدثت عام 2006 أما التقرير فأنجز عام 2008. 2. السيدة هنا جيلاني القاضية بالمحكمة العليا لباكستان وممثلة الأمين العام لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والتي ساهمت بالتحقيق في مذابح دارفور عام 2004 3. السيد ديزموند ترافيرس وهو ضابط سابق في الجيش الإيرلندي وعضو في المعهد الدولي للتحقيق في الجرائم الدولية. إن تراجع غولدستون عما جاء في التقرير لا يحمل أي وزن قانوني لأن رأيه لا يمثل أكثر من ربع قرار اللجنة الرباعية التي اعتمدت التقرير بالإجماع قبل رفعه لمجلس حقوق الإنسان ليصبح منذ تلك اللحظة تقرير مجلس حقوق الإنسان وليس تقرير غولدستون. كان بإمكان غولدستون أن يتضمن التقرير آراءه قبل رفعه إلى المجلس، أما وقد أقره أعضاء اللجنة ورفعوه للمجلس واعتمد نهائيا كتقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان لم يعد لغولدستون أي دور في تغييره أو تحريفه أو التقليل من وزنه أو أهمية الحقائق الواردة فيه.
ثالثا: لقد استغرق إعداد التقرير أكثر من أربعة أشهر (4 أيار/ مايو إلى 15 أيلول/سبتمبر 2009) وشمل ثلاث زيارت ميدانية لغزة وجلسات استماع لأكثر من 188 شاهد عيان بالإضافة إلى التقارير التي قدمت للجنة من العديد من الجهات الرسمية والمدنية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان تصل إلى 10,000 صفحة و 30 شريط فيديو و1,200 صورة عادية. وتؤكد اللجنة أن كل المعلومات الواردة في التقرير قد خضعت لنظام دقيق من التمحيص والمراجعة والفحوصات المتقاطعة والبحث المخبري وغير ذلك مما يرد ذكره بالتفصيل في التقرير. ويقول التقرير إن إسرائيل رفضت التعاون مع اللجنة ولا حتى السماح لها بالمرور من إسرائيل إلى قطاع غزة. إذن كل المعلومات الواردة في التقرير، وحسب أعضاء اللجنة، قد جرى التأكد منها والتثبت من صحتها قبل تضمينها التقرير. إن أي تشكيك في أية معلومة واردة في التقرير لا يخضع لمزاج فرد أو جماعة بل يحتاج إلى اتباع أسلوب جماعي مخول من قبل نفس الجهة لتقوم بمراجعة المعلومات المستجدة والتأكد من صحتها وتبيان المعلومات الخاطئة التي ورد ذكرها في التقرير الأصلي. وبما أن هذا لم يحدث وكل ما أثير عبارة عن رأي شخصي لرئيس اللجنة لا يرقى إلى مستوى التشكيك في صحة ما ورد في التقرير من معلومات دقيقة جرى التحري في صحتها قبل تضمينها صفحات التقرير ال 575. رابعا: إن توقيت نشر هذا المقال مشبوه تماما حيث تستعد إسرائيل لحملة جديدة لضرب قطاع غزة وتريد أن تتخلص من هاجس التقرير المذكور الذي ثبت أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية واستخدمت القوة المفرطة واستهدفت المدنيين عن عمد. إن مثل هذا التوقيت يفرش الأرضية أمام إسرائيل لارتكاب جرائم أكبر ضد المدنيين في قطاع غزة خاصة وأن لعالم العربي مشغول هذه الأيام بثورات الحرية والديمقراطية، والعالم يشاهد ما ترتكبه قوات القذافي و قوات علــي عبد الله صالح من جرائم بحق الشعبين الليبي واليمني مما يجعل إسرائيل تبدو أكثر رحمة بالفلسطينيين خاصة بعد مقالة غولدستون.
التراجع عن التقرير يهدف إلى إعادة تأهيل غولدستون
ليس سرا أن القاضي غولدستون تعرض لحملة شعواء من أنصار إسرائيل وحلفائها في كل مكان في العالم وخاصة في جنوب أفريقيا. يقول الكاتب والمؤرخ اليهودي غير الصهيوني إلان بابيه "منذ سنة ونصف ومنذ نشر التقرير تعرض غولدستون إلى حملة منظمة متواصلة من الضغوط والتهديد والحصار والاغتيال السياسي لشخصية غولدستون. حملة شبيهة لحملات في الماضي استطاعت تدمير شخصية مرموقة كالسناتور وليم فلبرايت وغيره الكثير." لقد أطلق على غولدستون لقب "يهودي كاره للذات" رغم تأكيده مرارا أنه يهودي ويعتز بيهوديته بل وقال إنه صهيوني محب لدولة إسرائيل. لقد وصل الأمر بقيام كبير كهنة جنوب أفريقيا، أفروم كرنغل، بمنع غولدستون من حضور حفل تعميد حفيده حسب الطقوس اليهودية قائلا:" لقد ألحق غولدستون أضرارا بالشعب اليهودي غير قابلة للإصلاح".
وفي النهاية لا نعرف ما هي المعلومات التي تنامت إلى علم غولدستون حتى يقول إنه لو كان يعرف من المعلومات التي يعرفها الآن عند كتابة التقرير لجاءت نتائج التقرير مختلفة. هل اكتشف القاضي المحترم أن بنات الدكتور عز الدين أبو العيش الثلاث كن يحملن السلاح وأن الضحايا ال 29 من عائلة السموني كانوا يتزنرون بأحزمة ناسفة. لعل غولدستون لم يقرأ تقارير منظمة بتسيلم الإسرائيلية ومنظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان حول تلك الحرب وسنعفيه من ذلك لكن تقرير الجيش الإسرائيلي نفسه يقر بمقتل 1,166 شخصا من بينهم 709 من المسلحين و 162 لم يكن واضحا هل كانوا مسلحين، و295 من غير المشاركين و89 تحت سن 16 (يتجنب التقرير تسميتهم أطفالا) و46 امرأة أي أن هناك ما يزيد على 300 مدني بين نساء وأطفال ومدنيين قتلوا حسب شهادة الجيش نفسه. فهل قتلوا جميعاعن طريق الخطأ؟
هذه ليست المرة الأولى التي تنجح جهود المنظمات الصهيونية وجماعات الضغط المناصرة لإسرائيل بإجبار كل من يحاول أن يقول الحقيقة برفع الراية البيضاء والاستسلام. والرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر قدم مؤخرا اعتذاره للمنظمات الصهيونية عن كتابه "فلسطين السلام وليس الفصل العنصري"، والمؤرخ الإسرائيلي بني موريس الذي وثق عمليات طرد الفلسطينيين عام 1948 في كتابين مهمين ثم عاد وتراجع عن نظريته وأصبح من دعاة طرد جميع من تبقى من العرب على أرض فلسطين التاريخية. ونفس المنطق ينطبق على ألان ديرشوتز، الذي تحول من مدافع عن المقهورين والمظلومين في أمريكا إلى أكبر مدافع عن جرائم إسرائيل الليكودية. الفرق في الحالات السابقة وقضية غولدستون أن السابقين كانوا قد كتبوا كتبا من تأليفهم هم ومن حقهم أن يغيروا آراءهم ومواقفهم أما غولدستون فاشترك مع لجنة أعدت تقريرا لصالح مجلس حقوق الإنسان وهو لا يملك حق الملكية كي يقترح تعديلا أو يتراجع عن معلومة أو يغير في نص التقرير.
*أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
|
|
|
د. أحمد أبو مطر
|
كتب: د. أحمد أبو مطر - أوسلو - -
شاع في السنوات الأخيرة إسم أو مصطلح (السلفية والسلفيون) تسمية لجماعات دينية، تقدّم نفسها على أنها تنطلق من منطلقات إسلامية صرفة، تعتمد على القرآن والسنّة حسب إدعائهم. وهنا في هذه المقالة لا أريد الخوض في متاهة التعريفات والمصادر حول مصطلح أو مدارس السلفية التي لا يمكن حصرها، ويحتاج كل تيار منها لمجلد لسرد التفاصيل المتعلقة بنشأته ومعتقداته. أود فقط العودة للمصدر اللغوي للتسمية بشكل عام، فيفترض أنّ (السلفية) تعود في مصدرها للفعل (سلف) بمعنى (مضى) أو (سبق). أمّا الإسم المشتق من ذلك (السلف) فقد ارتبط بمصطلح أو تسمية (السلف الصالح)، وغالبا ما يطلق على صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكونهم القدوة الحسنة في السلوك والتعامل والخلق. ومن هذه الخلفية شاع المثل القائل (خير خلف لخير سلف). استنادا إلى هذا المفهوم الأخلاقي المفترض لسلوك السلف الصالح، هل يتمتع بهذا السلوك كل الجماعات التي تطلق على نفسها تسمية (جماعات سلفية)؟. لن أجيب مباشرة على السؤال ب (نعم) أو (لا)، بل سأستعرض بعض أعمالهم في مدينة غزة الفلسطينية والزرقاء الأردنية، لنرى إذا كان هؤلاء سلفا صالحا أم مجرد مجرمين قتلة، يتخذون من الدين وتسمياته غطاءا لجرائمهم وهوسهم الذي يدلّ على جهل وغباء وتخلف لا مثيل له إلا فيما عرف بالقرون الوسطى.
قتل المتضامن الإيطالي في مدينة غزة
هذه الجريمة البشعة التي طالت فجر الجمعة الثامن من أبريل 2011 المتضامن الإيطالي (فيتوريو أريغوني)، حيث قامت جماعة سلفية باختطافه وقتله ساعات بعد عملية الخطف. وقد أعلنت جماعة "سلفية" في قطاع غزة، تطلق على نفسها "جماعة التوحيد والجهاد"، أنها أقدمت على اختطاف الصحفي الإيطالي رداً على قيام حكومة حماس في غزة باعتقال زعيم الجماعة "أبو الوليد المقدسي"، وطالبت حكومة حماس بالإفراج عن زعيمها خلال ثلاثين ساعة وإلا ستقتل المتضامن الإيطالي وقد قتلته فعلا. هذا الصحفي المتضامن الإيطالي يقيم في قطاع غزة منذ ثلاثة سنوات، تاركا أهله وعمله من أجل أن يعلن للعالم أجمع حجم الحصار المفروض على القطاع، وأنه كإنسان يرفض هذا الحصار الذي حوّل القطاع إلى سجن كبير. لقد خدم القضية الفلسطينية أكثر من كثيرين من الفلسطينيين، فهل يستحق هذا الموت الذي لم ينفذه سوى مجرمون قتلة؟. أية سلفية هذه؟ وأي سلفيون هؤلاء الذين يقولون لكافة المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، لا تأتوا لقطاع غزة فالموت في انتظاركم، خاصة أنّه قد تمّ قبل هذه الجريمة في مارس من عام 2007 اختطاف الصحفي البريطاني(إلن جونستون) الذي يعمل في القطاع مراسلا لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، وأعلن من أطلقوا على أنفسهم (جيش الإسلام) المسؤولية عن ذلك، وطالبوا الحكومة البريطانية الإفراج عن إرهابي مثلهم اسمه (أبو قتادة) حسب بيانهم، ورغم عدم تلبّية مطالبهم فقد أفرجوا عنه. وقبل ذلك في زمن السلطة الفلسطينية في أغسطس من عام 2005، تمّ اختطاف الصحفي الفرنسي فرانك بيرو (محمد الضيوفي)، وهو فرنسي من أصل جزائري، كان قد قدم للقطاع لتغطية الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، إذ كان يعمل فني صوت في الفريق الصحفي التابع للقناة الثالثة في التلفزيون الفرنسي. وكانت عملية الخطف هذه قد جاءت بعد أقل من أسبوع على خطف موظفين يعملان في وكالة الغوث الدولية، وقد أشارت مصادر أمنية آنذاك أن هذا الحادث هو التاسع من نوعه الذي يتم فيه اختطاف واحتجاز أجانب في قطاع غزة، وأن عدد المختطفين في هذه الحوادث هو (21) مختطفاً، وذلك منذ شهر يوليو 2004 وحتى أغسطس 2005. وهناك من تساءل : من المستفيد من هذه العمليات الإرهابية؟ بالتأكيد أنّه ليس الشعب الفلسطيني، وإذا كان المقصود من السؤال هو إلقاء المسؤولية على جهات خارجية مثل الموساد والشين بيت وغيرها من الأجهزة الإسرائيلية، فالمهم أيضا السؤال : من المنفذين في أرض الواقع؟ ولننتظر فقد أعلنت حكومة حماس أنها بصدد اعتقال كل المنفذين لتلك الجريمة، وهذا يعني أنهم فلسطينيون ما زالوا في القطاع.
ومن غزة إلى الزرقاء الأردنية،
كان منظرا مرعبا لا يمكن مشاهدته في أفلام الرعب الهوليودية، حيث تجمع المئات من هؤلاء التكفيريين القتلة بعد صلاة الجمعة، الخامس عشر من أبريل 2011، حاملين السيوف التي كان بعضها أقصر من لحاهم المصبوغة بكافة الألوان خاصة لون الدم، الذي أسالوه من عشرات المواطنين ومن بينهم رجال الأمن، الذين رفضوا التعرض لهم بنفس الإسلوب الدموي. عندما شاهدت مناظرهم القبيحة بسيوفهم يلوحون بها في الهواء، ويعتدون على مواطنين كانوا معهم في صلاة الجمعة، ورجال أمن أبرياء كانوا يلتفون حولهم لحماية مظاهرتهم، تساءلت: أية سلفية هذه؟ وأين سلوكهم الهمجي هذا من سلوك السلف الصالح، صحابة الرسول الكريم؟. أية صلاة جمعة التي كانوا فيها؟ وأي إسلام يعتنقون ويمارسون، عندما يقول الرسول الكريم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)؟. لقد كان تصرف رجال الأمن الأردني معهم حضاريا بكل معاني الكلمة، بدليل أنه وقع العديد من الجرحى منهم بسيوف هؤلاء القتلة، بينما لم يجرح أو يضرب واحد من القتلة، وتمّ نقل العديد من رجال الأمن للمستشفيات لإصابتهم بجروح بليغة. بينما تمّ لاحقا اعتقال العشرات من هؤلاء التكفيريين الجهلة، الذين لا أعتقد أنّ مرحلة من أية مراحل تخلف عربي وإسلامي، شهدت مثل هذه الجماعات بسلوكها التكفيري الدموي.
كيف يمكن التعامل مع سجناء الجهلة القتلة هؤلاء؟
من المؤكد أنّهم يستحقون السجن كي يبقوا بعيدين عن الشارع الأردني لا يمارسون فيه جهلهم وتخلفهم وقتلهم الدموي. وفي الوقت ذاته من المهم أن يقوم دعاة إسلاميون حقيقيون بتوعيتهم بحقيقة الممارسات الإسلامية، لأنّ غالبية هؤلاء القتلة تمّ التغرير بهم من خلال شيوخ جهلة، ولنا ولهم عبرة في مراجعات الجماعات الإرهابية المصرية، التي بعد سنوات في السجن بعد اغتيال الرئيس أنور السادات، عادوا إلى رشدهم وأصدروا ما عرف بإسم (المراجعات)، إعتذروا فيها وتخلّوا عن فكرهم التكفيري الجاهل، معلنين قرارهم بالعودة للحياة المدنية عبر القوانين والتشريعات المعمول بها في البلاد.
إنهم قتلة جهلة،
لا يسيئون للبلاد والشعوب التي يرتكبون جرائمهم فيها وبحقهم، بقدر ما يسيئون للدين الإسلامي عندما يطلقون على جماعاتهم الإرهابية الدموية هذه أسماء مثل (جماعات سلفية)أو (التوحيد والجهاد)، أو(جندّ الله)، والإسلام والله تعالى براء منهم ومن جرائمهم.

|
|
|
عريب الرنتاوي
|
كتب : عريب الرنتاوي - عمان - -
ليست المرة الأولى التي تثار فيها مسألة "عضوية" الأردن في مجلس التعاون الخليجي، ولست متأكداً من أن الموضوع مطروح جدياً على جدول أعمال دول المجلس هذه الأيام...ما أنا على يقين منه، أن هذا الموضوع القديم إن طرح، وإن طرح بشكل جدي وجاد، فإن مرد ذلك سيكون عائداً للظروف الجديدة التي تشهدها المنطقة.
دول مجلس التعاون، تعيش في ظروف جيوسياسية متغيرة، وتجابه أنماطاً جديدة من التحديات، لم تعهدها طوال القرن الفائت...إيران قوة إقليمية يُحسب لها ألف حساب...تركيا قوة ناهضة ومستقبلية...إسرائيل حاضرة في كثير من ملفات المنطقة وأزماتها...مصر تستعيد مكانتها وموقعها ووزنها، وتكاد تفلت من قبضة "الحقبة السعودية"...الثورات تجتاح دولاً صديقة وغير صديقة لدول المجلس، بعضها أو جميعها...لا بل أن الثورات والانتفاضات تجتاح دول المجلس ذاتها، وكما لم يحدث من طول السنوات الأربعين الفائتة.
تواجه دول المجلس الأخطار والتهديدات التالية: إرهاصات حراك شعبي ديمقراطي في الداخل في مواجهة السلالات والأسر الحاكمة...خطر أمني متجسد في القاعدة وتفريعاتها في اليمن وجزيرة العرب...دول فاشلة على تخوم المجلس وحدوده (اليمن نموذجاً)...مد شيعي حاكم في العراق وممتد إلى اليمن ماراً بالبحرين والكويت والإمارات والمنطقة الشرقية، أي أن دول هذه المجموعة، بدأت تشعر أكثر من أي وقت مضى، أنها تقع على "فالق الانقسام السني-الشيعي".
فضلا عن الجوار الإقليمي، متزايد القوة والنفوذ، تشعر هذه الدول، بأن اعتمادها على الغرب لا يمكن أن يكون "استراتيجية"، أو على الأقل، لا يمكن أن يكون "استراتيجية مٌطمئنة"، وهي التي شهدت كيف تخلّى الغرب عن حلفاء كبار وصغار له، وكيف باعهم في لحظة انقلاب موازين القوى (وليس صحوة ضمير) كما قد يظن البعض.
في مواجهة هذه البيئة المتغيرة، تفكر دول مجلس التعاون الخليجي، بأن الوقت قد حان لإعادة النظر في كثير من السياسات والاستراتيجيات والتحالفات...هناك من قفز إلى الباكستان والصين وروسيا وكل الدول التي تناهض التغيير والثورات في العالم العربي، بحثاً عن مزيد من الطمأنينة، من دون قطع أو انقطاع مع واشنطن والغرب عموماً...هناك من يستشعر مخاطر خروج مصر من قبضة الديكتاتورية وحكم السلالات والانصياع لأوامر المايسترو الأمريكي إلى فضاء الحرية والتعددية والديمقراطية والمواقف المستقلة...هنا من يستشعر مخاطر انفلات الوضع في سوريا أيضا، برغم كرهه للنظام القائم في دمشق...هناك من يعتبر أن العراق قد سقط كلياً في قبضة الأعداء، بدلالة موقفه من أحداث البحرين، وهو الموقف الذي كلّف بغداد حرمانها من استضافة القمة المقبلة.
في هذه المناخات، تجهد دول المجلس الأساسية في منع انزلاق الحزام المحيط بها إلى أتون "الثورات والانتفاضات" الذي يغلي على مرجل المظاهرات والاعتصامات التي تجتاح المنطقة برمتها، وبعد رزمة المساعدات الكبرى لعُمان والبحرين، هناك رُزم أقل حجماً قد تخصص لليمن والأردن، تدعيماً لحالة الاستقرار فيهما.
بالنسبة للأردن، ربما يكون هناك أسباب أخرى لتطوير العلاقة معه وتخطي كل الحساسيات التاريخية والراهنة، منها طبيعة نظامه السياسي، الملتقي والمختلف، مع النظم الملكية الحاكمة في الخليج...ومنها تمتعه بدرجة عالية من الأمن والاستقرار...ومنها قدراته وخبراته الأمنية، وما يمكن أن يقدمه من "قيمة مضافة" لنظرية الأمن والدفاع الخليجية.
قد يكون انضمام الأردن لدول المجلس، إضافة نوعية له ولمواطنيه...قد تكون خطوة كهذه بمثابة جواز مرور من الضائقة الاقتصادية الخانقة...لكن لكل شيء ثمن، إذ ربما يفضي ذلك إلى وضع مزيد من العراقيل في مسار الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي العاثر والمتعثر أصلاً في بلادنا....فنحن نعاني تأثيرات سلبية في هذا السياق، لشقيقات كبريات من جوارنا، فكيف حين نرتبط وإياهم بعقود وترتيبات واتفاقات ؟!.
والخلاصة، أن انضمام الأردن لنادي دول مجلس التعاون الخليج، موضوع قديم يطرح في ظروف جديدة، وربما تكون له في قادمات الأيام، فرص لم يتوفر عليها من قبل، فلننتظر لنر.
|
|
|
محمد أحمد بابا
|
كتب: محمد أحمد بابا - جدة - -
اعتقادي بأن خليجنا العربي بالذات من أكثر مناطق العالم سرعة في استبدال السيارات على المستوى الشخصي لغالبية الأفراد ممّا نتجَ عنه وجود كمّ هائل من السيارات منتهية الصلاحية ـ حسب الطبيعة الخليجيّة ـ تأخذ حيّزاً كبيراً من الأرض في فضاءات أُعدّت لغرض ـ التشليح ـ وهو مصطلح الاستفادة من قطع الغيار لسيارات أخرى .
ما يهمّني في أمر هذه الآلات التي تركها أصحابها بثمن أو بغير ثمن هو رأس الحركة فيها (محرّكات السيّارات) ورغم قلّة فهمي التّقني في هذا الموضوع ولكنّي أزعم بأنّ هذه المحركات تُعاني هجراً وجفاءً منّا من نواحي شتى اقتصاديّة واجتماعيّة وبيئيّة،وربّما يعود ذلك لأننا من أكثر أقاليم الدنيا حوادث للسيارات جعلت الناس ينظرون نظرة تشاؤم لهذه المحرّكات التي لا ذنب لها سوى أنّها استجابت لضغطِ الأرجل رغماً عنها .
وبخبرةٍ بسيطة يحملها أحد العمّال في ورشة سيارات عتيقة بالمدينة المنورة قال لي ذلك الرجل بأنّ أيّ محرّك لأي سيارة مهما كانت لا يمكن أن يفقدَ قيمته الوجودية وفاعليّته الميكانيكيّة ولو ببعض أجزائه إلا إذا قرّرَ الإنسان الاستغناء عنه وتركَه دون استخدام أو علاج .
بهذه المعلومة غير الدقيقة تصوّرتُ بأنّ اتّجاه المختصّين والاقتصاديّين والمفكّرين المبدعين للاستفادة من هذا العدد المهول من محرّكات السيارات المتعطّلة في منطقتنا قد يفتحُ عالماً جديداً من الصّناعة وإعادة التأهيل وتحوير الفائدة ما يمكنُ القول عنه كما تقول عنه شركة سعودية باب رزق جميل .
إنّ الحرَكة هي أساس التغيير بل وهي وقود العمل وهي الدافع نحو الجديد والتواؤم مع متطلبات العصر واستشراف المستقبل،كما هو السّكون بوابة الخمول والتخلّف والنظرة السوداء،وهو ما ينطبق على هذه المحرّكات التي فقدت معنى اسمها بإجبار أصحابها ومن يتعامل معها للسكون الذي أدى لموت قاتل بفعل عوامل التعرية وصدأ الأيام .
ألا يُمكن أن تأخذ إحدى الشركات على عاتقها إنشاء مصنع "للسيارات المُجمّعة" أو إعادة تأهيل المحرّكات بدل استيرادا في حافظات خشبيّة مغلّفة بغلاف بلاستيكي من دول أخرى يتهافت الناس لشرائها ويسمّونها "المُجدّد" إرضاء لزبائن لا يرغبون سوى في راحة البال ولو على حساب الريال .. ثمّ أليسَ من الوارد أن ينظرَ مطوّرٌ أو مختصّ لهذه المحرّكات نظرة شفقة يستحقّها المتقاعدون ويستفيد منها في مجالات أخرى غير تحريك السيارات الذي يبدو أنّها لم تعُد قادرة عليه لتحرّكَ ساكناً آخر في حياتنا المليئة بصمتٍ رهيب في مجال الاختراع والإبداع .
قيلَ لي بأنّ الفكرة التي يعمل عليها محرّك السيارة لا تبعَد عن أيّة فكرة يعملُ عليها محرّكٌ آخر لآلات أخرى أو أغرض مختلفة،وذلك جعلني أتوقّع بأنّها قد تفيد في مجال الكهرباء لمناطق لم ترَ النّور بعد أو تفيد في مجال جذب الماء من آبار عجزَ رشا الدّلو أن يصلها أو عجزَت الأذرعُ المتعبة عن متابعة الشدّ لشيءٍ من ماءٍ قليل .
بل إنّ تفكيري ساقني للتأكيد بأنّ هذه المحرّكات مادّة مناسبة للدّول للتفكير الجاد نحو تصنيع أسلحة ودفاعات أرضيّة تستغني بها عن استيراد الصغير والكبير في المجال العسكري من العالم شرقاً وغرباً،ناهيك عن جَعلِ هذه المحرّكات جاهزة لاحتياطات ضرورية ساعة الأزمات والمصائب،وأضعف الإيمان أن تجدَ محرّكات لسيارات كانت تُقلّنا يوماً من الأيام طريقاً ممهّداً لمتحف ذات أغراض ثقافيّة أو معامل ذات أغراض تعليميّة على نطاق واسع ليس كما هو واقعٌ على استحياء مُخجِل .
لو أنّنا تعاملنا مع هذه المحرّكات بمبدأ تكافؤ الفرص لوجدنا منها عطاءً بالغاً وتجاوباً سريعاً لما نطمحُ إليه من التواجد على هذه الأرض أمةً مثمرة منتجةً قادرة على تحريكِ شبابها نحوَ محرّكاتٍ تنتظر من يُحرّكها،أمّا أن يبقى كلّ قديمٍ أو متروك قيدَ الانتظار الزّمني فتلك علّة آنَ أنْ نشفى منها .
|
|
|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
يحق لسميح بينو، وهو على رأس هيئة مكافحة الفساد، أن يضع سياسته الخاصة في التعامل مع الإعلام، والتي قد تتضمن امتناعه عن تقديم تصريحات للصحف والمندوبين.
لكنه من غير المبرر أن يمتنع السيد بينو عن تقديم معلومات إلى صحيفة "السبيل" بحجة أنها تمثل جبهة العمل الإسلامي المتحفظة على الهيئة وعلى ضرورة وجودها.
هنا وقع الخلط بين السياسي والمهني وغابت الموضوعية، فموقع السيد بينو على رأس هيئة تحارب الفساد، في هذا التوقيت الساخن، تجعله أكثر حاجة إلى التجرد من مواقفه السياسية وماضيه الأمني.
والسيد بينو محتاج في ظل هذا الزخم من ملفات الفساد والضغط المتوقع تجاهها إلى كل سند وعون، وكما يعلم بينو أن "السبيل" مؤسسة إعلامية ذات توجه إسلامي ولها موقف معاند للفساد، قد يفيده ولن يضره على القطع.
رئيس هيئة الفساد وبغض النظر عن شخصه، ومن يكون، هو موظف أردني تموله ضرائب الناس، يستوجب موقعه أن يكون عادلا ومنصفا في تعاطيه مع الإعلام وهيئاته.
من يحارب الفساد لا ينجرف وراء عواطفه ومواقفه المسبّقة، فهو فني بامتياز، ووطني عند الضغوط، وعادل عند تقديم المعلومة، وهو أبعد ما يكون عن قاعدة "محمد يرث ومحمد لا يرث".
لسنا مع تعكير أجواء عمل هيئة مكافحة الفساد، ولا التشويش على عملها، ولسنا راغبين بإدخالها في معارك جانبية تلهيها عن ذلك الكم الكبير من الملفات التي أحيلت لها.
لكنننا في مقابل هذا الدعم الذي نقدمه للهيئة، نطالبها بان لا تنظر إلى المواقف السياسية بعين الفرز والتصنيف، فلو صح ما قيل عن موقف جبهة العمل الإسلامي المنتقد للهيئة، فهو موجه لسياسة الحكومة لا إلى شخص سميح بينو، ولا ينتقص من الدعم للهيئة الكاشفة للفساد والمفسدين.
السيد سميح بينو مطالب بالكثير الفني والموضوعي، وما نتمناه أن يكون ما وجه للسبيل من قبله، مجرد زلة لسان لا تعبر عن نهج تفكير قد يتسرب إلى ملفات الفساد وكيفية معالجتها.
|
|
|
صبحي غندور
|
كتب: صبحي غندور - واشنطن - -
حالٌ من القلق يعمّ الآن المنطقة العربية بعد أن كانت بدايات هذا العام تحمل بوارق أمل بغدٍ أفضل. نجحت ثورة تونس أولاً، ثمّ بعدها ثورة مصر، في تحريك الشارع العربي، ومعه الأمل العربي بفجرٍ جديد على منطقةٍ سادها لعقودٍ طويلة ظلام وظلم الفساد والاستبداد.
لكن ما نجح من أسلوبٍ وأهداف في تجربتيْ مصر وتونس لم يُكتب له بعدُ النجاح في أمكنة عربية أخرى. فالظروف مختلفة، كما هي أيضاً القوى الفاعلة في مصير هذه البلدان الأخرى.
هناك بلا شك إيجابياتٌ تحقّقت حتى الآن، لكن مظلّة السلبيات ما زالت تغطّي سماء المنطقة وتحجب شروق شمس التغيير السليم المنشود فيها. فثورتا تونس ومصر اتّسمتا بالأسلوب السلمي وبالطابع الوطني التوحيدي وبغياب مخاطر التقسيم والتدويل، وبالأمل في تغيير سياسي يصبّ في صالح الوطن والعروبة ونهج المقاومة، لا في صالح الأجانب وإسرائيل ونهج الشرذمة.
هناك خوفٌ الآن على الثورات العربية الأخرى، على نفسها وعلى أوطانها وعلى أهدافها. فالخوف مشروعٌ طالما أنّ المنطقة هي ساحة تنافس وصراع مصالح بين قوى إقليمية ودولية بينما يغيب تماماً أيُّ "مشروع" عربي، وفي ظلِّ حضور "مشاريع" غير العرب.
لقد أشرت مع بداية ثورتيْ تونس ومصر إلى أنّ الثورات هي أساليب يرتبط نجاحها بتوفّر القيادات المخلصة والأهداف الواضحة والبناء التنظيمي السليم. كذلك ناشدت، في الأسبوع الأول من انطلاقة الثورة الليبية، الجامعةَ العربية، ومصرَ تحديداً، بالتدخّل لصالح الثورة والشعب الليبي قبل أن يتدخّل الأجانب وقبل أن تصبح ليبيا أمام مخاطر التدويل والتقسيم. وطبعاً لم يحدث ذلك عربياً ولا مصرياً. أيضاً، كتبت عن "المتغيّرات" العربية التي تحدث في ظلّ "ثوابت" ظروف وصراعات في المنطقة، والتي منها التحدّي الإسرائيلي ومراهناته على إضعاف الثورات العربية بتفتيت شعوبها وأوطانها، وبتعويض خسارة "الجبهة المصرية" بفِتَن على "الجبهة الشرقية" تُضعف نهج المقاومة في لبنان وفلسطين.
فالثورات العربية تحدث بينما أوطان بعض هذه الثورات تقوم على مفاهيم وأفكار وممارسات طائفية ومذهبية تؤذي الثورات والقائمين بها، فلا سياج وطني عام يحميها من شرور الحكومات والقوى الخارجية ذات المصلحة في إحداث فتن داخلية.
والمنطقة العربية كانت، وما تزال، في حالٍ من الصراعات والخلافات بين حكومات دول المنطقة، ولم يؤدِّ بعدُ التغيير الذي حدث في مصر إلى إعادة التضامن العربي، الذي تصبح المنطقة في غياب حدِّه الأدنى فارغةً من أيّ رؤية أو "مشروع" عربي يقابل ما هو يُطرَح (ويُنفَّذ) من رؤى ومشاريع إقليمية ودولية. فتكون المنطقة العربية مُسيَّرةً في سياساتها وأوضاعها حتى لو أدّت الثورات إلى جعلها مُخيَّرةً في أمورها الداخلية.
أجد الآن المنطقة العربية "مخيَّرة" بين مشروع أميركي وآخر إسرائيلي، وهما يتقاطعان في مناطق اتفاقٍ مشتركة ويختلفان في أخرى. المشروع الإسرائيلي ما زال يراهن على صراع عربي/إيراني في الخارج الإقليمي وعلى صراعات وفتن طائفية ومذهبية وأثنية في الداخل العربي. فهذا فقط ما يصون "أمن إسرائيل" ومصالحها في المنطقة، وما ينهي نهج المقاومة ضدَّ احتلالها، وما يجعل "العدو" هو العربي الآخر (أو الإيراني المجاور)، وما يُنسي شعوب المنطقة القضية الفلسطينية، وما قد يُسّهل فكرة "الوطن البديل" في الأردن، وما يجعل الثورات العربية الحاصلة قوّة تغييرٍ لكيانات وليس فقط لحكومات!.
أمّا المشروع الأميركي الراهن فهو، من وجهة نظري، يُراهن على استثمار الثورات والمتغيّرات العربية لصالح مشروع أميركي لعموم منطقة الشرق الأوسط ويقوم على إنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي على كلّ الجبهات، وتحقيق التطبيع العربي الشامل مع إسرائيل، وإعلان "دولة فلسطينية" هذا العام بحيث ينشأ وضع جديد في عموم المنطقة لا تكون فيه مبرّرات لحالات مقاومة ولا لعلاقات خاصة مع إيران بل توافق أميركي/عربي شامل من المحيط إلى الخليج، في ظلّ ترابط أمني واقتصادي وتجاري وسياسي بين واشنطن وكل عواصم المنطقة.
طبعاً، أيٌّ من المشروعين الإسرائيلي أو الأميركي سيتوقّف تحقيقه على شعوب المنطقة نفسها وعلى الأطراف العربية والإقليمية المجاورة، فإن سارت هذه الشعوب وحكوماتها في "نهج الصراعات العُنفية" فإنّها حتماً تخدم "المشروع الإسرائيلي" ومراهناته، أمّا إذا تجاوبت المنطقة مع خيار "نهج التسويات" الأميركي فإنّ بلدان هذه المنطقة ستكون سابحةً كلّياً في الفلك الأميركي الذي يرى في هيمنته على المنطقة وثرواتها وموقعها، ضماناً إستراتيجياً لاستمرار أميركا الدولة الأعظم في العالم.
هذه هي خيارت المنطقة الآن في ظلِّ غياب "المشروع العربي" الواحد وفي مناخ الانقسامات السائدة بالمجتمعات العربية.
لقد كان المشروع الأمريكي للمنطقة خلال حقبة بوش و"المحافظين الجدد" يقوم على فرض حروب و"فوضى خلاّقة" و"شرق أوسطي جديد"، وفي الدعوة لديمقراطيات "فيدرالية" تُقسّم الواطن الواحد ثم تعيد تركيبته على شكل "فيدرالي" يحفظ حال التقسيم والضعف للوطن، ويضمن استمرار الهيمنة والسيطرة على ثرواته ومقدّراته وقرارته. وكانت نماذج هذا المشروع في العراق وفي السودان معاً.
الآن نجد إدارةً أمريكية تعمل على تحقيق المصالح الأمريكية من خلال دعوة الحكومات العربية (والضغط عليها) لتحقيق إصلاحات دستورية واقتصادية تحفظ استمراريتها وتضمن أيضاً في هذه البلدان بقاء المصالح الأمريكية، إذ لا يهمّ الحاكم الأمريكي إلا المصالح الأمريكية، فهو قد يكون مع تغيير أشخاص وحكومات في بلدٍ ما ولا يكون كذلك في بلدان أخرى. الأمر يتوقّف طبعاً على "ظروف" هذا البلد ونوع العلاقة الأمريكية مع المؤسسات القائمة فيه بما فيها المؤسسة العسكرية، لكن الاعتبار الأمريكي الأهم هو "نوع" البدائل الممكنة لهذا النظام أو ذاك.
وسيكون هذا العام هو المحطّة الأهم في مسيرة إدارة أوباما وفي تقرير مصير رئاسته الثانية، فهناك جملة استحقاقات هذا العام منها؛ بدء الانسحاب الأميركي من أفغانستان في منتصف الصيف، ثم إنهاء الانسحاب من العراق في ديسمبر، كما هو أيضاً عام تقرير مصير مشروع الدولة الفلسطينية ومستقبل عملية التسوية للصراع العربي-الإسرائيلي. وكذلك هي أهمية هذا العام بالنسبة للاقتصاد الأميركي ومعدل نسبة البطالة فيه. وستحاول الآن إدارة أوباما استثمار ما يحدث من متغيّرات في المنطقة العربية قبل الخريف القادم، وهو موعد بدء الحملات الانتخابية الرئاسية. هي أمورٌ كثيرة ستتوقّف نتائجها على شعوب المنطقة العربية وليس على ما يطمح له أيُّ طرفٍ خارجي.
فصحيحٌ أنّ للأطراف الخارجية، الدولية والإقليمية، أدواراً مؤثّرة في تأجيج الانقسامات، لكن ماذا عن مسؤولية الذات العربية نفسها عمَّا حدث ويحدث من شرخٍ كبير داخل المجتمعات العربية؟ الأمّة العربية قبل هذه الانتفاضات الشبابية كانت تعيش كابوس خطر تقسيم كلّ قطر على أسس عرقية وأثنية وطائفية ومذهبية. وكانت الأمّة تخشى على نفسها من نفسها أكثر ممّا يجب أن تخشاه من المحتلّين لبعض أرضها والساعين إلى السيطرة الكاملة على ثرواتها ومقدّراتها. فضعف جسم الأمّة العربية كان من ضعف قلبها في مصر، ومن استمرار عقل هذه الأمّة محبوساً في قوالب فكرية جامدة يفرز بعضها خطب الفتنة والانقسام بدلاً من التآلف والتوحّد. فهل ما يحدث الآن هو خطوة إلى الأمام في سبيل خطوتين للوراء؟!
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

|
|
|
فؤاد وجاني
|
كتب: فؤاد وجاني - كولورادو - -
تثاءب النهار، حمل حقائبه منهكا بسبب الضوء وصراخ الأطفال، امتلأ صدره بدخان السيارات وشكوى الناس. لم يعد أحد يحمد الله على حاله، الكل في سباق نحو نقطة هي تحت القدم، وكم يركض بنو البشر ليدفنوا حياتهم بين المكاتب وخلف المقاود وعلى الطرقات وتحت أنين المعاول ونفخ المصانع ونقرات حواسيب الشركات وفي زِحام الأسواق. وتقول لهم السلطة: الركض سنة الحياة.
كم مولودا جاء اليوم على كراهة، وكم حيا مات قهرا في الحروب والكوارث وقضى فقرا في المجاعات، كم بطنا جشعة التهمت كرامتهم وباعتهم في سوق الموت المربحة.
يكاد النهار يعدّ مِن بين البشر مَن ورداً اقتنى لنفسه أو قبلةً زرع في جبين شيخ على حافة القبر. مابهم قد تغيروا ولأصلهم الطيب مِن حواء وآدم تنكروا، همهم الاقتناء والثراء والافتراء، ويخشون المستقبل والجار والحب والسلام، فترحل السعادة عن ديارهم ويهجر المطر وتطير البركة.
على السرير الخاشع تحت جسديهما استلقى الدفّان وزوجته القابلة ينظران إلى السماء من خلال النافذة، يتأملان في سفر النهار، يسخران من ركض الناس، ينتظران حلول الضيف المظلم، تمدد المهد واللحد جنبا إلى جنب، الموت والحياة ككل المتناقضات المتكاملة يتنفسان هواء الغرفة الملتهبة. ما زالت شعلة الحب بينهما متوهجة على الرغم من أنف السنين الهرمة وظاهر الأدوار المقنعة. تحسس الدفان شاربه الأشيب بسبابته ووسطاه الخشبيتين، يحاول تذكر عدد الأجساد التي خمدت اليوم فواراها التراب، سبع عشرة جثة ... كلّا ست عشرة... بل خمس عشرة... يا إلهي لقد بدأ الموت يدب إلى عقله، لم يعد قادرا على التذكر، حفر النسيان جدولا له بين أعصابه الشوكية يوم بدأ يحزن للموت، ذاكرته كانت أقوى حين كان يسعد لقدوم الموتى ويفرك يديه الطامعتين في أجر النبش والحفر والردم، كلما حفر قبرا حفر قريب الميت جيبه بحثا عن دراهم معدودات ليزرعها في يديه... للدموع في المقبرة أجر يتقاضاه العرق وتشمه الملائكة، والصكوك قد تغفر للأحياء لكنها لاتنفع الأموات بفلس واحد... هاهما كفاه حافرتا سعادة التراب، عاشقتا المعول ناقم الحركة هاوي السكون، ترتعشان... يعتذر لكل الأموات الذين حفر لهم قبرا، يسمع همس صمتهم، ماذنبه؟ يجيئونه جثة هامدة أو يأتون بهم مسرعين ليتخلصوا من رائحة الموت، لم يعودوا نافعين لهم ولاأحد يحنط الموت في بيته، لاسكن لهم بين أنانية الأحياء، لا أحد يحب الموت سواه، رغم حزنه لها فهو يستقبلها بالورود والأزاهير والعطور، خُلق لها وخُلقت له... ترى من يدفنه حين يموت هو؟ من يدفنه حين يموت؟ من يدفنه حين يموت؟ كتب وصية يوصي فيها ألا تدفنه سوى زوجته القابلة... الحياة لاتنتهي، والموت ولادة، والولادة موت... من بعده سيحزن لفراق الأموات؟ من بعده يفرح لزفهم إلى المقبرة؟ من بعده يمسح عنهم غبار لحودهم؟ من بعده يسمع أنتهم ويطرب لحسرتهم؟ هم لايبكون... هم لايبكون لذلك يعشقهم... لقد علمته الموت أن يحب الحياة ويستمتع بكل ثانية فيها، لذلك اختار زوجة قابلة ، لذلك يرتمي بين أحضان الولادة كل ليلة مباحة، كلاهما يقطعان فيها حبلا سريا مفتولا بشبق لايفوقه شبق. تأملت زوجته القابلة في حزن عينيه البنيتين البريئتين، مسحت بكفها الرطبة على شعره الأجعد:
- تعال، ضع خدك على صدري وانفث فيه كل حزنك، لقد كان اليوم مليئا بالأموات، عِدني أن تسعد لهم في الأيام المقبلة.
دمعت عينا الدفان... منذ أصبح لايفرح لقدوم الموتى بدأ زوار المقبرة يشفقون عليه... وضع رأسه على صدر القابلة الممتلئ:
- لا أصلح أن أكون دفانا بعد اليوم، بدأت أحزن للموتى قبل الفرح لهم. لقد سئمت دفنهم تحت الأرض لتنعم الديدان. لماذا لانسحق عظامهم ونذرها في الهواء كي يتنفس الناس الموت... أو نرسلهم فوق السحب في مناطيد الهواء الساخن كي ترتفع أرواحهم وتحط أنما تشاء... أو نكفنهم في الأنطاع فيزورهم البوهيميون والصعاليك والمتوهمون ومن ضيعوا الرجاء... أو نحنطهم بالكافور والمسك والعنبر ونعلقهم على جدران غرف نومنا... إذا رأى الناس الموت رؤيا العين كل ليلة غلبت طيبتهم على شرهم وعظم حبهم... أو نصنع لهم توابيت على شاكلة أعمالهم بالحياة؛ فنضع لصاحب المطعم تابوتا على شكل طاجين وللسائق سيارة وقلما للشاعر وقاربا للصياد!
ترنحت شفتا القابلة لغزل الموت:
- وماذا عنك؟ أي تابوت نصنع لك؟
أطرق الدفان طويلا ناسكا مطأطئا رأسه قِبلة صدر القابلة:
- آه لو تعلمين كم أحبك ياحبيبتي ، فيك تمتزج الرذيلة والفضيلة... أنت البدء والعَود...
ثم تابع وهو يزرع تلين أقحطهما النهار قبلات ويسقيهما دمعا:
- أنتِ أفهم الناس لروحي وأقربهم للموت، وفيك الموت ومنك الحياة... اصنعي لي لحدا على شاكلة مهد، واحتفلي بمولدي الجديد يوم أموت. لا أريد أن يلمسني أحد سواك!
ابتسمت القابلة وشفتاها تتوقان لملوحة دموع فوق الصدر جاريات:
- وإن مِتُّ قبلك؟ في أي لحد أنام؟
توقف الدفان هنيهة عن غزو جسد القابلة الطائع المشتعل، اعتراه المخاض، لايحتمل مجرد التفكير في يوم تموت فيه القابلة، من يبقى له بعدها، سيجهل معنييْ الحب والموت بعدها، من يُذكّره بالحياة بعدها، سيتيه في غياب المتناقضات.
- ماخطبك ياحبيب العمر؟ فيمَ التفكير؟ لماذا توقفت عن نبش ذاكرة جسدي بعد أن زرعت الرغبة بين أضلعي وفتحت أركان أرضي الأربعة؟
تناول الدفان أول سيجارة من علبة منسية، فيها أضرم قلقه وأضمر هزيمته ساحبا حسرة كبرى من حسراته:
- فكرة موتك، يا قاطعة الحبال السرية، ترشد جنوني... تقفل بوصلتي... تمزق خرائطي ... تحطم معاولي وتغرقني في لجة التيه... سعلت القابلة وهي تنزع السيجارة عن شفتيه الفضيتين لتخمد ثورتها في صينية الرماد:
- تعال نصنع إنسانا بمعاول الحب يادفان الموتى، لاسبيل إلى الخلود إلا بحفر قبر آخر!
* كاتب وشاعر من الرباط المغربية يعيش في ولاية كولورادو الأمريكية
|
|
|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
ردد أهل الطفيلة في حراكهم الأخير شعار اعتبره هام جدا، ويناسب المرحلة، ويصلح أن يكون رأيا نخبويا وشعبيا يمكن البناء عليه.
فهم حين يقولون، وتصدح حناجرهم بعبارة (لا لجان ولا حوار، الإصلاح بدو قرار)، يكونوا قد أعلنوها واضحة ورافضة لكل محاولات الالتفاف على الإصلاح.
من ناحية المبدأ، لا يرفض سياسي منصف ووطني، فكرة الحوار أو اللجان التي تمثل في صبغتها المجردة، وسيلة لبناء تصور إصلاحي يقود في النهاية إلى التغيير وتجديد خلايا النمو في المجتمع.
لكن إلية اللجان والحوار ضمن صيغتهما الأردنية، لم تنفك تاريخيا وواقعيا، عن كونها أدوات التفاف على الإصلاح وإضاعة للوقت، ومن ثم كما في حالة لجنة الحوار، أصبحت اللجان مكانا لتمرير إرادة المعيقين للتغير والرافضين له.
إذا نحن اليوم أمام بداية جديدة، لا بد لها أن تلغي كل ما كان في المرحلة السابقة، ولابد لها أن تعود لتنطلق من البداية الصحيحة والتي عنوانها " إنتاج إرادة الإصلاح".
في ظل ذلك من اللازم أن تعود الأدوار لتتوزع من جديد، فالمعارضة والقوى الشعبية، ملزمة بالضغط الجاد والعودة للشارع من اجل حث المعنيين على تخليق إرادة الإصلاح لديهم بوضوح ودون التفاف باتت أدواته مكشوفة.
وبالمناسبة، بجدر هنا التذكير، ومطالبة محافظات الشمال والسلط، باتخاذ موقف مساند لحراك الجنوب العادل والمطالب بمحاربة الفساد وإعادة الدولة لمواطنيها على أساس من فتح آفاق المشاركة السياسية العامة.
على الجانب الآخر، يظهر موقف رأس الدولة "الملك" في هذه اللحظة الفارقة هاما، فحكومته ولجانه لا تظهران تلك القدرة أو الحماسة التي يتمتع بهما القصر.
وعليه فان فقرة الشعار الذي رددها الطفايلة والمتعلقة بان "الإصلاح بده قرار" تكون خاصة بالملك ونداءا موجها إليه، أن يا رأس الدولة، قرر خطوات إصلاحية تفصيلية تحارب الفساد وتؤسس للمواطنة وللشراكة السياسية ولا تحرم فئة من فرص التقدم والتطور والتعبير السياسي والثقافي عن الذات والوطن.
الوجهة التي نبحث عنها باتت ماثلة أمامنا ولا تحتاج لأثر ولا للجان، وحتى يصدق على مشهدنا وصف الإصلاح فالخطوات معروفة للقاصي والداني ومعقوليتها حاضرة أيضا، ومن هنا نقول لا تكونوا "كشايف الزول وبدو يدور على الأثر".
|
|
|
عبد الحميد صيام
|
كتب: عبد الحميد صيام - نيويورك - -
بعد حادثة لوكربي عام 1988 وتحميل مجلس الأمن المسؤوليه لنظام معمر القذافي عام 1992 ضمن قرارين متتاليين (731 و 748) شعرالعقيد أنه وقع في الفخ وأن الأمريكان والبريطانيين لن يغفروا له هذه الجريمة، واقتنع أن نظامه الشمولي الغريب من نوعه لا يستطيع البقاء أمام ضغط أمريكي بريطاني حقيقي، فاختار الاستسلام والخنوع المذلين لإملاءات السياسة الأمريكية البريطانية دون نقاش أو حق اعتراض. بعد فرض العقوبات على ليبيا عام 1992 وفي السبع سنوات التالية عمل العقيد على تنفيذ كل ما جاء من إملاءات أمريكية بريطانية مقابل عدم الإطاحة بحكمه. تخلى عن الفصائل التي كان يدعمها وقدم قوائم وكشوفات بكل الجماعات التي تدربت في ليبيا أو تلقت مساعدات منها من الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى ثوار المورو في الفلبين وصولا إلى كافة الفصائل اللبنانية والفلسطينية والأفريقية وأوقف كل برامج ودراسات ومعامل تتعلق بأسلحة الدمار الشامل وكشف عن الخبير النووي الباكستاني عبد القدير الذي ساعد ليبيا ودولا أخرى في إنشاء برامج نووية وأغلق معسكرين للتدريب ذكرا بالإسم وأبدى استعداده للتعامل مع إسرائيل حيث أرسل قافلة مكونة من 200 ليبي للحج إلى مدينة القدس في الأول من شهر حزيران (يونيو) عام 1993 والهدف بالتأكيد لم يكن للتقرب إلى الله من ساحات المسجد الأقصى بل التقرب إلى إسحاق رابين في تل أبيب لكن مغامرته المكشوفة هذه باءت بالفشل الذريع.
كان يتمنى القذافي لو أن تسليم المتهمين سيحل الأزمة إلا أن بريطانيا وأمريكا لم تكونا في عجلة من أمرهما خاصة وأن مجلس الأمن كان تحت سيطرة الدولتين تماما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. في السنوات السبع تلك شهد نظام القذافي ضعفا وتفككا ومعارضة داخلية واسعة وذلك لأسباب ثلاثة: أولا: الانصياع الكامل لإملاءات الولايات المتحدة وبريطانيا وتبديد بلايين الدولارات للتعامل مع الأزمة وخاصة بعد الحصار الذي فرض على ليبيا ثانيا: زيادة القمع غير المحدود ثالثا: المغالاة في تأليه شخصيته للتغطية على إذلاله وانصياعه الكاملين.
القمع منذ البداية محنة الشعب الليبي مع هذا المهرج المصاب بجنون العظمة ليست جديدة بل تعود إلى البداية عندما فشل في تسويق نفسه كزعيم قومي ووريث شرعي لعبد الناصر. ثم تحول إلى قائد أممي مع بداية عام 1977 وأطلق ما سمي الكتاب الأخضر والنظرية الثالثة وأعاد تسمية البلد وغير أسماء الأشهر وغير التاريخ الهجري وكاد أن يتلاعب في آي القرآن الكريم. تعامل مع المعارضة بمنتهى الوحشية حيث بدأ يعلق المعارضين على أعواد المشانق أمام الناس وفي مداخل الجامعات ليرهب الناس ويزرع الخوف في قلوبهم. وأدخل البلاد في حروب فاشلة بهدف تفتيت ما تبقى من الجيش مرة مع مصر عام 1977 ومرات عديدة مع تشاد ابتداء من عام 1978 إلى غاية عام 1987 ومرة مع تونس عندما دعم تمردا سيطر على مدينة قفصة في الجنوب عام 1980.
وكلما أوغل العقيد في مسخرة اللجان الشعبية وتأسيس ما سماه أول جماهيرية في التاريخ كلما زادت نسبة التبرم الشعبي وبالتالي يوغل في سفك الدم والتقتيل والتعذيب ليس فقط داخل حدود البلاد بل وفي الخارج أيضا. واستطاع عبر توزيع الرشاوي أو الخداع أن يستدرج أويختطف عددا من المعارضين في الخارج ليفرمهم في الداخل. وكان السيد منصور الكيخيا، وزير الخارجية الأسبق والممثل الدائم لليبيا في الأمم المتحدة أبرز هؤلاء الرموز. فقد تم اختطافه من مصر أثناء مشاركته في مؤتمر عن حقوق الإنسان عام 1993 وتصفيته فورا، خاصة وأن اختطافه تزامن مع محاولة اغتيال العقيد في "بلد الوليد" البعيدة 100 كم جنوب شرق طرابلس حيث تم إعدام نحو 1500 من أبناء البلد.
لقد استطاع القذافي أن يخمد المعارضة الليبية بالعنف المفرط وتهميش الجيش خوف الانقلاب والإغداق علــى رجال الأمن الجهلة الذي أخرجهم من المدارس ولا يعرفون شيئا إلا التسبيح والحمدلة للعقيد.
بعد إعادة تأهيله من قبل الدول الغربية ابتداء من عام 2001 وبعد أن دفع التعويضات الهائلة لضحايا الطائرتين الفرنسية والأمريكية وبعد أن سلم مجلس الأمن رسالة خطية يعترف فيها بمسؤوليته عن حادثة لوكربي- بدأ القذاقي يغالي في تأليه نفسه متجها بملايينه إلى الدول الأفريقية بعد أن ابتعد عنه العرب شعوبا وحكومات. بدأ يتحدث وكأنه يمسك بين يديه ناصية التاريخ والفلسفة والحكمة والعلم والدين. فوضع حلا لقضية فلسطين ضمنه في كتابه الأبيض وأسمى الدولة "إسراطين" لكن أحدا لم يأخذ برأيه، وأعلن أن حلول مشاكل العالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كلها موجودة في كتابه الأخضر الذي لم يقرأه أحد خارج جماهيريتيه لتفاهته ودعا إلى وحدة اندماجية لكل الدول الأفريقية وأطلق جائزة لحقوق الإنسان وكان أول الفائزين بها، ثم أصبح كاتب قصة ومنح نفسه لقب ملك ملوك أفريقيا وعميد الحكام العرب ومفجر ثورة الجماهير وصاحب أول جماهيرية في التاريخ. وكلما أوغل في تأليه نفسه كلما زاد العالم ازدراء له وتعاظم تململ الشعب الليبي من هذا المهرج المستبد. السقوط الانفرادي ليس من الغريب إذن بل ومن المنطق، عندما هب الشعب الليبي الطيب الصبور ليعلن نهاية حكم الطاغية، أن يجد العقيد نفسه محاصرا دون أصدقاء لا في الممالك الأفريقية ولا عند القادة العرب ولا عند ثوار أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية الذين يدعي أنه قائدهم ولا عند الدول الإسلامية التي يدعي أنه يتصدى باسمها لحرب صليبية جديدة. ها هو قائد جماهيرية الوهم محاصر في باب العزيزية دون أنصار ودون أصدقاء ودون أتباع. يترنح قبل السقوط النهائي ولا يجد حوله أحدا إلا بعض أبنائه وحفنة من زبانيته الفاسقة ومن تبقى من المرتزقة الذين استأجرهم لذبح شعبه. وكغيره من الطغاة، لن يجد في هذا الكون من يذرف دمعة عليه بل ستسري موجة من الفرح لدى أبناء الشعب العربي كلهم وفي أولهم أحفاد عمر المختار الذي أذلهم وبدد ثرواتهم وأمعن في احتقارهم وخاصة عندما قرر نقل رفات أسد الصحراء من بنغازي إلى بلدة سلوق في مجاهل الصحراء عام 1980 وإقامة سوق تجاري مكانه لأن الطاغية لا يعترف بتاريخ لليبيا قبل انقلابه المشبوه في الفاتح من أيلول (سبتمبر) 1969. ولن يمر وقت طويل قبل أن نرى ليبيا خالية من صوره وكتابه وأفكاره البلهاء وشعاراته الجوفاء ويعود الشعب الليبي الطيب الصبور المتسامح جزءا عزيزا من أمته العربية يعيش حالة سلام مع الذات ومع الآخرين ويستغل إمكاناته الهائلة لتنمية بلده ومساعدة أمته وترميم الخراب الذي تركه نظام فردي شمولي كاسر أهلك البلاد وأذل العباد لمدة 42 سنة.
* أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
|
|
|
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى > الأخير >>
|
| النتائج 99 - 112 من 1535 |