|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
في هذه اللحظة التي تبدو حاسمة من عمر وطننا، لن يستطيع أيا كان ومهما كان موقعه التراتيبي في المجتمع أن يوقف قطار الإصلاح، فحالة الانسداد ترفض إلا التغيير، كما أن إبقاء الوضع على ما هو عليه ستكون عواقبه وخيمة.
إذا الإصلاح حتمي وضرورة وطنية، والشروع بالحوار حول معوقاته أمر لابد منه، كذلك وبحكم صفاته تلك، يكون من الجدير بالمتحاورين أن يجعلوا من تحديات الإصلاح فرص يؤخذ بها وتؤسس لواقع مختلف.
الصراحة مطلوبة، وعزل الأصوات المتطرفة بات ملحا وشرطا، فالأجواء الإصلاحية التي ستبحث عقدة " الجغرافيا والديموغرافيا" في الشأن الأردني، لابد لها أن تكون موضوعية متعقلة تزن الأمور بميزان حساس لا تفريط فيه ولا إفراط.
"الجغرافيا" التي ينادي بها فريق أردني، لها حجج ووجاهة ومبررات، والديموغرافيا التي ينادي بها فريق اخر، لها أيضا حجج ومبررات وجيهة.
من هنا لابد من نقطة لقاء وتسوية مقنعة ومعقولة يرضى بها الطرفين، فتتبدد حينها مخاوف هذا الفريق وذاك، على أن يكون العنوان الذي يظلل كل ذلك هو "ضرورة التغيير وحتمية تأكيد مصالح الوطن".
من جهة أخرى وتأكيدا على ما قلنا سابقا، لابد للحوار الإصلاحي هذا أن يكون بمعزل عن الفرق المتطرفة والأبواق الشاتمة، فقد مللنا مذياع المباشر الصباحي، الذي يهرف بما لا يعرف، ويدعي رؤية ما لا يراه الآخرون، فيسمم الأجواء ويدعي -جهلا وتوجيها- حب الوطن والحرص عليه.
الحوار الإصلاحي يجب أن يتجنب كل الفزاعات الموهومة او التي توضع في غير سياقها، على أن ينتبه بهدوء وحذر إلى كل المخاوف التي يتكلم عنها كافة الأطراف.
الأردنيون من شتى الجذور والسيقان، تجمعهم مواطنة يشوبها قلق ما، لكنهم في هذه اللحظة التاريخية الفارقة من عمر الوطن قادرون على إزالة هذا القلق بالإصلاح الحقيقي الذي يفتح النظام على المشاركة ويحمي الكيان من العواصف والمطامع.
"فوبيا الإصلاح" لابد أن تسقط، وحاملة السقوط اليوم انضج من أي وقت مضى، وما نحتاجه لن يخرج عن إرادة صادقة ومتحاورون واعيين، وأصوات إقليمية عنصرية تعزل ولا يسمح لها بتسميم الأجواء.
|
|
صبحي غندور
|
كتب: صبحي غندور - واشنطن - -
فجأةً حصل التوافق الفلسطيني على ورقة العمل المصرية، وما في ذلك من مدخل مهم لإعادة وحدة الجسم الفلسطيني قيادةً وشعباً وأرضاً. الاتفاق هو حتماً إنجازٌ مهم للقيادة العسكرية المصرية التي تولّت الإشراف على تفاصيل الاتفاق، كما التوافق الفلسطيني مصلحة عامة منشودة منذ سنوات. لكن هل سيكون الاتفاق أيضاً مقدّمة لاستئناف المساعي الأميركية والأوروبية من أجل تحقيق تقدّمٍ على مسار المفاوضات الفلسطينية/الإسرائيلية؟ أشكّ بذلك، لأنّ الحكومة الإسرائيلية لم تستجب لمطلب وقف الاستيطان في ظلّ ظروف الانقسام الفلسطيني، فلِمَ ستتجاوب الآن وهي التي اعترضت أصلاً على التفاهم الذي حصل بين "فتح" و"حماس" وحذّرت السلطة الفلسطينية من عواقبه؟.
فما الممكن حدوثه إذن الآن بعد توقيع الاتفاق الفلسطيني؟! أعتقد أنّ هذا الاتفاق سيفسح المجال أمام إمكانية الدعوة لمؤتمر دولي جديد على غرار مؤتمر مدريد منذ 20 عاماً، بحيث يمكن دعوة وفد فلسطيني يمثّل الحكومة الفلسطينية المقرّر تشكيلها الآن من عناصر مستقلة (حكومة تكنوقراط) إضافةً إلى سوريا ولبنان ودول عديدة أخرى لبحث مشروع التسوية الشاملة للصراع العربي/الإسرائيلي، فالظروف القائمة الآن تساعد كلّها على عقد مؤتمر دولي جديد هذا العام يُخرج "الملف الفلسطيني" من مأزق الجمود بسبب مواقف حكومة نتنياهو الرافضة لوقف الاستيطان، كما سيفسح هذا المؤتمر المجال لحالات "تطبيع" عربية جديدة مع إسرائيل ترغب واشنطن بتحقيقها نتيجة ضغوط تمارَس حالياً على أطراف "قوى الممانعة" في المنطقة.
لقد تحدّث الرئيس الأميركي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر الماضي مشيراً إلى أهمّية وجود ممثلين عن "الدولة الفلسطينية" في الاجتماع القادم للجمعية، أي بعد أقل من 6 أشهر من الآن، بينما يُدرك الرئيس أوباما وإدارته أنّ ذلك غير ممكن في ظلّ أسلوب التفاوض الذي كان سائداً في السنوات السابقة، والذي وصل إلى طريق مسدود. لذلك يُصبح المؤتمر الدولي بديلاً مهماً لآليّة مسار التفاوض الثنائي في ظلّ رغبة أميركية وأوروبية وعربية بالتعامل مع كلّ ملفّات الصراع العربي/الإسرائيلي.
وقد بدأت إدارة باراك أوباما عهدها بتأكيد الاهتمام بملفّات الصراع العربي/الإسرائيلي، وبالنّظرة الإيجابية للمبادرة العربية، وبأنّها ستعطي لهذا الأمر أولوية من خلال اختيارها السناتور جورج ميتشل ليكون موفداً خاصّاً لمعالجة ملفّات هذا الصراع، كما سبق له أن فعل ونجح بشأن الأزمة الأيرلندية.
أيضاً، بقي الموقف الدولي عموماً متماسكاً خلف الأسس التي قد يقوم عليها المؤتمر الدولي القادم، كما بدا ذلك في قرار مجلس الأمن رقم 1860.
حتّى على المستويين العربي والفلسطيني، فقد استمرّ النهج الذي يراهن على مضمون المبادرة العربية الداعية لتسوية شاملة على كل الجبهات والذي يتمسّك بشرعية السلطة الفلسطينية وحدها.
إنّ "توفير" الأجواء المناسبة للمؤتمر الدولي على قاعدة المبادرة العربية قد حصل، وستكون الآن الأولوية حتماً هي إنهاء الانقسام داخل الجسم الفلسطيني وفق ترتيبات تفرز حكومة وحدة وطنية غير سياسية، وتشرف على إعادة إعمار غزّة، وتتولّى أيضاً مسألة تنظيم المعابر إلى القطاع، مع توافق على استمرار الهدنة الأمنية مع إسرائيل وعلى إجراء الانتخابات الفلسطينية في العام القادم.
أمّا المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل، فستكون من مسؤولية قيادة السلطة لا غيرها، بحيث يكون قرار المقاومة الفلسطينية إعطاء مهلة زمنية لهذه المفاوضات في ظلّ المتغيّرات الحاصلة حالياً واحتمالات الجدّية في تنفيذ مضامين المبادرة العربية.
فالحرب على غزّة وضعت جميع الأطراف أمام خلاصات جديدة: لا إمكانية لإنهاء المقاومة ولا لتجاوزها أو تجاهلها. في المقابل: لا لتجاوز دور قيادة السلطة أو تجاهل الدعم الدولي والعربي لها!!
هذه "الضوابط" شكّلت حالةً من "الخطوط الحمراء" لدى الأطراف المختلفة عربياً وفلسطينياً، إذ تبيّن أنّ هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها من قبل الداعمين للمقاومة، كما ظهرت حدود أخرى أمام من يرفضون نهج المقاومة.
في المحصّلة، يبدو أنّ إدارة باراك أوباما ستعود في سياستها بالمنطقة إلى النهج الذي كانت عليه الإدارة الأميركية في فترتيْ بيل كلينتون من تشجيع على تسويات سياسية، كما حدث في الاتفاق الفلسطيني/الإسرائيلي في أوسلو وما بعده، وكما جرى بين الأردن وإسرائيل في اتفاق وادي عربة، وفي دعم المفاوضات بين سوريا وإسرائيل حتى نهاية عهد كلينتون، وطبعاً مع ضغوطٍ مارستها واشنطن في تلك الحقبة على عدّة أطراف عربية لمباشرة خطوات التطبيع مع إسرائيل دون انتظار لمصير المفاوضات.
الأمر المختلف الآن، أنّ اتفاقات أوسلو وما بعدها لم تثمر سلاماً ولا انسحاباً إسرائيلياً ولا دولة فلسطينية، وأنّ نهج المقاومة هو الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من لبنان أولاً في العام 2000 ثمّ من غزّة في العام 2005.
أيضاً، لم تكن أميركا في حقبة كلينتون بعقد التسعينات متورّطةً عسكرياً في حروبٍ بالمنطقة، ولا كانت إيران قوّة مؤثّرة وفاعلة في أوضاع المنطقة كما هي عليه الآن، ولا كانت هناك مبادرة عربية للسلام مُجمَع عليها من قبل الحكومات العربية، ولا كان هناك هذا الانقسام الحاد في الجسم الفلسطيني بل في الرأس الفلسطيني.
هذه كلّها الآن متغيّرات قائمة تدفع إدارة أوباما إلى التعامل معها في الشرق الأوسط، لكن سياسة الإدارة الحالية لن تنفصل عن الرؤية الأميركية العامّة للشرق الأوسط، وهي الرؤية التي وضعت بعهد جورج بوش الأب ضوابط المفاوضات العربية الإسرائيلية في مؤتمر مدريد، ثمّ رعت خلال عهد بيل كلينتون الاتفاقات والمفاوضات.
لقد كان العائق الأكبر، بالمفهوم الأميركي/الأوروبي/الإسرائيلي المشترك، أمام التسوية الشاملة الآن هو الحالة الفلسطينية وما فيها من رأسين للجسم الفلسطيني، ومن رفض الرأس الفلسطيني في غزّة التخلّي عن العمل المسلّح والاعتراف بإسرائيل.
فالجبهتان المصرية والأردنية هما في حالة معاهدات مع إسرائيل، وهناك مفاوضات غير مباشرة خاصّة بالجبهة السورية جرت برعاية تركيا. أمّا الجبهة اللبنانية، فقد جرى إخراجها من حلبة الصراع العسكري بالقرار 1701 بعد حرب صيف 2006، وأصبحت الظروف بالتالي مهيّأة لمؤتمر دولي من أجل تسوية شاملة، لكن بعد حلّ "مشكلة الانقسام الفلسطيني".
لكن الموقف الأميركي سيبقى موضع شكٍّ لدى العرب طالما استمرّت واشنطن في إغفال التعامل مع العدوان الإسرائيلي على أنَّه حالة احتلال يتوجَّب وقفها فوراً، وأنَّ إنهاء الاحتلال يعني أيضاً بناء دولةٍ فلسطينية مستقلة على كلّ الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، وضرورة تلازم ذلك مع ضمانٍ لحلٍّ عادل لحقوق اللاجئين الفلسطينيين.
فقد تحدَّثت واشنطن كثيراً عن "دولة فلسطينية"، لكن دون تحديدٍ لحدود هذه الدولة وسكانها وعاصمتها، وبلا تحديدٍ أيضاً لنوع السلطة فيها. فلا يكفي الحديث بالعموميات عن "الدولة الفلسطينية"، فحكّام إسرائيل أنفسهم قالوا بتلك العمومية، بينما هم يواصلون قتل الفلسطينيين على الأرض الفلسطينية ويدمّرون ممتلكاتهم ..
فغياب السلام الحقيقي يستحضر الحرب والعنف ويدفع بالخاضعين للاحتلال إلى ممارسة حقّ مقاومته. وغياب الدور العربي الفاعل هو الذي يستحضر الدور الأجنبي (الدولي والإقليمي) وهو الذي يشجّع الآخرين على التدخّل بشؤون العرب وعلى تحويل أرضهم إلى ساحة صراعات ..
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن
|
|
د. أحمد أبو مطر
|
كتب: د.أحمد أبو مطر - أوسلو - -
يسعى الآن النظام السوري للانضمام لعضوية مجلس حقوق الإنسان، الذي هو أعلى هيئة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ويتم ترشيح الدول طالبة العضوية أولا، ثم تجري عملية إنتخاب من بين الدول المرشحة هذه. ومن الدول المرشحة لنيل مقعد في المجلس في دورته القادمة ، دولة الرعب والخوف في سوريا وإندونيسيا والهند والفلبين.
جهود جماعية عالمية لمنع عضويته
لم يواجه نظام برفض جماعي لانتخابه لعضوية مجلس حقوق الإنسان كما يواجه الآن، النظام السوري الحالي الذي يتربع على صدور السوريين و اللبنانيين بأدوات قمع لا مثيل لها في كافة جمهوريات الخوف والرعب العالمية، خاصة أنّ جهود جماعات حقوق الإنسان ومنظمة هيومن رايتس ووتش، سبق أن نجحت منذ العام 2006 في الاعتراض على انتخاب بعض الدول لعضوية المجلس بسبب سجلها الأسود في ميدان حقوق الإنسان، مثل إيران وفنزويلا وبيلاروسيا وسيريلانكا. والآن الدور على رفض عضوية نظام الأسد الذي أوقع بين الشعب السوري منذ اندلاع ثورته الحالية منصف مارس الماضي ما يزيد على 600 قتيل ومئات الجرحى والمفقودين والمعتقلين. هذا في حين تأكد من خلال ممارسات النظام مع المتظاهرين السلميين المطالبين بإصلاحات جذرية حقيقية، أنّ كافة القرارات التي اتخذها أخيرا ومنها إلغاء قانون الطوارىء، أنها مجرد قرارت شكلية زاد بعدها مستوى ونوعية القمع لجماهير الشعب ومنعه التظاهر.
الدبابات في درعا بدلا من الجولان
وكم كان مخجلا ودليلا على مقاومة وممانعة هذا النظام الزائفة، أنّ المرة الأولى التي يرى فيها الشعب السوري والعربي تحرك دباباته ومدرعاته وقناصيه نحو مدينة درعا، حيث أحدث فيها من القتل والدمار، ما لم يجرؤ هذا النظام على توجيهه نحو الجولان المحتل منذ عام 1967 . لذك تنامت ردود فعل الشعب السوري على قمعه وقتله، وأصبح واضحا أنّ ما تمّ تأسيسه على القمع لا يستمر إلا بمواصلة القمع، و بالتالي فهو نظام لا يستطيع ولا يجرؤ على أية إصلاحات ديمقراطية حقيقية، لأنها ضد بقائه واستمرارية هيمنته سياسيا واقتصاديا.
نماذج من الإدانات الدولية
لذلك قال مدير منظمة هيومن رايتس ووتش بالأمم المتحدة ( فيليب بولبيون ): " لم تعمل الحملة التي تقودها سوريا من أجل الانضمام إلى مجلس حقوق الإنسان على ابطاء وتيرة عمليات القتل والتعذيب التي يتعرض لها عدد كبير من المتظاهرين السلميين على يد قوات الأمن الحكومية. وأرى أن ترشيح سوريا يجب أن يكون أمرا محرجا لداعميها، وهي المجموعة الأسيوية خاصة الجامعة العربية، التي دعمت التدخل العسكري في ليبيا لحماية المدنيين، وتنحاز الآن بشكل صارخ ضد الضحايا السوريين".
كما أصدرت 12 جماعة تعمل في مجال حقوق الإنسان في العالم العربي بيانا، تطالب فيه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، أن يدين علنا ترشيح النظام السوري لعضوية مجلس حقوق الإنسان، وتطالب الدول العربية أن لا تعطي أصواتها لمرشح النظام السوري. وكذلك فإنّ مارك توين المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، علّق قائلا: " أعتقد في تلك الحالة تحديدا أننا نشعر بأننا مضطرون للتعليق، بالنظر إلى ما تقترفه السلطات السورية من أعمال بحق شعبها. ونحن نعتقد أنّه سيكون من غير الملائم ومن النفاق بالنسبة لسوريا أن تنضم إلى مجلس حقوق الإنسان".
نماذج إنسانية محزنة للتذكير بجرائم هذا النظام
وفاء وماهر عبيدات
هذان الشابان من عائلة عبيدات الأردنية المعروفة في شمال الأردن. كانا في عام 1986 طالبان أعمارهما دون العشرين عاما. وقد اختفيا في ذلك العام في أقبية أجهزة المخابرات الأسدية حتى اليوم. من يتخيل هذا دون أن يبكي أو يصاب بارتفاع الضغط. ليت مسؤولو هذا النظام إن توفرت عندهم ذرة من إنسانية أن يخبروننا ما هو ذنب الطالبة ( وفاء عبيدات ) وشقيقها (ماهر) اللذان تم خطفها للسجن ليختفيا حتى اليوم ؟ وما هو ذنبهما وغيرهما حوالي 180 معتقلا وسجينا أردنيا لا يعرف عنهم أية معلومات؟. هل هدّد هولاء السجناء الأمن القومي لسوريا؟ هل منعوا دبابات الأسدين الأب والإبن من التوجه لتحرير الجولان؟. هل يقرأ هؤلاء فقرات من حديث والدتهما ( أم هاني ) ل ( عمان نت ) في الحادي عشر من كانون أول 2006 ، علّ خلية واحدة في ضمير واحد منهم تتحرك؟. تقول أم هاني: ( جننت وأصبحت أعيش على المهدئات وأهذي باستمرار منادية بإسمهما على المارة في الطريق. أصبت بهشاشة العظام، أصبحت ضعيفة القوى، عيوني لا تعرف النوم، أما زوجي فقد أصيب بنزيف في دماغه انتهى به إلى الشلل النصفي ثم فارق الحياة بعد رحلة طويلة من الألم والمرض.....لا تصلنا رسائل منهما إلا بعض الاتصالات من أشخاص سوريين أجهل هويتهم ويطلبون مبالغ طائلة كنا غير قادرين على تحملها تصل إلى 50 ألف دينار أردنيا من أجل أن يفرج عنهما )!!!.
السجناء الفلسطينيون واللبنانيون
وهذا أيضا ملف تقشعر له أبدان من لديهم ذرة من ضمير. ألاف اللبنانيين والفلسطينيين مفقودين منذ ما قبل عام 1976 دون أية معلومة عنهم. ومنهم من مات في السجن مثل المناضل الفلسطيني المعروف ( عبد المجيد الزغموت )الذي اعتقل عام 1966 وظلّ في السجن 34 عاما حتى وفاته في فبراير من عام2000 . وقد رصدت الجمعية الفلسطينية لحقوق الإنسان حتى يونيو عام 2000 أسماء 28 فلسطينيا ماتوا في السجون السورية منهم : ( النقيب أبو الفخر، أبو رمزي قدورة، المقدم أحمد أبو عيشة، الرائد حسام االبعلبكي، الرائد علي فتحي كريمة، الدكتور محي الدين الأسطل، الرائد نبهان الشيخ، و علي يوسف زعيتر ). كما وثقت الجمعية حتى ذلك التاريخ عدد 494 سجينا فلسطينيا في السجون السورية، ونشرت أمام كل اسم تاريخ سجنه وعمره ومسقط رأسه وعنوان وهاتف أسرته للاتصال بها إن توفرت معلومات لدى أي شخص أو مصدر. ومن الحالات المعروفة العقيد توفيق الطيراوي مدير المخابرات الفلسطينية السابق في الضفة الغربية ، الذي اختطفته المخابرات السورية من بيروت في 23 يوليو 1986 وبقي في سجن المزة حتى 2 نوفمبر 1989 ، وقد خرج من السجن مصابا بكسور في العمود الفقري وضعف في البصر من جراء التعذيب، وحالة المناضل الفلسطيني المعروف اللواء أبو طعان ( مصطفي ذيب خليل ) قائد الكفاح الفلسطيني المسلح في بيروت الذي سلمّه أحمد جبريل و أبو خالد العملة للمخابرات السورية عقب انشقاق العملة وأبو موسى عن حركة فتح عام 1983 وبقي في السجون السورية 21 عاما حتى فبراير من عام 2004 حيث أفرج عنه بسبب تردي حالته الصحية ومخافة أن يموت في السجن، وهو يعيش اليوم في مخيم عين الحلوة بالجنوب اللبناني، ولا بد من توثيق تجربته المريرة لتبقى شاهدا على جرائم وطغيان هذا النظام. ونفس التفاصيل عن ألاف اللبنانيين المفقودين حتى اليوم في السجون الأسدية.
وآخرهم الصحفي الفلسطيني مهيب النواتي،
الذي وصل إلى دمشق قادما من أوسلو عاصمة المملكة النرويجية يوم الثامن والعشرين من ديسمبر 2010 ، وظلّ يتصل بزوجته وأطفاله حتى يوم الثاني من يناير 2011 ، ثم انقطعت أخباره حتى هذا اليوم. ولا بدّ من التأشير على دور لحركة حماس المشعلية في دمشق، في اختفاء هذا الصحفي الفلسطيني، خاصة أنّه سبق أنّ أصدر وهو في غزّة قبل قدومه للنرويج كتابه ( حماس من الداخل )، الذي لم ترض عنه حماس وممانعيها.
أما سجناء ومعنقلي الرأي،
في سوريا ذاتها، فهو من الملفات المخزية، إذ لا يمرّ يوم دون اعتقال واحد من هؤلاء النشطاء، وهو ملف أصبح معروفا وموثقا لدى الجهات المعنية سوريا وعربيا ودوليا. والكارثة التي تدلّل على عدم نية النظام اتخاذ أية إجراءات حقيقية في ميدان الإصلاح والحريات الديمقراطية، أنّه بعد الإلغاء الشكلي لقانون الطوارىء المعمول به منذ أكثر من خمسين عاما، لم تتوقف حملة الاعتقالات خاصة بين النشطاء المشاركين في ثورة الشعب السوري الحالية، فمنذ اندلاع الثورة الحالية لا يمرّ يوم دون قتلى ومعتقلين وسجناء.
والقمع العلني للسوريين من القومية الكردية،
من الملفات العنصرية التي ترقى لمستوى التطهير العرقي، خاصة منعهم من استعمال لغتهم القومية، وسحب الجنسيات من مئات ألاف منهم خاصة في شمال سوريا، التي شهدت تطهيرا عرقيا ضدهم منذ خمسينات القرن الماضي، وسط سكوت وتجاهل لغالبية منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية. وأذكّر دوما بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي رغم كل جرائمها بحق الفلسطينيين ، لم تمنع من بقي منهم عام 1948 في وطنهم، من استعمال لغتهم وثقافتهم العربية التي أعطت الثقافة العربية عباقرة مثل إميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم.
الإدانات من داخل سوريا تتواصل،
وما يدعم الجهود الدولية في منع هذا النظام من الحصول على عضوية مجلس حقوق الإنسان، هو تواصل الإدانات من داخل سوريا لممارساته الإجرامية، مما يعني أنّ قطاعات واسعة من الشعب السوري، نزعت رداء الخوف لأنّ الوضع الخاص بالحريات السياسية وحقوق الإنسان لم يعد محتملا، وإلا من يتخيل ردود الفعل السورية التالية الصادرة في داخل سوريا رغم قمع النظام وقتله:
1 . استقال 228 عضوا في حزب البعث السوري في محافظة درعا وفي مدينة بانياس احتجاجا على ممارسات الأجهزة الأمنية تجاه المواطنين. ونقلت "الجزيرة" عن بيان وقعه المستقيلون في درعا أنه "نظرا للموقف السلبي لقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي اتجاه الأحداث في سوريا عموما وفي مدينة درعا خصوصا، وبعد مقتل المئات وجرح الآلاف على أيدي القوى الأمنية المختلفة وعدم اتخاذ قيادة الحزب أي موقف إيجابي وفعال وعدم التعاطي مع هموم الجماهير نهائيا نتقدم باستقالتنا الجماعية". 2 . أعلن 30 عضوا في حزب البعث الحاكم في سوريا من منطقة بانياس انسحابهم احتجاجا على "ممارسات" أجهزة الأمن، وذلك في بيان لهم. قالوا فيه " إن ممارسات الأجهزة الأمنية والتي حدثت تجاه المواطنين الشرفاء والعزل من أهالينا في مدينة بانياس والقرى المجاورة لها، لا سيما ما حدث في قرية البيضا يناقض كل القيم والأعراف الإنسانية ويناقض شعارات الحزب التي نادى بها". وأشار البيان في هذا الصدد إلى "تفتيش المنازل وإطلاق الرصاص العشوائي على الناس والمنازل والمساجد والكنائس من قبل عناصر الأمن والشبيحة بما يؤدي إلى الاحتقان الطائفي وبث روح العداء بين أبناء الوطن الواحد".
3 . بيان الاستنكار الذي صدر قائلا: (يعرب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان ولجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن استنكارهم الشديد للموقف المخزي الذي اتخذته منظمة "المؤتمر الإسلامي" –التي تضم كل الدول الإسلامية- خلال التحضير للجلسة الاستثنائية التي يعقدها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان غدا، للنظر في التدابير والتوصيات التي يتعين على المجلس تبنيها من أجل وضع حد للمجازر، وأعمال القمع الوحشي التي أقدمت عليها السلطات السورية في مواجهة التظاهرات الشعبية السلمية، التي تنشد الحرية والخلاص من النظام القمعي البوليسي في سوريا، والتي شهدت حتى الآن سقوط قرابة 500 قتيل، فضلا عن الآلاف من الجرحى والمعتقلين والمختفين قسريا).
4 . البيان الجريء الذي صدر عن قرابة أربعين كاتبا وصحفيا فلسطينيا في سوريا وخارجها، يستنكر قمع النظام السوري للحريات الديمقراطية، مستغلا اسم فلسطين وقضيتها. وقد ورد في البيان (يدين الموقعون على هذا البيان، من العاملين في الحقل الثقافي في فلسطين، والنشطاء في مؤسسات المجتمع المدني، أعمال القتل التي يمارسها النظام السوري ضد المطالبين بالحرية والكرامة في سوريا، ويعبّرون عن تضامنهم مع أشقائهم السوريين، الذين يناضلون من أجل أن تكون سورية دولة ديمقراطية حقيقية ولكل مواطنيها، تُصان فيها حقوق المواطنة والكرامة وحقوق الإنسان في التظاهر والتعبير، وتمارس فيها الديمقراطية والتوزيع العادل للثروة وتُحترم فيها التعددية السياسية والثقافية، وآليات الانتقال السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع....كما يرفض الموقعون على هذا البيان الزج باسم فلسطين والقضية الفلسطينية الذي يقوم به النظام السوري لتبرير قمعه الشعب. إن استخدام اسم فلسطين والقضية الفلسطينية من جانب النظام لتبرير قمع الحريّات في سورية يلحق الضرر بفلسطين وقضيتها. كما ونذكِّر أن في سجل النظام مواقف كثيرة دفع الفلسطينيون ثمنها بالدم والدموع ).
وموقف وطني إنساني رائع من الكتاب والفنانين الأردنيين،
عبر بيان وقعه حوالي مائة من أشهر الكتاب والفنانين الأردنيين المعروف أغلبهم في الساحات الثقافية العربية عامة، يعلنون فيه تأييدهم للثورات العربية، ويدينون القمع الوحشي للثورة السورية، ومما جاء في البيان: ( وأننا إذ ندين القمع الوحشي الدموي الذي يمارسه النظام السوري ضد أبناء شعبه الأعزل، لنؤكد على أننا نرفض أي تدخل أجنبي في الشأن العربي السوري، كما نرى أن سفك الدم هو الذي من شأنه أن يخلخل بنيان أوطاننا الداخلي ويضعف قدرة شعوبنا على المقاومة ويدفع الأجنبي للتدخل في شؤون أمتنا ).
إزاء هذه السجل الموثق للنظام السوري،
يصبح من المخجل وأللا إنساني دعمه والتصويت له لنيل مقعد في مجلس حقوق الإنسان، وهو نظام كما سبق لا يحترم الحد الأدنى من حقوق الإنسان السوري في كافة ميادين الحياة، وكذلك جرائمه بحق العديد من الجنسيات العربية.
www.dr-abumatar.net
|
|
صبحي غندور
|
كتب: صبحي غندور - واشنطن - -
لقد دفع أنور السادات بمصر في أواخر السبعينات إلى "سلامٍ" منفرد مع إسرائيل ما كان يجب أن يقوم به، وأدّى بذلك إلى اختلالٍ وتدهور في الوضع العربي عموماً.. كذلك دفع صدام حسين بالعراق في الثمانينات ومطلع التسعينات إلى حروبٍ ما كان يجب أن تحصل، وما كان ممكناً له أن يقوم بها لولا الاختلال الذي حصل في الجسم العربي نتيجة سياسة أنور السادات وغياب دور مصر الفاعل.
أيضاً، لولا هذه السياسات الخاطئة في "السلم" و"الحرب" من قبل قيادتيْ مصر والعراق آنذاك لما حصل ما حصل من تمزّق عربي خطير، وهدر وتدمير لإمكانات عربية كثيرة، وإعادة فتح أبواب المنطقة للتدخّل والوجود العسكري الأجنبي، خاصّةً بعد غزو الكويت وحرب الخليج الثانية.. ممّا سبب لاحقاً بتراجعات على مستوى القضية الفلسطينية ظهرت جلياً في اتفاق أوسلو، الذي نقل القضية الفلسطينية من قضية عربية إلى شأن خاص بقيادة منظمة التحرير - وليس حتى بالشعب الفلسطيني كلّه - فانعزلت القضية الفلسطينية عن محيطها العربي، وضعف وضع المقاومة المسلّحة المشروعة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي.
فقد تساقطت جميع الأولويّات والإستراتجية التي بناها جمال عبد الناصر ردّاً على هزيمة عام 1967، والتي أدّت إلى حرب تشرين/أكتوبر المجيدة عام 1973، فإذا بالأرض العربية بعد غياب دور مصر عبد الناصر تتشقّق لتخرج من بين أوحالها مظاهر التفتّت الداخلي، وكذلك الصراعات المحليّة المسلّحة بأسماء دينيّة أو طائفيّة أو أثنية، وتبدأ في حقبة منتصف السبعينات من القرن الماضي ظاهرة التآكل العربي الداخلي كبدايةٍ لازمة لمطلب السيطرة الخارجية والصهيونية.
كان جمال عبد الناصر يردّد بعد العام 1967 أنّ "مصر هي مع كل تغيير داخلي عربي يضيف للمعركة مع العدوّ الإسرائيلي ولا يأخذ من هذه المعركة". وكان ذلك معياره حينما رفض تأييد ما حدث من محاولة تغيير خلال العام 1969 في إحدى دول الجزيرة العربية، فإذا بالتغيير يحدث لاحقاً في مصر بعد وفاة ناصر ليأخذ هذا التغيير مصر كلياً من معركة الصراع مع إسرائيل!.
لكن رغم كلّ سلبيات الواقع العربي آنذاك، واللبناني تحديداً في ظلِّ حربٍ أهلية مدمّرة، نمت ظاهرة المقاومة اللبنانية وتصاعدت على مدار عشرين عاماً تقريباً ثم حقّقت الانتصار في العام 2000 على العدوّ الإسرائيلي بإجباره على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية المحتلّة.
كذلك استمرّت الإرادة الشعبية الفلسطينية الرافضة للاحتلال، والتي حاولت تجاوز كل سلبيات الواقع الفلسطيني من خلال الصمود والاستمرار في نهج مقاومة رغم الاغتيالات والحصار والدمار.
وقد رافق هذه المسيرة الرسمية العربية الانحدارية قمع العديد من الأنظمة العربية لحركات المعارضة السياسية بشكل عام، وانعدام البناء الدستوري السليم الذي يكفل التحوّل السياسي والاجتماعي السلمي في كلّ بلد، في ظلِّ فشل قوى المعارضة العربية في بناء نموذج سياسي صالح ليكون بديلاً أفضل من الواقع الرسمي، وفي مناخات تشجّع على العنف المسلّح للتغيير الداخلي وعلى فرزٍ وانقسامات داخل المجتمع الواحد.
كذلك تراجع دور الجامعة العربية وأنواع العمل العربي المشترك، ووقعت الحكومات العربية كلّها في مأزق "عملية السلام" مع إسرائيل: عجزٌ عن الحرب معها.. وتعجيزٌ إسرائيلي في شروط السلام!
هكذا كان حال المنطقة العربية مع إسرائيل قبل بداية هذا العام وما حصل ويحصل فيه من ثورات وانتفاضات شعبية عربية أثمر بعضها تغييراً مهمّاً وإيجابياً في مصر وتونس. وقد اعتبرت إسرائيل أنّها خسرت "كنزاً إستراتيجياً مهمّاً" بسقوط نظام حسني مبارك، بينما تحدّث نتنياهو لاحقاً بإيجابية عن متغيّرات أخرى متوقّعة في المنطقة العربية.
نعم هناك ضرورة قصوى للإصلاح والتغيير في عموم المنطقة العربية ولوقف حال الاستبداد والفساد السائد فيها، لكن السؤال هو كيف، وما ضمانات البديل الأفضل، وما هي مواصفاته وهويّته؟! فليس المطلوب أن نكسب الآليات الديمقراطية في الحكم بينما نخسر وحدة الأوطان أو نخضعها من جديد للهيمنة الأجنبية، إذ لا يمكن الفصل في المنطقة العربية بين هدف الديمقراطية وبين مسائل الوحدة الوطنية والتحرّر الوطني والهويّة العربية؟ فهل نسي البعض ما قامت به إدارة بوش بعد غزوها للعراق من ترويج لمقولةٍ ديمقراطية تقوم على القبول بالاحتلال والهيمنة الأجنبية ونزع الهوية العربية وتوزيع الأوطان إلى كانتونات فيدرالية؟ ألم يكن ذلك واضحاً في نتائج حكم بول بريمر للعراق وما أفرزه الاحتلال الأميركي للعراق من واقع سياسي تسوده الانقسامات الطائفية والأثنية بل والجغرافية للوطن العراقي؟! ألم تكن هذه أيضا مراهنات إدارة بوش وإسرائيل من حربيهما على لبنان وغزّة بعدما فشلت "الانتخابات الديمقراطية" فيهما بإيصال من راهنت عليهم واشنطن وتل أبيب؟
الآن هناك قوى لبنانية تدعو إلى ضمان الهدوء على الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل وترفض أي توتّر هناك بينما يعمل بعض هذه القوى على توتير الحدود الشمالية مع سوريا بحجّة مساندة الحراك الشعبي السوري.
وهناك قوى سياسية سورية تدين المقاومة اللبنانية وترفع شعارات ضدّها بينما تحتفل هذه المقاومة بالذكرى 11 لتحريرها لبنان من الاحتلال الإسرائيلي.. وبينما يتحدّث نتنياهو في الكونغرس الأميركي عن أمله الكبير ببعض الثورات العربية "التي لم تعد تتظاهر ضدّ إسرائيل بل ضدّ حكوماتها فقط".
الآن تعتزم الولايات المتحدة أن تطلب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفع مسألة نشاطات سوريا النووية المفترضة إلى مجلس الأمن الدولي، بعدما فشلت محاولات تدويل الوضع الداخلي في سوريا كما جرى في المسألة الليبية. وطبعاً، في ظلّ رفض إسرائيل والإدارة الأميركية للتصويت على إعلان الدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إنّ الخوف الإسرائيلي الآن هو من خروج مصر تدريجياً من التزامات المعاهدة المصرية/الإسرائيلية بعدما فشلت إسرائيل في كسر إرادة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية المدعومتين من سوريا. وهاهي مصر الثورة تنجح في تحقيق المصالحة الفلسطينية وتعيد فتح معبر رفح مع غزّة. لكن المراهنة الإسرائيلية هي على تعويض خسارة نظام مبارك من خلال محاصرة مصر بأزمات عربية تخضع الآن لحالٍ من التدويل والتقسيم وبتحويل ما يحصل فيها من انتفاضات شعبية إلى حروب أهلية داخلية. فالسودان على جنوب مصر يشهد حال التقسيم والتدويل معاً، وكذلك هو الواقع الليبي الآن على غرب مصر بينما اليمن باب البحر الأحمر مهدّد بحرب أهلية. أمّا "الجبهة الشرقية" لمصر فهي أرض وساحة التدخّل والحروب الإسرائيلية طيلة العقود الماضية التي استتبعت المعاهدة المصرية مع إسرائيل. فمنذ اجتياح إسرائيل للبنان عام 1978 ثمّ احتلال عاصمته في العام 1982 وصولاً إلى الحرب على غزّة في نهاية العام 2008، وإسرائيل تقود حروباً مدمّرة من أجل دفع سوريا ولبنان والمقاومة الفلسطينية إلى ما توصلّت إليه من معاهدات مع مصر السادات ومع الأردن. والغايات الإسرائيلية كانت، وما تزال، تعتمد على إثارة حروب أهلية لدى (وبين) الأطراف الفلسطينية واللبنانية والسورية.
إنّ إسرائيل تراهن هذا العام (كما قال نتنياهو أمام الكونغرس الأميركي) على متغيّرات عربية لصالحها، تراهن على "دويلات" عربية جديدة من داخل "الأمَّة العربية" المنقسمة.. لا على إعلان دولة فلسطينية من على منبر "الأمم المتحدة".
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن
|
|
|
الطاهر العبيدي
|
كتب : الطاهرالعبيدي - باريس - -
سأعود إنشاء الله إلى بلدي تونس، وطن العزة والكرامة وشرارة الثورات، وعناوين الرفض والتحدّي، وذلك يوم السبت 5 مارس ( آذار ) 2011 حوالي الساعة الحادية عشر وخمس وثلاثين دقيقة صباحا، بتوقيت تونس، على الخطوط الجوّية التونسية.
مع الإشارة أني اضطررت إلى مغادرة وطني، الذي ظل يسكنني كما يسكنني الحنين والذكريات، ويسافر معي أينما حللت كما الشوق والاشتياق والمسافات..
كان ذلك يوم 15 جانفي (يناير ) 1992، حيث تمكنت من الفرار من قاعة محكمة مدينة
" الكاف " مباشرة بعد النطق بالحكم بالسجن ضدّي، لأجتاز حدود شرعية الاستبداد، بطريقة تجرأت على بطاقات البحث والتفتيش، وتجاسرت على عيون الوشاة والمخبرين، لأقضّي سنة بين التنقل والسفر في رحلة التيه والمخاطر والمغامرة بين الجزائر والمغرب وسوريا وتركيا ولبنان، يحدوني أمل لعل الوضع يتغيّر وأعود من جديد، حيث كنت كالكثيرين لا أرغب في الهجر والفراق والرحيل والاقتلاع من تربة أرض وطني، خصوصا وأني وحيد عائلتي التي لا تملك سواي، بيد أن الوضع السياسي بات حجريا، والطغيان ازداد شراسة وافترس وجه البلاد، ممّا لم يترك لي خيارا سوى البحث عن بلد استقبال، لأتمكن من اللجوء السياسي بباريس. ومنذ ذاك التاريخ، منذ سنة 1992 حرمت قهرا وقسرا وظلما وحيفا وجورا من رؤية بلدي وأهلي، وفي المقابل ضلت تونس تعشّش في داخلي، ولم ينطف لهيب الذكرى والذكريات، وبقيت اخبأ حلم اللقاء والتيمم يوما بتراب وطني. إلى أن لاح فجر ثورة الأحرار...
لكل الزملاء والأصدقاء والقراء الذين يرغبون في الاتصال بي هذا
رقم هاتفي الجوال بتونس / 24166296 00216
ورقم هاتفي الجوال بباريس / 0033614306850
تحبل السماء فيولد المطر..تحبل الطبيعة فيولد الربيع
يحبل الليل فيولد الفجر..يحبل القلم فيولد الحرف
ويحبل القهر فيولد الوطن..
من كتابي / حفريات في ذاكرة الزمن / الصادر عن منشورات مرايا سنة 2003 / باريس

|
|
|
فرانسوا باسيلي
|
شعر : فرانسوا باسيلي - نيويورك - -
طوال ثلاثين عاماً
كنت أزورك في العام مرة
كما أوصى سيد درويش
فألقاك مطرقة الرأس
منهكة القلب، مرة
فأرجع منكسر النفس
دون أن ينقص الحب في القلب
يامصر
مثقال ذرة
....
واليوم جئت
رأيتك مرفوعة الرأس
في شعرك الريح
وفي كفك النار
وفي شفتيك الأناشد جمرة
...
ألله يا مصر
كم أنك اليوم
أجمل من كل مرة
بوجهك ثورة
وقلبك ثورة
وروحك ثورة
...
ألله يا مصر
ما أجمل النور في وجنتيك
لأنك حرة.
|
|
|
زكريا النوايسة
|
كتب: زكريا النوايسة - العقبة - -
يشهد الشارع الأردني هذه الأيام تباينا في الآراء حول قناة الجزيرة ، فرأي يذهب إلى تبعية هذه القناة إلى مشروع ومخطط تآمري على الأمة بكل مكوناتها،ورأي آخر يرى أن هذه القناة تعمل بمهنية عالية تجعل من الآخرين الذين تستفزهم في وضع المتهم الشاتم لها في ردٍ غير متكافئ مع قدرتها الهائلة على صناعة حالة من الاستقطاب الجماهيري، بينما يرى أصحاب الرأي الثالث أن قناة الجزيرة استطاعت أن تستثمر الفراغ الإعلامي العربي وارتهانه إلى القيود والضوابط الرسمية لتصنع حالة جديدة قوامها البحث فيما وراء الأبواب في سابقة لم يعهدها الإنسان العربي من قبل، ويذهب أصحاب هذا الرأي كذلك إلى أن الجزيرة بالرغم من قدرتها ومهنيتها العالية ليست بريئة تماما من ارتباطات وعلاقات تجعلها دائما في موطن الشبهة.
والناظر هذه الأيام للمحيط العربي وما يعصف به من ثورات ومظاهرات واحتجاجات ، سيعلم كم هي الحاجة لإعلام لا يستغبي مشاهده ، أو يجعله يفقد عقله حين يتجاهل ما يجري وكأن الحدث على واحد من الكواكب السيارة وليس على كرتنا الأرضية ، وستكون حاجتنا اكبر وأمسّ لفضائيات تعيد لنا الثقة بقدرتنا على الولوج إلى هذا العالم المجنون دون أن نفقد توازننا ، ويتوجب عليها أن تدخل في مراجعات قاسية لتخلص من طرحها الذي نراه غاية في السذاجة وتلك الحوارات البائسة التي لا ترتقي إلى مناكفات صبية مشاغبون على قارعة الطريق ،وحتما ستكون خيبتنا عظيمة والجلطة أقرب ما تكون حين ينفجر العالم وتقوم قيامته ويفاجئوك أحدهم ببرنامج محنط يجعلك تخرج من ثيابك وتتقيأ نفسك.
ولأن الجزيرة لها من الحضور والمشاهدة ما لا نستطيع أن نخفيه حتى من أولئك الذين يصدّعون رؤوسنا بصراخهم عن ارتباطاتها المشبوهة ومؤامراتها دعونا نسأل بصراحة: ما الذي قدمه أو يقدمه إعلامنا الرسمي ليجعلنا مقتنعين أن هذه القناة لا تستحق المتابعة والمشاهدة ؟أليس إعلامنا الذي كان منذ عقود ما زال يجتر نفسه بذات البرامج والنبرة والأسلوب ؟وحتى يخرج الإعلام الرسمي من سباته فإن رياح التأثير من الجزيرة أو غيرها ستبقى تغري عيوننا في البحث عن تردد من هنا والتقاط إشارة من هناك، لأننا في النهاية ضالتنا البحث عن المعلومة ننشدها في فنائنا فإن تعذر ذلك علينا فتحنا النوافذ والأبواب لتتسرب إلينا خيوط النور ورائحة الحقيقة.
|
|
|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
الناطق الرسمي باسم الحكومة، طاهر العدوان، وهو شخصية صادقة ووطنية يوثق بها، قال أن الحكومة تعمل تحت قصف الضغط الشعبي والحزبي، وتمنى أن يترك لها المجال والمساحة الزمنية حتى تعمل وتنجز.
باعتقادي الشخصي أن الحكومة بمهمتها الإصلاحية التي جاءت بها، تحتاج إلى هدوء تام وأجواء مناسبة كي تتمكن من انجاز الإصلاح المناسب.
لكن الهدوء الذي تحتاجه الحكومة ليس من نوع وقف الفعاليات التظاهرية الشعبية، فعلى العكس من ذلك، تشكل هذه الفعاليات دعما قويا لكل الشخصيات والقوى الإصلاحية الموجودة في مستويات مختلفة من بنية النظام.
ففي حالتنا الأردنية وبمجرد انطلاق قاطرة النيات نحو الإصلاح، نجد أن أطرافا من مكونات النظام تتصارعهم تفاعلات لها مواقف مختلفة من الإصلاح، فالبعض يريده شكليا والبعض لا يريده والبعض الثالث من طينة الوزير العدوان يريده حقيقيا وفاعلا.
إذا أردنا أن نوفر للحكومة أجواء مثالية للبدء في الإصلاح وإنجاح آليات الحوار التي تم الحديث عنها مؤخرا، كان لابد من التمهيد لذلك بخطوتين رئيستين.
أولا: لابد من حل البرلمان على وجه الفور والسرعة، فلا يعقل أن تطلق ديناميكية سياسية إصلاحية حوارية في ظل مفردات معيقة ومستهدفة من الإصلاح كالبرلمان الحالي.
حل البرلمان، لو تم، سيشعر الجميع بان قاطرة الإصلاح قد تحركت فعليا، وسيثبت اقتراب النيات الرسمية من الصدق، كما وانه سيعفي الحكومة من إزعاج الثقة ويوفر لها هدوءا ووقتا هي أحوج ما تكون إليه.
ثانيا: لابد من وضع جدول زمني تضبط به خطوات الإصلاح، ويقاس به حجم التقدم، ولعل في هكذا خطوة ما يضمن هدوء الشارع وقناعته بانتهاء سياسة الدائرة المفرغة.
نعلم أن ثمة قوى وأشخاص ووزراء في النظام يقاومون الإصلاح، ونعلم أن أي إجراء إصلاحي حقيقي قد يمس مركز هؤلاء في النظام ومصالحهم، سيلقى مقاومة وممانعة ومحاولة التفاف واحتواء للزخم الحالي.
لذلك نقول أن على القوى الوطنية المطالبة بالإصلاح، والتي تقف على رأسها الحركة الإسلامية، عليها أن لا تركن إلا للضغط الشعبي وان تواصل الانتباه إلى ابعد حد، فالفرصة قد لا تتكرر وعليه فلا تمهلوهم جدا جدا.
|
|
|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
لا نملك إلا الترحيب بالخطوة التي أقدم عليها الملك عبد الله بتكليفه لجنة ملكية مهمتها إجراء التعديلات الدستورية المناسبة لدفع مسيرة الإصلاح الوطني إلى الإمام.
لقد انتصر التكليف الملكي الموجه لأعضاء اللجنة لمطالب دعاة الإصلاح الدستوري، وكان أيضا هذا التكليف ردا غير مباشر على كل المرعوبين من التعديل، وعلى كل الذين شتموا الإصلاحيين بحجج قداسة الدستور.
الملك منح اللجنة سقفا حدوده دستور 1952، وطالبهم بمراجعة كافة التعديلات التي طرأت عليه، وأسس في خطاب التكليف إلى ضرورة "ترسيخ التوازن بين السلطات، والارتقاء بالأداء السياسي الحزبي والنيابي وصولا إلى صيغة دستورية تمكن مجلس الأمة من القيام بدوره التشريعي".
ونفهم من رسالة الملك، أن اللجنة مطالبة بتأكيد حقيقة النظام النيابي الملكي، وان الشعب مصدر السلطات، وأنها تحمل وزر تخليص الدستور من كل المعوقات والعراقيل التي تحول دون ذلك.
تشكيل اللجنة وفق الصلاحيات التي أعطيت لها، يمكن اعتباره، رأس بداية لإصلاح حقيقي نملك السير به ونحوه، لكن الأمر يبقى في إطاره النظري حتى تأتي الأفعال لتثبته أو تنفيه، مع بقاء حيز التفاؤل سائدا لدينا جميعا.
ولسنا كذلك بصدد التعاطي مع تفصيلات شخوص اللجنة، ولا مع طبيعة قدراتهم الإصلاحية وموقفهم منه، لكننا نعول كثيرا على إرادة رأس النظام وجديته في إلزام اللجنة بالإصلاحات الحيوية المستندة إلى المضمون لا إلى الشكل.
العودة إلى دستور 1952 ليس بالخطوة المستحيلة، وقد المح الملك إليها بوضوح في كتاب التكليف، وباعتقادي انه إذا تم الأمر وتخلصنا من تعديلات ما بعد 1952، فأننا سنكون بصدد دستور عصري يؤسس لفتح النظام على مشاركة شعبية واسعة وديمقراطية.
سنؤجل مخاوفنا، وسنبقى جذوة التفاؤل مشتعلة، ولن نقيس فهم اللجنة الدستورية للتكليف الملكي على فهم الحكومات لكتب التكليف الخاصة بها، فالظرف مختلف والملك جاد، وهذا ما نتمناه.
مرة أخرى، نؤكد أن خطوة الذهاب إلى الدستور مباشرة هي خطوة مرحب بها، وهي تلبي في مظهرها الأولي مطالب الجمهور، لكننا في المقابل لن نحكم إلا على مخرجاتها، وعلى الكم والنوع الذي عالجته من تشوهات في حياتنا السياسيةن لذا نرحب وننتظر.
|
|
|
عبد الحميد صيام
|
كتب: عبد الحميد صيام - نيويورك - -
طال انتظارنا يا مصر لعودتك فغيابك كان طويلا ومريرا. لقد اشتقنا إليك كثيرا فمقعد القيادة الذي أخلاه الزعيم الخالد لم يستطع أحد أن يملأه كل هذه السنين. ظل شاغرا لنحو أربعين عاما. لقد حاول كثير من الطغاة الصغار والكبار أن يجلسوا فيه فلم يفلحوا. لا المؤمن ولا المهيب ولا العقيد ولا الطريد ولا الخادم ولا أمير المؤمنين. ظل خاليا بانتظار الزعيم الذي تقبله الأمة طوعا من غربها إلى شرقها ويملك صفات القيادة الفذة من وعي والتزام ونزاهة وتفان ومصداقية وانشغال بالهم العام.
وأود أن أذكر فقط شباب الثورة الميامين الذين يصنعون التاريخ هذه الأيام بما جرى للأمة بعد غياب أرض الكنانة الطويل. الأمة بعد غياب مصر تفتت وتقزمت وضاع وزنها وتلاشى دورها ودخلت مرة في حروب مع بعضها البعض ومرات في حروب أهلية مع طوائفها. لقد تغولت الإقليمية والطائفية والشوفينية وانتشر الفكر المتطرف والاتجاهات الهجينة على هذه الأمة العظيمة ودورها التاريخي حتى تحولت إلى قبائل ترفع أعلاما وتسمي نفسها دولا.
اتنصر البترودولار فاحتل المنصة وسيطر على الإعلام واشترى الكثير من الكتاب والصحفيين وعمم ثقافة الاستهلاك وخرب عقول الشباب بإلهائهم في فضائيات الفن الهابط وكرة القدم والمسلسلات التركية ومسائل الفقه الثانوية كالحجاب وطول اللحى وإرضاع الكبير وزواج المسيار.
تآمروا على إخوتهم في العراق وفلسطين ولبنان وسوريا وألقوا بالقضية المركزية في أحضان فئة فاسدة مارقة خارجة من عباءة البترول تحت شعارات تبريرية تعفي تلك الدول/القبائل من مسؤولياتها التاريخية.
في غياب "أم الدنيا" أتعرفون أيها الشباب كم تعرضت الأمة إلى الهوان والمذلة والهزائم والحروب الأهلية والحروب الحدودية ؟ في غياب الربان ضاعت بوصلة السفينة وتاهت في لجاج البحر وقفز كل زويعم في قارب نجاة. بلطجة إسرائيل انطلقت من عقالها في غياب قيادة الأمة وأصبح ذراعها أطول بعد معاهدة العارالتي أخرجت مصر من دورها التاريخي وألحقتها في ذيل السياسة الأمريكية الإسرائيلية. دخلت إسرائيل عاصمة عربية واحتلت جنوب لبنان 22 سنة ودمرت الجنوب اللبناني مرتين، ودمرت المفاعل العراقي وضربت مقر منظمة التحرير في تونس والتهمت ما تبقي من أرض الضفة وحاصرت غزة بعد أن دمرتها وهودت القدس وضمت الجولان إلى منظومتها القانونية واغتالت الزعماء والعلماء والثوريين ونشرت جواسيسها في كل مكان بما فيها قاهرة المعز بعد أن رفعت علمها فوق إحدى بناياتها. كوّع الزعماء واحدا وراء الآخر وأصبحوا يتسابقون على كسب رضى إسرائيل طريقا لرضى السيد الأمريكي عنهم، كما رفع علم ثان لها في عاصمة عربية أخرى.
أصبح زعماؤها يتجولون في العواصم العربية ورياضيوها يشاركون في مباريات في الملاعب العربية وبعض الفرق العربية تشارك في احتفالاتها في ذكرى اقتلاع الشعب الفلسطيني بل وتنهال عليها برقيات التهنئة في تلك المناسبة التي قاتلت مصر بسببها أربع حروب. في غياب قيادة مصر للأمة انبتّ العقد الاجتماعي في لبنان ودخل في حرب أهلية طاحنة استمرت خمس عشرة سنة. انجر زعيم العراق إلى حرب طاحنة مع إيران دفاعا عن دول آبار النفط ثم خذلوه فرد عليهم باحتلال الكويت ليضع بذلك إسفينا عميقا في ما تبقى من الهيكل العربي البائس. اليمن توحد ولكنه ما لبث أن دخل في أكثر من حرب مع أبناء شعبه شمالا وجنوبا وهو على حافة بركان يوشك أن ينفجر.
السودان، الجار الأكبر لبلدكم، فقد جنوبه بسبب غياب مصر وغباء القيادة السودانية التي دخلت هي الأخري في أكثر من حرب مع مناطقها في الجنوب والغرب والشرق. المغرب والجزائر دخلتا في صراع حول الصحراء عطلت قدرات البلدين ودمرت ما تبقي من بقايا هيكل تافه يدعى اتحاد المغرب العربي.
سوريا ما زال جولانها محتلا وحدودها آمنة مع الكيان رغم الاستفزازات المتكررة مرة في دير الزور ومرة فوق القصور. ورغم انكشاف ظهرها بعد غياب مصر لم تجد حليفا عربيا واحدا يساند موقفها ضد الانهيار فبحثت عن حليف خارج الطوق العربي. أما العراق فمأساته أكبر من أن توصف. لقد تم حشد أكبر "أرمادا" في تاريخ الإنسانية لتدميره مرتين وبمباركة "مُباركية" في المرتين. تحولت كنانة الأمة إلى معبر للأساطيل المتجهة لذبح أبناء العراق. ووقف فرعونها ينصح الدكتاتور بالرحيل قبل تدمير بلده ولا نعرف لغاية الآن لماذا لم ينصح نفسه ويرحل بشئ من كرامة بدل أن يتلقى ركلة من الشعب تقذف به إلى جانب "زين الهاربين".
العراق، ويا حسرة على ما جرى له ولأبنائه الغر الميامين، فقد أكثر من مليون ضحية وبه مليون أرملة وأربعة ملايين يتيم ومليونا لاجئ ومليونا مشرد. أكان هذه يحدث لو كان للأمة قيادة فاعلة كما كان الحال عام 1961 عندما هدد دكتاتور العراق آنذاك عبد الكريم قاسم باحتلال الكويت لكن زعيم الأمة أخمد النار قبل اشتعالها بإرساله كتيبتين من الجيش المصري لاحتواء الأزمة فورا وهكذا كان.
هل يعقل أن تعلن الحرب على غزة من القاهرة؟ هل أحد يصدق أن سياسي مصر يهددون بتكسير أرجل الفلسطينيين مثلما هدد رابين بتكسير عظامهم في الانتفاضة الأولى، ويمنعون المساعدات الإنسانية عن غزة ويبنون جدارا فولاذيا لتعزيز الأمن الإسرائيلي ويحولون شرم الشيخ إلى وكر للتآمر على قضية الأمة واستقبال زعماء الكيان صباح مساء.
مصر، يا شباب الثورة، تحولت تحت تلك القيادة المسخ إلى مراسل رخيص لإيصال الرسائل الأمريكية الإسرائلية إلى الطغاة العرب، وتحولت إلى دويلة لا وزن ولا دور ولا فاعلية ولا حضور ولا أثر لها ولا فعل. غيابها أعطى دورا أكبر لبعض الدويلات. فلم نسمع عن دور لها في أزمات لبنان، ولا حرب الجنوب ولا حروب غزة ولا حصارها ولا دارفور ولا الجنوب السوداني ولا الصحراء الغربية ولا حروب اليمن ولا في انفراط العقد العراقي ولا في تراجع واختصار قضية الأمة كلها إلى موضوع تجميد أو عدم تجميد الاستيطان.
تحولت القيادة المصرية الفاسدة إلى كمبرادور مالي لا هم له إلا جمع الثروة ونهب المال العام وسرقة الأراضي والتسابق على تحويل الأموال للخارج . وهكذا تقزمت الدولة العملاقة لتختفي من خرائط الفعل وتتحول إلى حارس ردئ لا يستأسد إلا على معارضيه الداخليين والفلسطينيين وفقرائهم المحاصرين والعابرين للحدود والمطارات وعلى أصحاب الضمائر الحية من حاملي المساعدات الإنسانية الدولية الذين تواجههم قوات الأمن بالهراوة والنبوت. أما ما عمله من خراب داخل مصر فأنتم أدرى به ولا ضرورة للتذكير به أصلا.
الثورة وتصحيح مسار التاريخ
هذه هي الصورة القاتمة التي كانت عليها الأمة عشية ثورة الشباب. مسار التاريخ كله تغير في الأربعين سنة الماضية ونود أن نراه يصحح في السنوات القليلة القادمة. لقد ظل المقعد خاليا بانتظار عودة القائد الذي يستحق أن يجلس في مقصورة القيادة. ننتظر أن تفرز مصر بعد هذه الثورة العظيمة من يستطيع أن يلملم شظايا الأمة ويعيد إليها الاعتبار ويصلح شيئا من الخراب الكبير الذي ارتكبه النظام البائد. لقد شاهدتم أيها الشباب احتفالات الأمة كلها بانتصار ثورتكم من المغرب غربا إلى البحرين شرقا. حتى في تلك الدول الفاسدة التي منعت أبناءها من الاحتفال معكم خوفا من عدوى الثورة، تأكدوا أن الفرحة دخلت في كل بيت. الجاليات العربية في المنافي أيضا خرجت بشكل جماعي للاحتفال. وفي الاحتفالين اللذين شاركت فيهما شخصيا قرب مقر الأمم المتحدة بنيويورك وفي باترسون منطقة تجمع العرب في نيوجرزي، كان أبناء العروبة كلهم في الاحتفال. كانوا يرددون معكم: الشعب خلاص أسقط النظام، ويرددون أيضا الشعب يريد تحرير فلسطين. إنه النداء الأبدي والجامع الذي ما زال يشد أبناء الأمة كلها مثلما شدتهم ثورة الياسمين وثورة الشباب في كل من تونس ومصر.
هذا زمان التصحيح. نحن لسنا في عجلة من أمرنا. رتبوا شؤون بيتكم أولا ونظفوه من كل شوائب العفن الماضي وانطلقوا بعد ذلك من أرض صلبة لاحتضان أمتكم والتي انتظرت طويلا لمثل هذا اليوم العظيم وأبقت مقعد القيادة شاغرا بانتظار من يستحقه عن جدارة من ثوار أرض الكنانة.
* أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك
|
|
|
صبحي غندور
|
كتب: صبحي غندور - واشنطن - -
تساؤلات عديدة ترافق الآن حركات التغيير والثورات الحاصلة في المنطقة العربية. فصحيح أنّ هذه الحركات الشعبية الساعية للتغيير هي كلّها نابعةٌ من إرادات وطنية محلية، وهادفةٌ إلى تحقيق إصلاحات دستورية واقتصادية واجتماعية تحتاجها فعلاً بلدان هذه الثورات، لكن ما هو غير واضح حتّى الآن مدى التغييرات التي ستحدث في هذه المجتمعات، وهل ستقتصر على تغيير في الأشخاص وصيغ الحكم أم ستشمل التحالفات والسياسات الخارجية، ثمّ ما صورة البديل المنشود عن الحكم المرفوض!.
أيضاً، من القضايا المثيرة للانتباه الآن عدم وجود وضوح في هويّة القوى التي تقوم بعمليات التغيير وقيادة الثورات الشعبية. فالثورات هي جسر وممر، وليست مستقرّاً للشعوب. هي وسيلة انتقال من ضفّة لأخرى، والناس جميعاً يعرفون الضفّة السائدة أو التي يُثار عليها لكن ما زالت ملامح الضفة الأخرى، رغم الحديث عن لونها الديمقراطي المنشود، غامضة.
فمن المسائل التي ترتبط في مرحلة ما بعد الثورات، تبرز قضية السياسة الخارجية كمحور هام لأيِّ بلدٍ عربي، إذ يتوجّب على المتغيرات الجارية في المنطقة العربية أن تتعامل مع الصراع العربي/الصهيوني وتفرّعاته التي فرضت مثلاً التطبيع مع إسرائيل على دول بعيدة عن أرض الصراع كموريتانيا وبعض دول الخليج العربي. وفي هذا الصراع أيضاً جوانب ثقافية واقتصادية إضافةً إلى وجود محاور إقليمية تفرض نفسها حتماً على أي بلد عربي يعيش الآن حالة ثورة وتغيير داخلي.
المسألة الديمقراطية على أهمّيتها غير منعزلة أيضأ عن الموقف من محاولات الهيمنة الأجنبية على بلدان المنطقة وثرواتها، وعمَّا هو موجود من قواعد عسكرية أجنبية ومن صراعات دولية وإقليمية على أرض العرب.
كذلك، نجد من المسائل الغامضة الآن بعد التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، قضية العلاقات العربية/العربية، وما يرتبط بصيغ التعاون العربي المنشود، والذي به تصون الأوطان العربية نفسها من التدخّلات الخارجية. فالتأكيد على الهويّة العربية لأوطان المنطقة وشعوبها هو سياج أمنٍ خارجي كما هو أيضاً حاجةٌ داخلية ترتبط بوحدة المصالح وبأهمّية التكامل بين بلدان المنطقة.
وستطمئنّ الأمَّة العربية لكلِّ تغيير يحدث الآن فيها إذا كانت سماته المشتركة هي الديمقراطية والتحرّر الوطني والهويّة العربية. فلا ينفصل نجاح واحدة من هذه السمات عن الحاجة للنجاح أيضاً في السمات الأخرى.
التغيير الشامل والكامل لن يكون سهلاً في أيِّ بلدٍ عربي، لكن من المهمّ أن يكون شاملاً للأشخاص وصيغ الحكم والسياسات، وأن يكون كاملاً في كلِّ مجال فلا يكتفي بأشكال التغيير بل يكون محقّقاً فعلاً لما تطمح اليه الشعوب من عدل سياسي واجتماعي، ومن ضمانات لحرّية الوطن والمواطن معاً، ومن بناء دستوري يحقّق المشاركة الشعبية في الحكم ويساوي بين جميع المواطنين ويصون وحدة الأرض والشعب.
إنّ المنطقة العربية تشهد الآن ظاهرة "الثورات الديمقراطية" بمعزل عن أيّة قضية أخرى، حتّى بمعزل عن حرّية بعض الأوطان من الهيمنة الأجنبية.
ومن الطبيعي أن يتحرّك الشارع العربي للمطالبة بأوضاع أفضل ومن أجل حقّ المشاركة الفعّالة في الحياة العامّة، لكن المشكلة أنّ بعض الحركات السياسية المشاركة في الثورات الشعبية تحتاج هي نفسها إلى آفاق فكرية واضحة المعالم، وإلى أطر تنظيمية سليمة البناء، وإلى قيادات مخلصة للأهداف..
أيضاً، فإنّ الواقع العربي الراهن تختلط فيه مفاهيم كثيرة لم تُحسَم بعدُ فكرياً أو سياسياً. وهذه المفاهيم هي أساس مهم في الحركة والتنظيم والأساليب، كما هي في الأفكار والغايات والأهداف. فما هو الموقف من التعدّدية بمختلف أنواعها داخل المجتمع، وما هو الفاصل بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب المرفوض، وما هي العلاقة بين حرّية الوطن وبين حرّية المواطنين؟ وكيف يمكن الجمع بين الديمقراطية وبين الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي في كلّ بلد؟ وهل طريق الديمقراطية يمرّ في تجزئة الكيانات؟ ثمّ ما هي آفاق هذا التغيير المنشود من حيث العلاقة مع إسرائيل، وهل ستكون "الشرق أوسطية" هي الإطار الجامع لدول المنطقة مستقبلاً أم ستكون هناك خطوات جدّية نحو تكامل عربي شامل يعزّز الهويّة العربية المشتركة ويأخذ بالنموذج الاتحادي الأوروبي كصيغة مستقبلية للعلاقة بين الدول العربية؟
طبعاً، هو إنجاز كبير حدث ويحدث حتّى الآن في أكثر من بلد عربي. فإيقاف حال الانهيار والانحطاط والفساد السياسي والتحكّم بأرزاق الناس وبرقابها.. كلّها مكاسب كبيرة لأي شعب خضع لحكم ظالمٍ ومستبدٍّ وفاسد، لكن سؤال "ماذا بعد" هو أيضاً مسألة هامة تستوجب عدم الركون لحدوث التغيير فقط. حتماً هناك مسافة زمنية مطلوبة لتحقيق البناء. فهدم الموجود هو دائماً أسهل بكثير من بناء المرغوب، فلا ينتظرنَّ أحدٌ نتائج سريعة من أي تغيير حدث، لكنْ أيضاً يجب ألا يُكتَفى حصراً بما حدث. هي ثوراتٌ وحركات تغيير حديثة الولادة ولم تنضج بعد، لكنّها بحاجة لرعاية أهلها حتى تبلغ رشدها.
لقد توفّرت في هذه الثورات لغاية الآن عوامل إيجابية كثيرة: الإرادة والعزم على إحداث التغيير مهما كانت التضحيات، الشجاعة في الصمود والمواجهة مع حالات العنف السلطوي، الحرص على سلمية التحرك، عدم الشعارات الفئوية التي تُنفر الآخرين من قطاعات الشعب المتعدّدة، والدور الفاعل للجيل الجديد في عمليات التواصل التقني من أجل التعبئة الشعبية للتحرّك. لكن هذه الإيجابيات لا تمنع وجودَ مخاوف من سلبيات قائمة أصلاً في بعض المجتعات العربية التي فيها انقسامات طائفية ومذهبية أو أيضاً نوازع إنفصالية كما هو الحال في جنوب اليمن. فالمطلوب دستورياً هو ديمقراطية تحقّق فصل السلطات وليس فصل الكيانات.
إنّ الحرّية، بمعناها الشامل، كانت وستبقى، ركناً مهمّاً في كلّ الرسالات السماوية، والقيم الإنسانية العامة. الحرّية تبقى عاجزةً وناقصة إذا لم تترابط فيها مسألة التحرّر من سيطرة الخارج مع مسألة التحرّر من الاستبداد الداخلي. الحرّية، التي هي كالطير، بحاجة إلى تكامل جناحي الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، كي تستطيع التحليق عالياً. الحرّية هي القضية الملازمة لوجود الإنسان أينما وُجد ومنذ بدء الحياة الإنسانية على الأرض. الحرّية هي التي ترتبط بحقّ الاختيار، وبالتالي، الارتباط مع ميزة الإنسان بأنّه صاحب إرادة ومشيئة لعمل شيء ما أو عكسه.
كذلك، فإنّ التعامل مع المسألة الديمقراطية في المنطقة العربية لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن تحدّيات الوجود الإسرائيلي وأطماعه السياسية والاقتصادية، وتحدّيات الإرادة الأجنبية في فرض التجزئة والتخلّف منذ عشرات السنين على الأمّة العربية.
إنّ الديمقراطية السياسية والتكامل الاتحادي وجهان لمشروع عربيّ واحد لمستقبل أفضل، وعماد هذا المشروع هو مفهوم الحرّية الشامل للمواطن العربي وللأوطان العربية، للإنسان وللأرض معاً.
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

|
|
|
عمر عياصرة
|
كتب: عمر عياصرة - عمان - -
اعتقد أن الأردنيين كافة يجمعون على النظام السياسي الذي نعيش تحت ظله، وعلى كونه نيابي ملكي، فلا خلاف على أساسيات الحكم الواردة في الدستور، فالبلد من ليث شبيلات إلى الإخوان إلى اليسار مرورا بأصغر موظف في الديوان الملكي يلتقون على ذلك.
بناءً عليه سيكون خلافنا ليس على النظام ( وجودا او عدما ) وإنما على طريقة إدارة هذا النظام واليات إصلاحه وحجم انفتاحه على كافة القوى ومراكز الشعبية.
فمنا من يريده ملكيا دستوريا، ومنا من يكتفي بالبحث عن حكومة برلمانية، وآخرون يريدونه أكثر عدلا في الممارسة لا في التأسيس للعمل المؤسسي الحاسم للمساواة والعدل.
هذا السياق وهذه الحقائق، لا يريد أن يفهمها البعض او أن يعترفوا بها، لا سيما أولئك الذين يسمون أنفسهم مؤيدين للنظام ويطلقون لذلك المبادرات ويعلقون اليافطات ويحملون في صدورهم عداء ورفض للمعارضة من منطلقات تبدو مشوهة ومشوشة.
لست ادري حين أقرا مثلا يافطة على دوار فراس في جبل الحسين تقول " هذا الأردن أردنا "، إلى من هي موجهة، وماذا يريد صاحبها منها، وهل يقصد أن ثمة آخر عدو يعيش في النسيج الأردني ولا يعترف بعبارته التي علقها.
أسئلة كثيرة تبادرت إلى ذهني في الأيام الماضية، تدور حول هذا الخطاب، الذي يمكن وصفه بأنه تأييدي في ظاهره لكنه تفتيتي وإقصائي في جوهره.
لا داعي لهؤلاء المؤيدين أن يزاودوا علينا بمواقف هي عندنا ونصرُّ عليها، والأحرى بهم أن يكونوا أكثر سياسة وان يرفعوا شعارات مثلا تؤيد إبقاء إدارة النظام على حالها، وبالتالي الانتصار للفساد والمديونية وعقم الإدارة.
هذا الخطاب الذي يخوّن المعارضة ودعاة الإصلاح لم يأت من فراغ، بل تتحمل مسئوليته جهات متنوعة وعديدة، يأتي على رأسها الأجهزة الأمنية والإعلام الرسمي وحتى إعلام الديوان الذي جعل الملك مظلة للبعض ونزعه عن البعض الآخر بانتقائية لا تبدو في مصلحة الوطن.
في النهاية، ليس من مصلحة البلد استخدام خطاب التأييد في عرقلة الإصلاح وفي تكميم الأفواه، فالتأييد الموضوعي الحقيقي هو الذي يشجع النظام على الإصلاح والانفتاح على المشاركة الشعبية.
|
|
|
فرانسوا باسيلي
|
كتب: فرانسوا باسيلي - نيويورك - -
وقف الخلق ينظرون جميعا.. كيف أهدم قواعد الظلم وحدى.. هكذا راحت مصر الجديدة تتحدث عن نفسها ..هذه المرة على لسان شباب جدد لم يعرف أحد فى النظام ولا خارجه أنهم موجودون، فكانت صدمة هائلة لهم أن الجينات الحضارية بالغة القدم ذات الطاقة الخلاقة الهائلة ما تزال حية فى دماء ملايين الشباب المصرى الأصيل الذى يحمل كل ملامح وموروثات وطاقات عبقرية الشخصية المصرية الحميمة القديمة المتجددة المتأججة.
وقد وقف هذا الشباب على نفس الأرض فى ميدان التحرير فى قلب القاهرة- فى قلب ممفيس على ضفاف نفس النيل الذى قام أجدادهم ببناء أول حضارة، وأول دولة فى تاريخ البشرية عليها. هم نفس المصريين الذين قادهم الملك مينا موحد القطرين قبل أكثر من خمسة آلاف ومائتى سنة ليؤسس بهم أول دولة على الأرض،فيما كان بقية خلق الله فى أركان المعمورة يعيشون قبائل وجماعات وعشائر هائمة متنقلة متحاربة تقتل وتحرق ولا تؤسس حضارة ولا مدنية ولا علما ولافنا، واستمرت هذه الدولة قائمة على أرض مصر تضبط إيقاع البشر والحجر والنهر والزرع، ناهضة حينا ومنحدرة حينا- حرة حينا ومستعبدة حينا، محتضنة ومستوعبة وهاضمة لكل من حضر إليها لاجئا أو غازيا، وتتوالى على مصر عصور المجد وعصور الانحطاط حتى تصل بنا إلى آخر الفراعين الذى ظل يحكم مصر ثلاثين عاما وكان يريد المزيد له ولأولاده من بعده، فى عصر من عصور الانحطاط هو الأسوأ منذ المماليك بلا شك. فإذا بشباب مصر يثورون ثورة أدهشت العالم أجمع، بل إدهشت آباءهم أنفسهم. وكما أدهش المصريون القدماء العالم حين ابتكروا فكرة الدولة ووضعوا قواعدها ومدوا على الأرض سطوتها ومجدها- أدهش أحفادهم العالم حين ابتكروا أساليب جديدة لمعارضة الدولة والصمود أمام سطوتها وتفكيك آلياتها القمعية الرهيبة وأجهزة بطشها الجبارة، وقد فعلوا هذا بشكل سلمى سحرى فى بساطته وبهائه وفى جماله وعذوبته "وخفة دمه". لقد ثار المصريون بطريقة مصرية خالصة لا يثور بمثلها بشر آخرون. نعم هم تبعوا إخوانهم شباب تونس الرائع الذى كان له الريادة فى الثورة الشعبية ضد طاغية عربى إضطروه إلى الفرار، ولابد من تقديم فروض العرفان والتقدير والزهو لهؤلاء الشجعان الفرسان وأولهم روح الشهيد بو عزيزى الذى أشعل فى جسده النار انتفاضا لكرامته فأشعلها فى الجسد العربى كله انتفاضا لكرامة عربية مهانة منذ عقود. ولكن المصريين الذين استخدموا نفس الفيس بوك والتويتار الذى استخدمه التونسيون سرعان ما منحوا ثورتهم طابعها المصرى الخالص، وابتكروا وأبدعوا أساليب وأليات حققت لهم النصر الهائل وشدت أنظار العالم إليهم فى انبهار وإعجاب، ويمكن تلخيص خصائص الثورة على الطريقة المصرية فى التالى:
حضارية الصورة المدهشة الأوسع لهذه الثورة أنها كانت حضارية بكل ما تعنيه الكلمة من معان. فقد كانت منذ أول يوم – الخامس والعشرين من يناير – سلمية، كما راح يهتف المتظاهرون كلما حاول أحد أن يلجأ إلى أى نوع من أنواع العنف، ولو كان يضرب بكفه على سقف سيارة، كما قال أحد المتظاهرين ، ولم يقع العنف سوى من طرف رجال الأمن المركزي الذين دربهم النظام على معاداة المواطنيين وإذلالهم وترويعهم، ورأينا فى يوم الثورة الأول كيف سار مئات الآلاف فى مسيرات سلمية بديعة فى القاهرة والإسكندرية وعدد من المحافظات الأخرى، رفعوا مطالب مشروعة ومهذبة لا تهين أحدا، منها "عيش، حرية، عدالة إجتماعية" ولكن النظام الذى ارتاع لخروج هذا العدد الهائل من الشباب فى أنحاء متعددة من مصر فقد اتزانه وبدأ فى استعمال الخشونة غير المبررة مع جماعات مسالمة لا تفعل سوى المسير والهتاف ورفع الأعلام واللافتات، بل حمل الكثير من الشباب مئات من الورود راحوا يقدمونها لرجال الأمن، ورأينا صورا لبعضهم يحتضون الجنود، ولكن النظام الشرس الذى أعد ما يقرب من المليونين من الجنود فى جهاز الأمن المركزى- الذى هو فى الواقع جهاز أمن الرئيس والنظام- لجأ إلى ما اعتاده من الشراسة والعنف ضد المسيرات وصلت إلى حد الأنطلاق بسيارات الأمن هائلة الحجم بسرعة كبيرة لدهس المواطنين، وصاحب هذا استخدام الرصاص المطاطى ثم الرصاص الحى وهو ما أدى إلى استشهاد ما يقرب من اربعمائة شهيد ووجود أكثر من مائة جثة لم يتم التعرف عليها. مع العنف الهائل من قبل رجال وجنود وبلطجية النظام- ولا أعرف نظاما آخر فى العالم أستخدم بلطجية بشكل منهجى ورسمى كما فعل نظام مبارك- إضطر الشباب إلى الدفاع عن أنفسهم- وخاصة فى جمعة الغضب حيث قلبوا وأحرقوا سيارات الأمن التى كانت تدهسهم، وردوا على الرصاص بالحجارة والملوتوف، وتظهر الصور والفيديو لقطات مدهشة تسجل شجاعة وبسالة وجسارة شباب مصر الذين لم يهابوا الموت ولم يردعهم الرصاص .. كلها – شكرا للتكنولوجيا- موجودة الآن على اليوتيوب لكى تتعلم منها الأجيال القادمة ولكى تكون وثيقة حية تشهد على لحظة باهرة من تاريخ مصر المدهش. أما أكثر الدلائل على مدى تحضر هذه الثورة فنجده فى ذلك المشهد الفريد فى اليوم التالى لإزاحة مبارك واحتفال الثوار بانتصارهم التاريخى ثم اختتام اليوم بدعوة الثوار بعضهم لبعض أن يعودوا غدا لميدان التحرير للقيام بتنظيفه وغسله وإعادته إلى حالة أجمل وأنظف مما كان عليها، وبهذا يشهد العالم بأسره أول ثورة فى التاريخ "تنظف وراءها" بعد يوم واحد من انتصارها.
مدنية ..تعددية من إهم خصال هذه الثورة المصرية الخالصة مدى انعكاس مفهوم وواقع التعددية فى القائمين بها، فقد بدأها الشباب من كافة الأطياف، بلا قائد وبلا مجلس قيادة، ولكن بعشرات من القيادات الشبابية ومعها الآلاف من الشباب المتحمس الواعى الفاعل الجسور. وجاء معظم هؤلاء من الطبقة الوسطى المتعلمة بل والمثقفة، شبابا وشابات، بلا أيديولوجيات حادة او متطرفة يمينا أو يسارا، بلا انتماء لأحزاب أو تيارات أو جماعات تجمعهم فقط رغبة عارمة للانتفاض لكرامتهم ولاسقاط الواقع الفاسد الذى يرزح فيه أباءهم ثلاثين عاما هى كل عمر هؤلاء الشباب الذى سرعان ما عرف ب "ورد الجناين" وهو تعبير مصرى شعبى بديع ومدغدغ لأجمل المشاعر، وبعد نجاح الثورة وظهور بعض هؤلاء الشبان والشابات فى القنوات التليفزيونية أدهشونا بمدى وعيهم وثقافتهم وأدبهم وظرفهم وتواضعهم وإصرارهم على تحقيق مطالبهم واستعادة كرامة شعبهم. فقط استمعوا إلى الشابة الرائعة أسماء محفوظ على اليوتيوب وهى تدعو فى تلقائية وعاطفة جياشة وفكر فريد شباب مصر أن ينزلوا معها يوم 25 لإعلان أن "الشعب يريد إسقاط النظام" لتعرفوا بعض الجوانب الباسقة لهذا الشباب المدهش. كان الخطاب الثورى خطابا مدنيا وطنيا بامتياز، لم نسمع فيه الشعارات البائسة أو المطالب الطائفية أو الفئوية التى أفرزها النظام الساقط، لم ترتفع شعارات دينية أو يسارية أو يمينية أو حزبية، ارتفعت فقط شعارات تطلب الحرية والكرامة والعدالة، المبادئ الإنسانية الشاملة التى يطالب بها الشباب دائما فى كل ثورات العالم وفى مختلف بلدانه، واللافت والجميل أن هذا الشباب خرج غير عابئ بمواقف ونداءات وتعليمات كافة القيادات "الحكيمة" والقديمة والمترهلة سواء كانت سياسية أودينية، فقد رأينا القيادات الدينية الرسمية- إسلامية ومسيحية- تأخذ جانب النظام حتى فيما هو يتهاوى، فى استمرار لما تعودت عليه من ممارسات قديمة كانت تخضع معها لرغبات ونزوات وضغوطات النظام بدلا من أن تقف الموقف المضاد الشجاع الذى تلزمها به تعاليم الدين الذى تتحدث باسمه- فقامت مشيخة الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين والقيادة الكنسية للأقباط الأرثوذكس والبروتستانت بإصدار التصريحات التى تدعو الشعب إلى عدم الخروج لمسيرة يوم الثورة المبارك فى الخامس والعشرين، ولكن الشباب – لحسن الحظ ولحسن الوعى ولنقاء الضمير- قرر عدم الإمتثال لهذه النداءات التى لن يغفرها التاريخ، وخرجت بالآلاف دون رعاية أو حماية القيادات "الحكيمة" لتثبت للشعب و التاريخ أنها أكثر حكمة بكثير وأنها الأكثر وعيا والأصدق مع نفسها ومع ربها، وعندما كلل لها النصر أو كاد، هرعت هذه القيادات والجماعات الدينية وراءها لتحصد بعض ما حققه الشباب المتمرد فإذا بها تغير من موقفها وتعكس نداءاتها ولكن لا قيمة لمواقف تأتى بعد زوال الخطر- وإنما تقاس مواقف الرجال والنساء حينما يختارون الحق ويعلنونه فى اللحظات الخطرة التى قد يدفعون فيها ثمنا باهظا لمواقفهم هذه. وقد جاء هذا لصالح مصر ولصالح هؤلاء الشباب – فلابد أن تكون ثورتهم هذه ليس فقط ضد النظام السياسى الفاسد البليد الذى كان يجثم فوق صدورهم، ولكن ليعلنوا بها أيضا تحررهم من قبضة القيادات والتيارات الدينية التى كانت تتسلط عليهم تسلطا لاحق لها فيه- وكان سلطانها قد تغول وتوغل فى كافة مناحى الحياة المدنية فأدخل الكثيرين البسطاء فى غيبوبة من الدروشة الدينية تقاعسوا معها عن العمل الفعال الجاد وارتضوا فيها بالطغيان والفساد حتى ثار الشباب لكى يخلص نفسه ويخلصهم من حالة العبودية السياسية والدينية معا قائلين لقد خلقنا الله أحرارا فلن نخضع أو نستعبد بعد اليوم. وهكذا شاهدنا صورا بديعة لشباب مسلمين وأقباط يدا فى يد يدافعون معا عن مطالبهم المشروعة ويستشهدون معا برصاص البطش والطغيان ويحتفلون ويرنمون ويصلون معا فى نفس المكان فى خلال الثورة وبعد انتصارها فى الميدان الذى جمعهم ووحدهم وحررهم ومنحهم هويتهم الواحدة الواعدة فى إنهم جميعا مصريون قبل أى شئ أخر.
وقد أشترك الشباب من كافة اطياف وفئات المجتمع، وانضم بعد يوم الثورة الأول – فى الجمعة التالية – شباب من الإخوان ومن الأقباط ومن الأحزاب ولكن بشكل فردى، ولعل المظاهرة الوحيدة التى كانت لها طابع دينى قام بها التيار السلفى فى الإسكندرية فى أحد الأيام – بينما استمرت كافة المظاهرات فى الإسكندرية والقاهرة والسويس والمحلة والمنصورة وغيرها فى طابعها المدني العام الجامع لمختلف الطوائف والاتجاهات.
المرح والابداع كما لم يعرف التاريخ ثوارا قاموا بتنظيف وغسل ميادين ثورتهم، لم يعرف أيضا ثوارا كالمصريين فى مبلغ المرح والفكاهة وخفة الدم التى لم يكن يمكنهم التخلى عنها حتى وهم فى وسط الميدان الذى تساقطت عليهم فيه قنابل الملوتوف والحجارة والزجاج وكان يتساقط فى قلبه وعلى مداخله الشهداء والجرحى بالمئات، لقد شاهد كل من كان من حظ عمره أن يدخل ميدان التحرير فى أيام الثورة وحتى بعد انتصارها مشاهد مدهشة لثوار من نوع جديد، ثوار تجتمع فى شخصيتهم خصال الشجاعة إلى حد التهور والبسالة فى التصدى للظلم وجنوده- والوعى الشديد بشرعية مطالبهم وعدم شرعية النظام المزور الذى يحرمهم منها، ومع هذا كله قدر كبير من الدفء الإنسانى وحب الحياة والمرح وخفة الدم، والقدرة على اقتناص المفارقة الطريفة فى وسط المخاطر والأهوال والضحك من القلب فى عمق الدموع، شاهدنا ظرفاء مثل الشاب الجالس على الارض تعبا وبيده لوحة طويلة عليها "إرحل بقى .. إيدى وجعتنى" وعشرات مثل هذه اللافتات الاحتجاجية التى تمزج المرارة بالمرح، وشاهدنا المنشدين يرددون أناشيد بلادى بلادى وأغانى ثورة 52 لعبد الحليم وأم كلثوم وعبد الوهاب، وشاهدنا آخرين يرقصون ويدورون حول بعضهم للتدفئة فى ليل القاهرة القارص. وبعد رحيل مبارك انطلقت سيول من النكات على الفيس بوك والإى ميل – مما ذكرنى بالعدد الهائل من النكات التى أطلقها الشعب المصرى بعد هزيمة 67 مباشرة فى أكبر عملية لنقد الذات والتطهير النفسى الجماعى عرفها التاريخ – ولعلها كانت ضرورية لكى يتمكن الشعب المنكسر أن ينتهى من محاسبة النفس بأقصى سرعة لينصرف للاستعداد لحرب الاستنزاف ثم العبور العظيم فى 73. نجد هنا نفس الظاهرة، شعب بأكمله ينخرط فى التنكيت والاستظراف الذى يستخدمه للنقد والتطهير والتفريح عن النفس لكى يمكنه الاستمرار فى تحمل الأطوار التالية من المعركة. إنها طريقة المصريين العبقرية التى تعينهم على التحمل والتجمل والصبر وأيضا الثورة. هناك علاقة عضوية – علميا – بين القدرة على المرح والفكاهة والقدرة على الابداع والتفكير الخلاق Creative thinking ولذلك فلا غرابة أن رأينا الثوار المصريين يظهرون مقدرة فائقة على ابتكار آليات وأساليب غير تقليدية ساعدتهم فى كافة مراحل ثورتهم على الاعداد والتخطيط والتنفيذ والمتابعة والتغيير والملاحقة والمساندة التى مكنت من تحقيق النصر على أكبر قوة أمنية مدججة ومدربة – تدريبا أمريكيا حديثا- فى الشرق الأوسط- لقد استطاع الشباب المصرى الأعزل أن ينتصر لأنه استخدم عقله المبدع وذكاءه العقلى والعاطفى معا فابتكر آليات جديدة لنشر أفكاره على درجة عالية من مهارة التسويق والإعلان والتصميم لشعاراته القوية الذكية، كما رأينا الثوار يختارون النزول بعد صلاة الجمعة لضمان نزول أكبر عدد من الجماهير- وبالمناسبة فالأقباط يصلون يوم الجمعة أيضا قداسا ينتهى فى الظهر تقريبا فى نفس توقيت خروج صلاة الظهر من الجوامع، مما ساعد على خروج الجميع إلى الشوارع بأعداد هائلة – فى نفس الوقت، وهو أحد أسرار نجاح الثورة.
شاهدنا الابداع المصرى يتجلى فى قدرة الثوار الخارقة على تنظيم أنفسهم- بلا تدريب سابق – ليعملوا بعد ذلك وكأنهم جيش موحد مؤهل ومدرب، فى تصديهم لجحافل بلطجية الحزب الوطنى التى أطلقها النظام الساقط بالآلاف فى محاولة لغزو ميدان التحرير والاجهاز على الثوار ، مسلحين بالمولوتوف والحجارة والسنج ورصاص القناصة من فوق أسطح المنازل والجسور، فإذا بالثوار ينظمون أنفسهم فى ثلاثة دوائر من خطوط الدفاع، أمامية ووسطى وخلفية، وقد أقاموا المتاريس المعدنية التى أخذوها من موقع إنشائى كان فى منتصف الميدان لشركة المقاولين العرب كما أخبرنى مهندس يعمل بها، وراحوا يكسرون أرض الميدان للحصول على الحجارة التى كانت هى ذخيرتهم فى مقابل المولوتوف والرصاص الحى من بلطجية مبارك، كما ابتدعوا لرؤوسهم خوذات من حلل الطبيخ ولصدورهم دروعا من زجاجات المياه البلاستيكية، وغيرها من عشرات الابتكارات فى جميع المجالات مما تفتقت عنه الذهنية الفهلوية الخلاقة التى هى لب العبقرية المصرية.
فى النهاية فإننى أحرص فى كل ما أكتب أن ألتزم بالموضوعية وأبتعد عن العاطفة، ولكنى أمام هذه الثورة التى أطاحت بنظام ظللت أكثر من عشر سنوات أكتب ضده فاضحا مدى خطورته على حاضر مصر ومستقبلها، ومنها مقال نشر فى منتصف العام الماضى 2010 بعنوان "على النظام أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل"، أعترف أننى بكيت فرحا لأننى عشت لأرى جيلا خرج إلى الشوارع يقول "إرحل" ويطلب إسقاط النظام ويحقق طلبه فى ثورة شعبية هائلة، جيلا من الشباب الذى كثيرا ما كنت أختم مقالاتى المهاجمة للنظام بقولى أن الأمل الوحيد هو في شباب مصر.. وها هو الشباب يحقق الأمل.
كاتب من مصر يقيم في نيويورك
|
|
|
عاطف الفراية
|
كتب: عاطف الفراية - الشارقة - -
أود القول بداية، إنني لا أحب الدخول في (الهوجة) عندما تكثر البيانات وتتضبب الرؤى ويفقد الجميع البوصلة كما يجري الآن. ولا أحب أن أحسب على جهة، ولا موقف لي مما يجري من طحن الهواء، وأومن بأن الجيل الجديد هو من يملك الحق وحده في إعادة صياغة حياته، كما يشاء بمعزل عن أية وصاية، بعد أن فشلنا جميعا في توريثه إلا وطنا مسلوبا ومنهوبا، لكن في هذا البيان الموقع من باشوات ورؤساء حكومات شيء يستفز العقل. ويبعث على الرغبة في الضحك، والرثاء معا.
فهو مسرحية كوميدية تخلو تماما من ذكر أية سلبية أو فساد رسمي على الإطلاق. ويفترض أن الأردن جنة الله على الأرض لولا بعض المندسين المغرضين، والإعلام الخارجي المنفلت.
سأحاول قراءة بيان ال 2500 توقيع. حتى لا أقول 2500 شخصية، لأن بعض من وجدت أسماؤهم في البيان نفوا علمهم به واتهموا واضعيه بتزوير توقيعاتهم ، ربما لأن العقلية التي تحكمهم ما زالت تحتفل بأسلوب (فلان أنا بمون عليه) حتى في أخطر المواقف. ما أغرب أن (يمون) شخص على موقف شخص من الحياة!! لدرجة أن يضع اسمه وتوقيعه على بيان!! مما يجعل البيان وأسلوبه من التفاهة حتى أنه لا يستحق نقاشا جادا. فأي جدية تتناول تزوير التوقيع على الولاء أو عدمه؟
المهم.. سأتجاوز عن النصف الأول الذي يقرر المقرر ويكرر المكرر ويخوض في الخطابة بغير داع ولا موجب، وأنفذ إلى اللحظة التي دخل فيها البيان في الموضوع، حيث صور في القسم الأول حياتنا في الأردن على أنها (دولة قامت على مبادئ العدل والمساواة لا تحتمل الخلاف بل الاختلاف) وبصرف النظر عن أن العبارة هذه يكذبها الواقع، وأنها تنفي وجود فساد من الأساس. إلا أن (الكارثة العقلية) في ما تلاها، والذي بدأ ب لكن، أي أن كل شيء تمام. وهناك استثناء. (لكن ظروفاً اقتصادية عالمية طالت الجميع قبل ثلاث سنوات، -ولم يسلم من آثارها الأردن- أفرزت واقعا جديدا، تصاعدت معه وتيرة القلق لدى بعض المواطنين)
تصوروا .. قبل ثلاث سنوات لم يكن في الأردن أية مشكلة، كان الشعب يعيش في رغد وعدالة. لم يكن هناك سبب لأي تذمر وقلق واضطراب نهائيا! ومشكلة الشعب الأردني وفقره وبطالته وخصخصة مؤسساته ومصمصة عظامه وكبته والقوانين الإعلامية الجائرة وانتفاضة 1989، وثورة الخبز في حكومة الكباريتي والأحكام العرفية وبيع احتياطي الذهب قبل ربع قرن و..و.. ونهب ثروته وتعاقب الحكومات على صدره واختلال الحياة السياسية والاقتصادية وكل المصائب! بدأت منذ ثلاث سنوات فقط. أية عبقرية هذه يا أصحاب الدولة والمعالي والعطوفة والسيادة وال..عبقرية الفذة؟ ما هذا؟ هل كان هؤلاء نائمون واستيقظوا منذ ثلاث سنوات فقط؟
والمصيبة أنها (ظروف عالمية) أي أن الداخل لا شأن له بها.. الداخل مستتب.. والناس راضية ومبسوطة.. وكل شي عال العال.. والأغرب أن الظروف العالمية طالت (الجميع) أي (الكل) كل العالم.. لكنها لم تصاعد وتيرة القلق إلا عند (بعض المواطنين) ولا أدري كم يبلغ هذا البعض! ربما لأن العقلية التي صاغت هذا الكلام تنظر إلى (الشعب الأردني) على أن (المعظم) هو الموقعين على البيان.. وباقي الشعب هو (البعض) .. يا للعبقرية.
يقول البيان: فتحت هذه البيئة الجديدة ..( ركزوا على الجديدة) وهو تأكيد لمدة ال ثلاث سنوات- الباب لولوج عابثين وحملة أجندات تأمل أن تجد في فقرنا ثراء، وتسخر من البطالة جنوداً، لمشاريعها المبنية على الاستثمار في أوجاع الناس الصادقة والمشروعة مستغلة حالة غياب المشروع العربي الشامل،، الخ
لا أعرف بأي درجة من الاستغباء تمت كتابة هذا الكلام. من هم العابثون؟ ومن هم العاطلون عن العمل الذين تم تسخيرهم؟ ولماذا يتصور الباشوات أنه كلما قام جائع أو عاطل عن العمل ليطالب بحقه في الحياة فلا بد أن عابثا خارجيا حركه وليس جوعه! إنها الشخصيات الشبحية التي تعيش في أذهان الباشوات. بعلمهم المسبق أنها وهم. يتم استحضاره عند الحاجة. هي لغة حسني مبارك وحبيب العادلي الذي وصف مصر بملايينها الثمانين ب (المندسين) ولم يتلطف علينا الباشوات بتعليمنا من أصحاب الأجندات؟ وما هي أجنداتهم؟ وكيف يكون صاحب الأجندة (عابثا)؟ العابث يا سادة، يا من لا تعرفون حتى أبجديات اللغة. لا يحمل أجندة. ولا أهدافا. لكن العمى الذي مارستموه طوال عمركم عن الحق والخير والعدل والجمال وعن الناس المظلومين.. لم يؤهلكم حتى لكتابة نفاق ودجل منطقي. يمكن استيعابه. مشكلتنا مع هذا البيان أن كل جملة فيه تجعلنا نتوقف عند ما فيها من غباء أو دجل. مما يجعل السخرية المرة تطول. من هم (أصحاب المشاريع المبنية على أوجاع الناس؟) وهل مشاريعكم أنتم كانت مبنية على شبع الناس؟ ولماذا لا تفترضون أن (أوجاع الناس تحرك الناس)؟
وما شأن (غياب المشروع العربي الشامل ، بجوعنا وبطالتنا؟) يا حبيبي .. دي وسعت أوي يا جدعان.
(ناهيك عن إفرازات احتلال العراق وما عكسه على الاقتصاد الأردني والبنية التحتية الأردنية، فصار الجوار مشتعلاً، فتسلل نفر قليل ليشعل الداخل بإعلاء الهويات الفرعية، والدخول إلى المناطق المحرمة وطنياً،)
تخيلوا الاستعباط في: نفر قليل.. و.. إعلاء الهويات الفرعية. كل هذا بعد احتلال العراق. أما ما مارستموه دولتكم ومعاليكم عبر عقود. من دعم الفساد. والتعاطي مع العشائرية على أنها مخزونكم للبقاء. والتمييز المناطقي، والطبقي، والواسطاتي، والشللي والعصاباتي، واحتكار المناصب. وغير ذلك من أوجه التخلف والفساد والظلم والإقصاء، فهو العدل المطلق. والتماهي مع الهوية الواحدة. ولا شأن له ب (إعلاء الهوية الفرعية) الذي تسلل إلينا في (السنوات الثلاث الأخيرة) فقط. عبر تسلل (نفر قليل متسلل) وطبعا اللاعب المتسلل عندما يسجل هدفا لا يحتسبه الحكم. وأنتم الحكم دائما. وفي كل المراحل. ونحن المتسللون دائما. كل الشعب متسلل ومندس وأهدافه لا تحسب. إلا عندما تصب في ذواتكم المتضخمة يا أسيادنا. منا التسلل ومنكم المغفرة. يا من أورثتمونا وطنا مسلوبا منهوبا مسكونا بالفاسدين، معتدى على كرامته ومواطنه وأرضه ومائه الجوفي والسطحي وخزينته ونفطه المباع في جوف الأرض وحتى أوكسجينه.
((وقد مد أولئك المتسللون أيديهم إلى مخزون الدولة والعرش، كي يغرفوا منه في زمن انفلات الإعلام الخارجي،)) لا معنى لمخزون الدولة والعرش إلا نحن. أي الناس، البسطاء الجياع المظلومون. امتدت إلينا تلك الأيدي المتسللة.. لتغرف منا.. لا أدري ماذا تغرف؟ أما (في زمن انفلات الإعلام الخارجي) فتعني أن ذواتكم السامية لا تعرف إلا (الإعلام العرفي) المنضبط. المهذب. الذي لا يعرف الحرية. ولا ينطق إلا بما تشاء عصا الشرطي. تماما مثل إعلام مبارك في عز الثورة. أما الذي ينطق برأي مختلف فهو (منفلت) يااا كم استمرأت عقولكم الفوقية والوصاية على الناس. ياااا كم ينطق بيانكم بضيقكم بالزمن. لكأن عقولكم تريد إرجاع عقارب الساعة إلى زمن تمسكون فيه العصا وتجلدون كل من يتنفس. ياااا كم تتحرقون شوقا لتضعونا في زنازينكم. ياااا كم تعجز عقولكم عن استيعاب دورة الزمن. يااا كم أوصافكم ولغتكم بالية وبائدة ومنقرضة.
يبدو أن أمر هذه الكوميديا السوداء سيطول. لذلك لن أمر على باقي العبارات التي تنهل من ذات الذهنية الشرطية المنقرضة البائسة. سأكتفي بعبارة واحدة تؤكد هذا (لكننا نؤكد لأولئك النفر من الجاحدين والمشككين، وأصحاب النوايا المؤجلة، والمرجفين، أن خروجهم على الوطن والاستقواء عليه بالإعلام الأجنبي، لن يزيدهم بإذن الله إلا خبالا)
لا فائدة.. ما زلنا نفرا من الجاحدين. والمشككين. لكن ثمة عبقرية في إضافة تفوق لغة حبيب العادلي. (أصحاب نوايا مؤجلة.. ومرجفين..) ويبدو أن عبارة (الإعلام الأجنبي) تعني أنكم جميعا لا شأن لكم إلا (بإعلام الطبلة والربابة والمزمار).
ويختم البيان بتوجهين يجعلان لغته أكثر ضياعا حيث يقول: إننا نتوجه لكل المخلصين من أبناء الأردن الغيورين على وطنهم، بتذكيره بأن الفوضى لا سمح الله التي يروّج لها الإعلام الخارجي، إن طالت هذا الوطن المحمي بإذن الله، الوطن الذي يلتف به كل الأردنيين حول قيادتهم.
ما معنى (للمخلصين من) وكيف تتفق مع (الوطن الذي يلتف به كل الأردنيين حول قيادتهم) طيب فهمونا.. من هم غير المخلصين ما دام الكل يلتف؟
باختصار.. بيان لا يعكس إلا عمق التخلف عما يجري في العالم من نقلات عقلية، مبني على احتقار عقل القارئ. والخطابة الجوفاء الفارغة. والشعارات المستهلكة التي لم تعد تعني شيئا. يؤمل منه أصحابه شيئا لا نعلمه. يريدون الإمساك بأطراف المرحلة بعد أن أفل زمانهم. ومثل عادة المستبدين يتمسكون بقيادة دفة الحياة في زمن غيرهم. ويسرقون أعمار ومراحل الآخرين. ولا يعلمون أن الزمن لا يتوقف بتوقف تفكيرهم.
إنهم شلة من قادة الحياة في مراحل الفشل. يخافون من النجاح، ويبحثون عن بقاء الأمور كما هي لضمان سلامة مصالحهم المنفصلة تماما عن أية مصلحة وطنية أو غيرها. يخشون رياح التغيير أن تصيب شعبهم فتقل قدرتهم على البقاء في الواجهة. وتطال بعضهم يد المساءلة والمحاسبة.
يا سادتنا. فكو عنا.. ودعونا نعيش الحياة بالطريقة التي نراها نحن. ونقررها نحن. فقد عشتم حياتكم كما شئتم. كفاكم.. تنحّوا جانبا.
|
|
|
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى > الأخير >>
|
| النتائج 127 - 140 من 1535 |