آخر خبريون
"الدائرة الثالثة" بين الإفساد والإصلاح
عمر عياصرة
كتب: عمر عياصرة - عمان - -  

كانت "الدائرة الانتخابية الثالثة" في عمان، توصف بأنها الوحيدة من بين الدوائر التي تعيش انتخابات نيابية بنكهة حقيقية من السياسة والفكر والبرامج.

 هذه الدائرة التي يطيب للبعض تسميتها "بدائرة الحيتان"، كانت وعلى الدوام تمثل التعبير الصادق عن  المحتوى السياسي للعملية الانتخابية، فمرشحيها لهم طابع مختلف، ومن يفكر بالذهاب إليها كمرشح، عليه أن يتحزم بقدرات عالية تؤهله لان يكون نائب وطن بكل ما تحمله هذه الصفة من معاني.

  اليوم، وبعد دراسة وزارة الداخلية للاعتراضات المقدمة بحق جداول الناخبين، ثبت أن الدائرة الثالثة كانت قد تعرضت في انتخابات عام 2007 إلى اكبر عملية نقل للأصوات غير المشروعة، بمعنى أن" دائرة الفكر" استبيحت من قبل المال السياسي تحت أنظار إدارة الانتخابات السابقة ومباركة منها.

 ففي حين بلغ عدد الذين أدلوا بأصواتهم في الدائرة الثالثة في الانتخابات السابقة (80) ألف ناخب، قبلت دائرة الأحوال المدنية والجوازات اعتراض (37) ألف من أصل الرقم السابق، وتم اعتبارهم منقولين غير شرعيين.

فلغة الأرقام وليس مجرد الحدس، يثبت أن قريب النصف ممن اختاروا نواب الدائرة الثالثة في الانتخابات الماضية كانوا مزورين ولا علاقة لهم البتة بتلك الدائرة وطبيعة علاقاتها وثقافتها الخاصة.

 أن يصل الاستخفاف والتزوير إلى أماكن كانت عصية على ذلك، وتمثل واجهة للوطن وباروميتر لانضباطه، فهذا معناه أن من قاموا بتلك الخطيئة توافرت لهم أجواء تسيب واستخفاف لم يعهدها التناقض السياسي الأردني عبر كافة مراحله، لا في أيام الاضطراب ولا في عهد الحكم العرفي.

 هؤلاء الذين عبثوا في مكونات الدائرة الثالثة، لم يهدفوا فحسب إلى النيل من مرشحي الحركة الإسلامية (ارحيل الغرايبة في حينه)، وإنما قادهم عبثهم إلى العمل على تفريغ المؤسسة التشريعية من محتواها، فكانت دائرة العقل والثقافة هي الأكثر تركيزا في استهدافهم وحققوا في حينه ما أرادوا.

على كل حال، الإفساد الذي تم للدائرة الثالثة في عمان، كان عنوانا على إفساد الحياة السياسية برمتها، ولعل ما كشفته الاعتراضات، وما تم تقريره بوقف مجزرة النقولات، قد لا يكون كافيا لتفويت الفرصة على التخريب المبرمج لمشهدنا السياسي، فالإصلاح السياسي الشامل لا بد له من أن ينطلق دون تجزئة، وإلا سينهار المشهد عما قريب.

 
 
الاعتراف بيهودية الدولة خط أحمر أخير فهل سيجتازونه؟
عبد الحميد صيام
كتب: عبد الحميد صيام - نيويورك - -

ليس سرا أن فريق أوسلو للمفاوضات، كبارهم وصغارهم، قد أبدوا استعدادهم لاجتياز عدد من الخطوط الحمر التي كانت وما زالت موضع إجماع الشعب الفلسطيني والعربي ومثبتة في برنامج منظمة التحرير الفلسطينية.  ومن بين تلك المحرمات التي أظهرت القيادة استعدادا واضحا للتعامل معها بإيجابية ومرونة مسألة قبول الكتل الاستطيانية الكبيرة ومبادلتها بأراض موازية، وحل مشكلة حق العودة دون أن يعني ذلك عودة لاجئ واحد إلى بيته وأرضه داخل الخط الأخضر، كما صرح بذلك إيهود براك مرارا وتكرارا، ومسألة تقاسم السيادة في القدس الشرقية وكذلك المرونة في إجراء تعديلات على حدود الدولة التي من المفترض أن تقام على الأرض الفلسطينية كما كانت عليه قبل حرب 1967 . لكن الخط الأحمر الأخير هو موضوع الاعتراف بيهودية الدولة.
 
نتنياهو، قبل سفره إلى واشنطن ذكر بشروطه الأربعة والتي على أساسها قبل الدخول في المفاوضات المباشرة وهذه الشروط هي:

أولا: على الفلسطينيين قبل التوصل لأي اتفاق أن يعترفوا بيهودية دولة إسرائيل
ثانيا: على الدولة الفلسطينية أن تكون منزوعة السلاح
ثالثا: تبقى منطقة غور الأردن تحت السيطرة الإسرائيلية
رابعا: لا عودة لحدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967

 إن حدث هذا الاعترا ف فسيكون أقرب إلى الاستسلام النهائي والذي لا يشبهه أي استسلام آخر في العصر الحديث.  وقد يكون أشبه باستسلام أبوعبد الله الصغير حاكم آخر ممالك العرب في الأندلس لفرناندو وإيزابيلا عام 1492 حيث سمح له أن يأخذ حريمه وأمواله ويخرج وحيدا من غرناطة.  تلك الوثيقة أذنت للمنتصرين، حتى ولو لم تنص على ذلك، أن يبدأوا أكثر عملية تطهير عرقي في القرون الوسطى، ثم أنشأوا محاكم التفتيش لفرض التنصيرالقسري لتعود إسبانيا خالية من أي وجود للعرب والمسلمين مرة وإلى الأبد.
 
الفرق بين الاستسلامين كبير ومعكوس تماما.  فالعرب دخلوا إسبانيا فاتحين واحتلوها بقوة السلاح وطوي وجودهم بالتدريج بعد 781 سنة أما العرب في فلسطين فهم سكان البلاد الأصليين الذين يجب أن يصمدوا ويقاوموا ويطووا صفحة الاحتلال لا أن يستسلموا للغزاة الذين دخلوا البلاد بقوة السلاح ودعم قوى القهر والظلم في العالم.

القانون الدولي والاعتراف بإسرائيل

إسرائيل، من منطلق القانون الدولي، لا تعتبر دولة لعرق نقي أو دين بعينه بل لمواطنيها الإسرائيليين كلهم بغض النظر عن أعراقهم ودياناتهم ومنابتهم.  والأمم المتحدة اعترفت بدولة إسرائيل ولم تعترف بدولة اليهود.  نعم لقد أشار قرار التقسيم 181 الصادر عن الجمعية العامة بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 إلى الدولة اليهودية مقابل الدولة العربية.  الدولة لم تكن قائمة آنذاك ولا يوجد ما يوصف به هؤلاء المهاجرون من دول العالم إلى فلسطين إلا بكونهم يهودا. ولم يكن في ذهن أحد على الإطلاق أنها دولة نقية من غير اليهود لأنها ببساطة كانت تضم 400,000 عربي مقابل 450,000 يهودي بينما لم تضم الدولة العربية أكثر مكن 50,000 يهودي مقابل ما يزيد عن 800,000 عربي.  وعندما حسم موضوع إنشاء الدولة التي أعلنت عن نفسها بتاريخ 14 أيار (مايو) 1948عادت الجمعية العامة بعد سنة كاملة وبناء على توصية من مجلس الأمن واعتمدت القرار 273 بتاريخ 11 أيار (مايو) 1949  والذي اعترف فيه اعترافا مشروطا بدولة إسرائيل وقبولها كعضو في المنظمة الدولية ، ينص ذلك القرار على أن إسرائيل  "دولة محبة للسلام تستطيع أن تنفذ متطلبات ميثاق الأمم المتحدة".  كما يتضمن القرار المذكور بالنص ضرورة تنفيذ إسرائيل لالتزاماتها فيما يتعلق بقرار التقسيم 181 المذكور أعلاه وقرار حق العودة  194 الصادر بتاريخ 11 كانون الأول (ديسمبر) 1948.  وقد قبل أبا إيبان، ممثل حكومة إسرائيل ووزير خارجيتها آنذاك، هذه الشروط ووقع عليها كتابة.  فهل التزمت هذه الدولة بشروط الاعتراف بها؟ وهل هي دولة محبة للسلام فعلا؟ وهل هناك أيها السادة المفاوضون أية إشارة من قريب أو بعيد إلى يهودية الدولة؟ على العكس من ذلك يستطيع العرب أن يتحدوا هذا الاعتراف قانونيا كما أشار إلى ذلك خبير القانون الدولي فرنسيس بويل في كتابه "الفلسطينيون والقانون الدولي".

من أين جاءت الفكرة؟

تفتق الفكر الصهيوني الموغل في تطرفه في السنوات العشر الأخيرة عن مفهوم يهودية الدولة كشرط تعجيزي طرح في البداية كعائق كبير أمام استحقاق المفاوضات.  فعندما بدأ الجانب الفلسطيني يبدي مرونة أكثر أمام الشروط الإسرائيلية في مسائل مهمة كحق العودة والقدس والمستوطنات والحدود، وأصبح التوصل إلى حل واقعي قاب قوسين خاصة في الشهور الأخيرة لولاية الرئيس بيل كلنتون والذي كان يحلم بأن يكون الرئيس الأمريكي الذي توصل إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي وليدخل التاريخ من أوسع أبوابه ويحصد جائزة نوبل بسهولة، طرحت الفكرة الخطيرة بعد سقوط حكومة باراك وانتخاب شارون في شباط (فبرابر) 2001 أثناء احتدام المواجهة في انتفاضة الأقصى المسلحة.  غير أن ما بدا في البداية وكأنه تكتيك تافه عاد وأصبح شرطا حقيقيا تتمسك به حكومة نتنياهو- ليبرمان وتصر عليه.  وبدأت وسائل الإعلام تعمم الفكرة وتدورها إلى أن أصبحت ثقافة عامة لدى جماعات الضغط المناصرة لإسرائيل في الولايات المتحدة ثم انتقلت إلى أعضاء الكونغرس وصولا إلى الرئيس الأمريكي الذي بدأ يردد في كل مناسبة أن أسرائيل دولة اليهود.
ماذا يعني الاعتراف بيهودية الدولة؟

إن حدث ووقعت قيادة أوسلو على يهودية الدولة واجتازت آخر الخطوط الحمر فستعطي صكا شرعيا من أصحاب القضية لإسرائيل بممارسة التطهير العرقي، في المستقبل القريب أو البعيد، لكل من هو غير يهودي والعمل على هدم ما في فلسطين من معالم مسيحية وإسلامية ومحو كل ما يشير إلى التاريخ العربي الإسلامي والذي سبق قيام أي أثر لدولة يهودية. الاعتراف بيهودية الدولة يلغي خمسة عشر قرنا من التاريخ العربي الإسلامي المتواصل في فلسطين منذ تسلم عمر بن الخطاب مفاتيح القدس بعد هزيمة الدولة الرومانية في معركة اليرموك ويحول هذا الوجود إلى سلسة من غزوات واحتلال غير شرعي لدولة اليهود. هذا الاعتراف يلغي حروب العرب والمسلمين ضد الوجود الصليبي لقرنين من الزمان ويحول تلك المعارك البطولية في حطين وعين جالوت وغيرها إلى تناحر قوى مستعمرة ويحول أبطالا كصلاح الدين والظاهر بيبرس إلى رجال عصابات وقطاع طرق ومرتزقة وقراصنة يبحثون عن قتل الأبرياء وهدم البيوت وحرق القرى والمدن؛هذا الاعتراف يلغي تاريخ فلسطين القديم الذي يشير إلى أنها أرض الكنعانيين واليبوسيين العرب ويكذب ما جاء في التوراة من أن اليهود دخلوا "أرض كنعان" بقوة السلاح واحتلوها احتلالا وهدموا القرى والمدن وقتلوا آلاف الفلسطينيين كما تنص على ذلك كتبهم؛.

هذا الاعتراف يحول كل النضال الفلسطيني في العصر الحديث إلى إرهاب ويجعل من الشعب الفلسطيني المستقر في مدنه وقراه منذ آلاف السنين إلى مستوطنين ومحتلين ظالمين ويشرعن كل المذابح التي ارتكبت بحقهم من مواجهات البراق 1929 إلى مذابح غزة 2008– 2009 مرورا بدير ياسين والوايمة والطنطورة وقبية وصبرا وشاتيلا ومخيم جنين؛ بل ويجعل من القاتل بطلا ومن الضحية مجرما.

هذا الاعتراف، إن حدث، يشرعن وعد بلفور وقرار التقسيم واتفاقيات كامب ديفد وأوسلو ووادي عربة وهو دعوة رسمية لكافة الدول العربية والإسلامية للاعتراف بدولة اليهود المسالمة التي تريد أن تسترد أرضها من الغزاة الفلسطينيين، وهو كذلك دعوة إلى سحب اعترافهم بأي كيان فلسطيني لأنه كيان معتد ظالم إرهابي يحاول زعزعة دولة شرعية يملكها أصحابها الشرعيون؛هذا الاعتراف يأذن للدولة اليهودية أن تطرد كل فلسطيني، مسلما كان أم مسيحيا أم بهائيا أم درزيا أم ملحدا، لا فرق، من كل فلسطين لأنه يعيش على أرض غيره ويسكن بيتا ليس ملكا له ويقطف ثمار شجرة تعود بملكيتها إلى يهودي من الأرجنتين أو مالدوفا أو رومانيا؛وأخيرا هذا الاعتراف يلغي حق أي فلسطيني بالمقاومة أو رفض وجود إسرائيل أو المطالبة بإنشاء أي كيان فلسطيني على تلك الرقعة من الأرض التي تقع بين المتوسط ونهر الأردن لأن تلك الرقعة من حق اليهود واليهود فقط.

هذا الاعتراف، لو وقع، سيكون وثيقة الاستسلام الأخيرة التي تعني التصفية النهائية للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي الذي استمر أكثر من قرن.  فهل ستفعلها هذه القيادة الضعيفة التي تنقصها شرعية حقيقية ووحدة وطنية سليمة تقف خلفها وغياب أي قوى معارضة حقيقية تدعم موقفها التفاوضي.

نحن نعتقد أن مثل هذا الاعتراف أخطر بكثير من أن تقدم علية جماعة أوسلو لأنه سيكون المصيدة التي سيزجون الشعب الفلسطيني فيها وسيكتشفون أنهم أيضا من ضحاياها ولن يكون مصيرهم أفضل من مصير أنطوان لحد.
الخطر المحدق الآن هو أن يعرض عليهم تصور متكامل يكون عبارة عن رزمة اقتراحات من بينها شرط يهودية الدولة ويطلب منهم بل ويفرض عليهم قبول الرزمة كاملة أو رفضها كاملة مما يعطيهم مخرجا لتبرير اعترافهم تحت حجة "وهل كان أمامنا خيار آخر؟"

المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الشعب العربي وفي مقدمته الشعب الفلسطيني لفرملة هذه الفئة التي عودتنا أن تقدم التنازل وراء التنازل.  فمن يعترفون أمام حشد من غلاة الصهاينة في واشنطن بالعلاقة التاريخية بين اليهود وفلسطين، ومن يستقبلون قادة الجيش الإسرائيلي في رام الله الذين جاؤوا يهنئون بحلول شهر رمضان، ومن يعتبرون المقاومة الشعبية السلمية إرهابا وعبثا، ومن  يخاطبون مؤتمرات صهيونية في هرتزيليا معـنية بالأمن الإسرائيلي، ومن يتمنون على إسرائيل ألا توقف حربها ضد غزة، يمكن أن يوقعوا وثيقة الاستسلام النهائية إذا لم يشعروا بأن الأمة كلها من المحيط إلى الخليج ستقف صفا واحدا في مواجهتم.


* أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك    
 
عن خواطر الشقيري
عاطف الفراية
كتب: عاطف الفراية - الشارقة - -

كثيراً ما كنت أمقت الخطب والصراخ الأجوف الذي يتغنى بالماضي المجيد لأمتنا، ويردد «كلاشيهات» محفوظة وفارغة، تتمحور دائماً حول أننا كنا نصدر النور والحضارة والعلم لأوروبا، التي كانت في العصور الوسطى غارقة في ظلام دامس من الجهل والتخلف والانقياد للأساطير، وأن أمتنا كانت وقتها مصدر الإشعاع للعالم، وكيف أن النهضة العلمية التي تحياها أوروبا الآن كلها من مصادر عربية إسلامية، إذ كان دائماً هذا الصراخ الأجوف لا يحمل قيمة إيجابية أو يرتبط ببرنامج تغيير مستند إلى خطط تعيد للأمة ذلك المجد الغابر الذي يتغنى به هواة الخطابة هؤلاء.

إلا أن برنامج (خواطر رمضانية)، الذي دأب فيه أحمد الشقيري على تقديم أفكار جديدة كل عام، قد طرق هذه المسألة بوجه جديد وجميل بالصوت والصورة والحوار والمقارنة، بعيداً عن الشعارات والخطب، فهو بعد انتقاله في العام الماضي إلى اليابان، ونقل أوجه من المقارنة في ثلاثين أمراً بين ما أسماه كوكب اليابان وبين ما هو عليه الحال لدينا، ارتأى العام الجاري أن يقدم مقارنة (بيننا وبيننا)، أي بين حالنا في الوطن العربي وبين حال إخواننا في الدين في ماليزيا من ناحية، وبين حالنا في زمننا وحال أجدادنا قبل نحو ألف عام من الآن، من ناحية أخرى، لتكون المقارنة في غير صالحنا في كلا الحالتين، وكأننا نسير إلى الخلف في كل شيء، وبعكس منطق الزمن.

ومن جماليات هذا البرنامج أنه لم يتوقف عند المقارنة من حيث ما هو صناعي أو مدني أو تكنولوجي فقط، بل امتد إلى كل ما هو سلوكي وثقافي، ليقول لنا إن صناعة الحضارة والرقي تبدأ من المسلك الراقي في كل شيء، فالذي لا يتقن استخدام الماء بشكل حضاري غير مسرف، ولا يتقن تنظيف بيته وشارعه وحيِّه، والذي لا يتقن احترام الكبير..

الخ، لا يمكنه أن يقدم للبشرية حضارة ورقيّاً، ولا يمكنه فتح آفاق العلم من أجل التحول إلى مجتمع صناعي وتقني منتج، هذا النوع من الربط بين معطيات الحضارة من حيث هي مدنية صناعية علمية وثقافية مسلكية أخلاقية، بحيث لا تنفصم عراها ولا تستغني عناصرها عن بعضها بعضاً، هو الجديد في هذا الطرح الجاد، الساعي إلى تغيير في المفاهيم والتربية والمسلك، يفضي إلى نتاج حضاري يمكن الفخر به.

من هنا يتضح المبرر الحقيقي للفخر، لأن العربي قبل ألف عام كان يفخر على الأمم الأخرى بانتمائه، لا من حيث أنه ورث جينات عرقية خاصة تجعله أرقى من غيره، فمثل هذا الفخر هو عنصرية مقيتة، بل إنه كان يفخر بانتمائه إلى أمة تنتج الحضارة وتصدرها للأمم الأخرى، لذلك فإن فخر أجدادنا كان بما تفعل أيديهم، أما فخرنا نحن فهو بما فعلت أيدي أجدادنا، لذلك فإنه يبدو فخراً مضحكاً في عالم تجاوزنا بمئات السنين الضوئية، وأصبحنا نعيش عالة عليه، لأننا نستهلك إنتاجه الصناعي والتقني والغذائي، ونكافئه بتلويث بيئته على قاعدة جزاء سنمّار.
 
من هم ضيوف "موائد الرحمن"؟!
عريب الرنتاوي
كتب: عريب الرينتاوي - عمان - -

أعود إلى منزلي معظم الأيام ، قبل دقائق من موعد الإفطار ، استمتع بقيادة السيارة في شوارع شبه خالية ، وأسعد بعبور "المستديرات" من الرابع إلى الثامن - فضلا عن دوار الداخلية - من دون عناء ولا مشقة ، إلى أن تمسك بي "عجقة السير" ما بين السادس والسابع ، هناك حيث "المقر الدائم" لواحدة من "موائد الرحمن" ، تنتظرني طوابير السيارات المصطفة على يسار الشارع ، وأحيانا يكون هناك على هيئة وقوف مزدوج.

ما الأمر ، ولماذا كل هذه الحشود ومن أين يأتي كل هؤلاء "الزبائن" ، وأي ضيوف على "موائد الرحمن" أولئك الذين يمتلكون سيارات خاصة أو عمومية ، أو يعملون عليها ، هل أعيد تعريف الفقر والفقراء و"المسكنة" والمساكين ، هل يمكن أن يصنف فقيراً من يمتلك سيارة خاصة ، أياً كان نوعها أو موديلها ، طالما أنه قادر على ملء خزانها بالبنزين العادي - وليس السوبر - ألا يستطيع رجل كهذا أن يشتري لنفسه أو لعائلته وجبة إفطار... إن كان هؤلاء هم فقراء الأردن ، فإنني أدعو الله أن يديم علينا نعمة الفقر وأن يوسع من جيوبه ومساحات انتشاره ، أما إن كان هؤلاء من المتكسبين الذين ينافسون الفقراء الحقيقيين على وجبة مجانية ، فإن الأمر مقلق بكل مقاييس الأخلاق ومعايير القيم والمُثُل.

في بلد يكثر فيه الحديث عن "العائلات المستورة" ، وتتطوع فيه "تكية أم علي" لـ"تفطير" العائلات في بيوتها حفاظاً على كراماتها ، في بلد تكثر في "الشعارات" عن عزة النفس والأنفة ، نرى طوابير جديدة تصطف على "موائد الرحمن" تاركين سياراتهم الخاصبة على مبعدة بضعة أمتار من مائدة الإفطار ، ومن دون حرج أو خجل من منافسة الفقراء والمحتاجين.... يبدو أن بعض الناس في مجتمعنا باتوا أقل إحساسا بالحرج وأقل اعتناء بالكبرياء ، المهم توفير "سعر الوجبة" أو الحصول على وجبة أفضل من تلك التي تنتظرنا في منازلنا ، أو ربما هي عقلية "الكسب والتكسب" ونظرية "إللي ببلاش كثّر منه".

على أية حال ، يبدو أن خبراء "عالم الرحمن وموائده والشهر الفضيل" قد تنبهوا قبلي لهذه الظاهرة ، فأخذوا يقلصون من مساحة موائدهم وتعدادها ، بل وآثر بعضهم أن يعيد التفكير في أنماط الإحسان للفقراء والتبرع لهم ، مباشرة ومن دون منافسين فضوليين وشرهين ، وربما هذا ما يفسر جزئيا انكماش ظاهرة موائد الرحمن من سنة لأخرى ، لقد أتى زمن كنا نرى في كل زاوية مائدة ، أما اليوم فالصورة تبدو مختلفة قليلا ، وثمة ما يقال عن تراجع في منسوب "الكرم الخليجي" هذه السنة ، وليس لدينا ما يؤكد أو ينفي أمراً كهذا.

والحقيقة أننا نأمل أن يكون انكماش "موائد الرحمن" عائد فعلاً وحصراً لهذا السبب ، وأن تكون معدلات الانفاق الخيري في رمضان في تزايد أو على حالها في أقل تقدير ، ذلك أن آخر ما نحتاجه في هذه الأيام الصعبة ، هو تراجع نسب وأرقام ومعدلات هذا العمل الخيري ، وتحديداً في هذا الشهر الفضيل ، فالفقراء الحقيقيون في تزايد وجيوبهم في اتساع وأعدادهم بمئات الألوف ، وهم ينتظرون أن تصل إليهم يد العون ، وأن تصل إليهم في أماكن تواجدهم وبما يحفظ لهم آدميتهم وكرامتهم ، ويحول بينهم وبين الفضولين والمتكسبين الذين لولا بقايا ماء وجه وذرة حياء لنافسوا المتسولين على إشارات المرور وعتبات المساجد.

لا نريد مأسسة للعمل الخيري ، ولا مزيد من الضوابط والقيود التي تجعل منه عبئا على صاحبه ، كل ما نريده هو مزيد من الوعي والإبداع في تقديم الغوث لمستحقيه والمساعدة لمحتاجيها ، حتى لا يضيع مال الزكاة والعون والخير في غير مقصده ولا يصل إلى وجهته المقررة.

فالمأسسة التي قد يفكر فيها البعض ، تخضع العمل الخيري والطوعي والإنساني إلى حسابات "البيروقراطية" وأولوياتها ومعاييرها ، ولطالما انتهى العمل الخيري والطوعي إلى طريق مسدود عندما أخضع لقيود المؤسسة البيروقراطية وحساباتها وهواجسها وانحيازاتها ، وعلينا ألا نبالغ ولا ننجرف وراء "شغف" المأسسة وهوسها.

ثم أن العمل الخيري والطوعي ينبغي أن يُبقي حرية القرار والمبادرة لصاحبه ، فهو من يضع عناوين أجندته الإنسانية ، وهو من يقرر بشأن كيفية صرف أمواله ، شريطة أن تكون المسألة برمتها منزهة عن أية أغراض خارجة عن المألوف.

وكل رمضان وأنتم بخير.
 
بالطول أم بالعرض
ماجد الخواجا
كتب: د. ماجد الخواجا - عمان - -

قال لي أحد المعارف: أنت تأخذ الدنيا بالعرض.. فيما الشطّار يأخذونها بالطول.. لهذا مهما فعلت ومهما بذلت ومهما عانيت، ستبقى بحسب المفاهيم الرياضية والحياتية تسير بالعرض.. تركض وتسعى وتشعر بالتقدّم والإنجاز، لكنه إنجاز على ذات الدرب والمسار، إنه خط أفقي لن تتقدم عليه قيد أنملة.. إنها حركة اعتباطية تظلّ خلالها تدور في الفراغ.. وأنا هنا لا أقيّم صحة ما تقوم به، لكنني أصف لك الحالة بالطرق الرياضية والحياتية.. ربما ما تفعله هو الصحيح.. لكن العبرة في خواتيم الأشياء.. وهذه الخواتيم لا يجوز إصدار الأحكام عليها إلا بعد الوصول إليها.. ربما وأنت ثابت في مسارك العرضي تكون الخاتمة فوزاً ساحقاً لك على كلّ أولئك المارين والعابرين لكلّ خطوط الطول والعرض.. لكن المعتاد والمألوف أن من يريد التقدّم عليه أن يسير ويعبر بالطول لا بالعرض.. حتى الزمن يقاس تبعاً لخطوط الطول.. فيما المناخ والمزاج يقاسا تبعاً لخطوط العرض، فيسمّى هذا من ذوات الدم الحار، وذاك من ذوات الدم البارد، كما يسمى البشر بحسب المنطقة الجغرافية، فيكون من ذوي المناطق الباردة أو المعتدلة أو الحارة.. وتذكر تقسيم وتصنيف الناس بحسب أمزجتهم.. باختصار لم نشاهد ولم نسمع عن كائن حيّ يسير بالعرض، إلا في كتب المرويات وحكايا الأساطير والخرافات.. أليس ما يحدث في مباريات كرة القدم شيء من قبيل اللعب بالعرض أو بالطول، حيث نستمع للمعلّق أو المحلل الرياضي وهو يقول بأن الفريق استنفذ وقته وجهده في ( التمريرات العرضية) والكرات البينية.. فيما استغل الفريق الآخر اللعب بالكرات الطولية والتي يتحقق منها الأهداف.. نعم هناك سير عكسي ويعني التراجع كما يحدث عندما يقوم السائق بالرجوع للخلف، لكنه تراجع طولي، أما في حالة السير العرضي، يبدو أنه لا يوجد معنى للتقدم أو التراجع.. تماماً كمن يعيش في سيبيريا وينتقل إلى ألاسكا أو القطب الجنوبي.. أو كمن يعيش على خط الاستواء، فهو أينما وحيثما انتقل عليه سيبقى بذات المناخ والطبيعة والمزاج.

 ما سبب ذلك.. سببه أنني بحسب قول العارف أسير بالعرض في هذه الحياة.

 صحيح أنني أنجزت سيرةً ذاتيةً وأكاديميةً ومهنيةً راقيةً، لكنها جميعاً لم تشفع لي التقدّم قيد أنملة فيما يدعى بالحراك الوظيفي.. لماذا؟؟.. يتابع الحكيم قائلاً: ببساطة لأنك لا تريد السير بالطول.. كلّ ما تحتاجه خطوة واحدة أماماً لا جانباً.. خطوة ضريبتها شيء من التسوية والتنازل المقبول من أجل الشعور بالتقدم للأمام فعلياً.. ألم تسمع بالمثل القائل ( لا تكن ليناً فتعصر ولا يابساً فتكسر).. وأنت لغاية الآن بالرغم من كلّ ما حققته، إلا أنك تعيش لوناً وطعماً ومذاقاً واحداً.. وهذا شيء ليس للقلب أو العقل احتماله.. عليك أن تبحث عن كيفية تذوّق الألوان والأطعمة المتنوعة، وهذا يتطلب الانتقال الطولي من أجل الشعور بالقيظ اللاهب والبرد القارص  والمناخ المعتدل.. بالصحراء وجبال الثلج، بالليل الدائم والنهار المتواصل.. وإلا ستبقى تعتقد أنك تتقدم وتنتقل من هنا إلى هناك.. لكن الحقيقة الموجعة أنك تنتقل ما بين الربع الخالي وصحراء مالي.. ما بين غابات أفريقيا وغابات الأمازون.

 باختصار مرّةً ثانيةً: اسأل الجميع كيف يسيرون بالطول.. والآن الآن قف ولا تسير خطوةً واحدة بالعرض كما هو حالك منذ القرن الرابع الهجري.. لكن يبدو أن هناك وجهة نظر تتعلق بمراكمة الإنجازات التي تثقل كاهل صاحبها وحركته، وتفقد الخطوة الأولى للأمام قيمتها بسبب عدم تناسبها مع تلك الإنجازات المتراكمة، فيصبح من الصعب على الفرد قبول فكرة التقدم بخطوة واحدة، كما تصعب فكرة قبول الآخرين منحه المكانة والموقع الذي يستحقه..  لهذا تتعقد المعادلة بين مفهومي المكافأة والإنصاف.. صاحب الإنجازات يريد الإنصاف، لكن صاحب الإنجاز الوحيد والبسيط يقبل المكافأة.. فيتقدم الكثيرون الذين يكفيهم إنجاز واحد بسيط لبداية الانتقال الأمامي، حيث أن حركتهم سريعة ورشيقة ولا يحملون الكثير من الإنجازات المعيقة لقبول التسويات والتنازلات.. كما أن حركتهم تقبل التنقّل خطوة خطوة.. ولا يشكلّون في انتقالهم خطراً على أصحاب المواقع المتقدمة.. وما بين دور البطل عظيم الإنجازات، لكنه الضحية المظلوم للإنجازات العرضية.. ودور الرشيق سريع الحركة، لكنه الانتهازي للإنجاز الضحل..

فما رأيكم دام فضلكم؟؟
 
كرامة المرأة "المغربية" أيتها الحكومة "المغربية"!
فؤاد وجاني
كتب: فؤاد وجاني - كولورادو - -

معلوم عن المغاربة الذود عن الحياض ورباطة الجأش والدفاع المستميت عن أعراض المغاربة والعرب والمسلمين كافة.  التاريخ العالمي زاخر بملاحم المغاربة ضد الاحتلال الفرنسي والإسباني والبريطاني، وشاهد على مناقبهم عبر الزمن.  يكفي ذكر عبد الكريم الخطابي وقبائل الريف وقبائل آيت باعمران وأسماء المقاومين لترتعد فرائص الاحتلال الإسباني والفرنسي وتزلزل الأرض من تحتهما.  بل إن المغاربة الأمازيغ قادوا الفتوحات الإسلامية نحو الشمال، ولولا مغاربة من فئة طارق بن زياد وجيوشه الأمازيغيين الأبطال لما وصل الإسلام الى شبه الجزيرة الإيبيرية ولما كانت هنالك حضارة بالأندلس.  بل إن طموح الأمازيغ المسلمين كان يسعى لفتح أوروبا كلها لولا تقاعس الدولة الأموية التي أمرت طارق بن زياد عبر حاكمها موسى بن نصير بالتوقف عن الفتح، فأطاع طارق بن زياد أمر الخليفة في الشام حفاظا على وحدة الأمة الإسلامية، ولو أنه مافعل لكانت جدران البنايات الإسكندنافية اليوم منقوشة بآيات قرآنية كما هي في الأندلس.  لولا المغاربة لما ظل الإسلام في الأندلس ثمانية قرون بعد تحول الخلافة الإسلامية الى إمارات صغيرة مشتتة جمعها المغاربة مرات عديدة بحدي السيف والعزيمة في معركة الزلاقة -وماأدراك ما الزلاقة- بقيادة المرابطين وإمرة يوسف بن تاشفين، وأخرى بزعامة الموحدين تحت إمرة أبي يعقوب يوسف ثم أبي يوسف يعقوب المنصور.  المغاربة هم من حثوا على العلم ورعوه في الأندلس، ولولاهم لما كان هنالك ابن طفيل ولا ابن رشد ولا ابن غيرهم ولاهم يولدون.

اسألوا البرتغال عن طردهم من قبل السعديين، واسألوا المنصور الذهبي عن نشر الإسلام في أدغال إفريقية، واسألوا صلاح الدين عن الباب اليماني الذي تولاه المغاربة الأسود حماة القدس الشريف، واسألوا ليالي الجولان وماء اليرموك عن لواء المغاربة، واسألوا جبال أفغانستان عن المجاهدين المغاربة أيام الاحتلال السوفياتي.

لقد نودي المغاربة للدفاع عن الحرائر فلبوا النداء مؤمنيين بأن كلمة التوحيد هي الجامعة الرابطة بينهم وأشقائهم العرب والمسلمين، وضحوا بالروح والنفيس في سبيل شرف العرض واستقلال الأرض.

لن نحصر المعارك التي خاضها المغاربة بالنيابة عن العرب أجمعين سواء في أوروبا أو في أدغال إفريقيا أو في المشرق. لعلها معارك لاتدرس اليوم في المدارس العصرية الثنائية والثلاثية اللغة المسخة التي تتفنن في وأد أثر الماجدين العظماء من هذه الأمة.  أثر روته دماء المغاربة وكتبته الصحف بمداد من ذهب يرصع جبين التاريخ.

بعد كل هذا التاريخ المضيء، تأتينا اليوم شرذمة من الكويتيين (الناقصين بلهجة الكويت) لتسخر من طارق بن زياد في أحد مسلسلاتها المائعة الفارغة من الرجولة والحياء بينما لايتفوهون كلمة واحدة ضد الاحتلال الموجود فوق أراضيهم.

الشعب المغربي ليس ضد حرية التعبير،  بل إن الشعب المغربي يشجعها ويحث عليها خاصة في ظل عقود تعاقبت عليه من الاضطهاد والقمع.  وإذا كانت السلسلة الكويتية قد فضحت بعض مساوئ الأخلاق كانتشار الرشوة والبغاء والشعوذة والخلاعة وأوكار القمار والفساد في بعض أنحاء المغرب، فإن  المغاربة يقولون لكم بملئ الفم: شكرا ، لأننا جميعا في أشد الحاجة الى النقد الذاتي، فتلكم مفاسد عندكم وعندنا !

أما أن تتطاول الألسنة الكويتية على طارق بن زياد ورموز التاريخ الذين قضوا نحبهم مدافعين عن كرامة وحرية الإنسان العربي والإسلامي، فذلكم جرم بحق الأرض والتاريخ والمغاربة أمازيغا وعربا.

رد الحكومة المغربية الحالية البعيدة كل البعد عن آمال ومشاكل الشعب المغربي وطموحاته كان خائبا كما جرت عليه العادة، فخرج علينا وزير اتصالها مهندما محزما بربطة عنق ينفخ ويزمر ويطبل ليتحدث عن كرامة المرأة المغربية وكرامة الرجل المغربي اللتين لم تحفظهما الحكومة المغربية.

كرامة المرأة المغربية -ياوزير سنوات الظلام- أحطت من قدرها الحكومة حين غيرت مدونة الأحوال الشخصية ورفعت السن "القانوني" للزواج وزجت بالمرأة في الشارع.  كرامة المرأة داستها الحكومة بالنعال حين لم تمنع الصهاينة من تأسيس دور القمار والملاهي الليلية في أغادير وطنجة والدار البيضاء رغم أن دستور البلاد تتصدره هذه الجملة : "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة".  كرامة المرأة المغربية دنستها الحكومة حين تغاضت عن الشعوذة المنتشرة في المغرب بل أطلقت لها عنوة العنان وحاربت بدلها المساكين من بائعي الخضار المتجولين في الشوارع على أنهم يوسخون سمعة البلاد.  كرامة المرأة المغربية لطختها الحكومة حين فرضت البطالة على ملايين الشباب من الرجال والنساء، وعطلت فيهم روح المبادرة، وقتلت فيهم الطموح لبناء المغرب، وجعلت الشغل امتيازا من نصيب ذوي القربى والأرحام وليس حقا لكل مواطن.  كرامة الموظف الحكومي المغربي أهانتها الحكومة حين بخلت عليه في الأجور وتركته عرضة لارتفاع الأسعار وكأنها تدعوه ضمنيا لقبض الرشوة.

أين كرامة المغاربة حين اعتدت شرطة الحدود الإسبانية على مغاربة قادمين من بلجيكا في مليلية المحتلة بسبب حيازة العلم المغربي وافتخارهم بانتمائهم لأرض مغرب الأحرار، فانهال عليهم الإسبان بالضرب وساموهم شتى ألوان التعذيب والسب والإهانة في خرق سافر لحقوق الإنسان وحرية التنقل والتعبير.  وماذا كان رد الحكومة المغربية: احتفاء بوزير داخلية اسبانيا واستقبال بالأحضان ودعوة للحوار وكأنها تكرمه على إهانة المغاربة! نفسها إسبانيا دفعت أربعة عشر مليون يورو لأعضاء القاعدة في مالي مقابل تحرير إثنين من مواطنيها، وكأنها تبعث برسالة ضمنية إلى المغاربة مفادها أن المواطن الإسباني عزيز على وطنه أما المواطن المغربي فلايستأهل سوى ثمن العصا ولغة الضرب.

أين كرامة المغاربة حين اختطفت سفارة النرويج أولاد العداء العالمي السكاح -الذي رفع الراية المغربية في كثير من المحافل- من عقر الدار المغربية وهربتهم الى والدتهم بالنرويج دون أن يلقى المختطفون حسابا أو عقابا؟
أين هي السيادة ياسيادة الوزير ؟ أين كرامة المغاربة – ياسيادة الناطق الرسمي باسم الحكومة -حين اعتدى ابنكم الموقر على أحد المواطنين العزل وسط العاصمة الربــاط أمام بناية أعلى سلطة تشريعية بالبلاد، أمام قبة البرلمـان، وحين تدخلت الشرطة للقبض عليه تراجعت بعد التعرف على هويته النبيلة وسط استنكار المواطنين الذين شهدوا الحادثة؟؟

إن الحكومة الحالية خيبت آمال الشعب في الرد الزاجر العادل المسترد للحقوق المنهوبة والمسلوبة، وكان الأحرى بها أن تصدر قانونا يمنع السياحة الجنسية، ويفرض التأشيرات على الوافدين والزائرين من دول الخليج وفي مقدمتها الكويت والسعودية، وتقييدها بشروط صارمة كفرض كفيل مغربي يضمن الزائر الخليجي ويحتفظ بجواز سفره طيلة مدة إقامته مع تحديد مدة الزيارة وأسبابها وعنوان الإقامة في المغرب، وأن تنزل أقصى العقوبات الجنائية على كل نفس مريضة تحسب المغرب مرتعا للتنفيس عن الشهوات ودارا لممارسة الفواحش والبغاء.

كان الأجدر بالحكومة المغربية أن تفتح ملف سبتة ومليلية المحتلتين، وأن تقطع المنتجات الزراعية والسمكية والفوسفاطية عن إسبانيا، وأن تغذي النزعات التحررية داخل شمال اسبانيا وجنوبها،  وتدعم المورسكيين، كل ذلك ضمن برنامج واضح الأهداف لاسترجاع سبتة ومليلية في وقت معلوم لايقبل التأجيل ولاالتأخير.

كان الأجدر بوزراة الثقافة أن ترد الصاع صاعين، وتنتج سلسلات ساخرة تعري حقيقة بعض الكويتيين والخليجيين في عقر دارهم ومعاملاتهم للبدون وحياة الترف والبذخ واللامبالاة والعنصرية التي يعيشونها، وكيف أن المصريين هم الذين يبنون مساكنهم، والهنود هم الذين ينظفون شوارعهم، والفلبينيين هم الذين يرضعون أولادهم، والأندونيسيين هم الذين يعدون طعامهم، والأمريكيين هم الذين يتولون الدفاع عنهم، ولتأت قناة الوطن الكويتية بعدها لتفتح فمها -الذي لاتملكه- على الشعب المغربي الذي لم يستجد يوما أحدا كما يفعلون.

هكذا تسترد الكرامة ياحكومة مغربية بدل أن تولولي على لسان وزير اتصالك: ياويلتي...ياويلتاه! . إن المغاربة لم تعد تشرفهم هكذا مواقف مخزية ولاهكذا حكومة.

* شاعر وأديب مغربي يعيش في ولاية كولورادو الأمريكية


 
الترقيع... ولا العدم !!
عمر عياصرة
كتب: عمر عياصرة  - عمان - -

لم يعد بوسع حكومة سمير الرفاعي إغلاق كافة الملفات المأزومة التي باتت تشكل سوارا صلبا يحيط بها ويضعف موقفها ويقلل من فاعليتها واستجابتها.

حكومة الرفاعي ووفق سيرتها الحالية، تبدوا وعلى القطع، غير مرشحة للاستمرار في الولاية العامة بعد الانتخابات النيابية المزمع عقدها في تشرين الثاني القادم.

 هذه الأجواء المأزومة المثقلة بحزمة القضايا العصية على الفهم والحل، وكذلك قرب انتهاء العمر الافتراضي للحكومة، جهلت الحكومة اقل لينا (سياسة)  في التعاطي مع هذه الملفات الساخنة.

وعلى ما يبدو أن السيكولوجية الحاكمة للفريق الوزاري اليوم، هي اقرب ما تكون لعقل جمعي يدير جرافة أو بلدوزر، يمضي في طريقه، ولا يعنيه ما يكون حوله من ضجيج.

هذا السياق التأزيمي والعرفي للمشهد السياسي والاجتماعي، جعل خيار تغيير الحكومة قبل الانتخابات مطروحا ومطالبا به من قبل الكثيرين، لكننا ومع مرور الوقت أدركنا تضاؤل حظ هذا التغيير من روزنامة مطبخ القرار، فأصبحت التصويبات حاجة مرحلية ملحة ولا مانع لها.

مشكلة المشاكل، أن الأزمات التي تواجهها الحكومة تتصف بالفرادة النوعية والكمية على السواء، وهي مرشحة أيضا للتبدل والتطرف وإنتاج مزيد من الأنواع، فالسياسي حاضر بقوة في الأزمة وكذلك الاقتصادي والخدماتي والإداري والثقافي والإعلامي، فالخلطة معقدة، والوزراء لا طاقة ولا علم لهم بها.

 إن اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي المعرقل بالمقاطعة، وظهور أزمة انقطاع المياه والكهرباء غير المسبوقتين،  وكذلك تفشي التذمر الشعبي والنخبوي من الأجواء العامة، هذه السياقات تستدعي وبأسرع وقت، القبول بحلول مرحلية تتناسب مع فلسفة الترقيع المرفوض إتباعها كسياسة دائمة.

فلا مانع اليوم من نقل بعض الملفات المأزومة والمعقدة ( قضية المقاطعة) إلى جهات متنفذة خارج الحكومة، رغم إصرارنا الدائم على ضرورة إبقاء جميع ملفات الولاية العامة بيد الحكومة فقط لا غير، إلا أننا اليوم أمام حكومة تراكم الملفات وتمهرها بخاتم الأزمة دون ابتداع مسارب أخرى.

المعلوم أن الوطن للجميع، والأزمات حين تلفه من أقصاه إلى أقصاه سيتضرر هذا الجميع وستؤرّقه الأوضاع، لذلك نحن مع الحلول الجذرية لمشاكل الوطن، والتي تبدأ وتنتهي عند مزيد من الإصلاح السياسي.

 لكننا وفي ظل الحالة اليوم نطالب بالتحرك وتخفيف الاحتقان وإجراء تحسينات ترقيعية، قد تمنع أو تؤخر المزيد من الأخطاء والأخطار.

 

 

 
 
قناة وصال باللغة الفارسية ( صوت صدقٍ في زمن الخديعة )
زكريا النوايسة
كتب: زكريا النوايسة - العقبة - -  
 
 لا نحتاج إلى كثير من الجهد لإماطة اللثام وإثبات الخطة الممنهجة التي يتبناها أصحاب المشروع الطائفي الشيعي ، لصبغ الفضاء الإعلامي بصبغته وملئه بالعديد من أدواته التحريضية من قنوات تلفزيونية وإذاعية لا شأن لها إلا التبشير بدولة المهدي ، والتي لا يرى أصحاب العمائم السوداء والقلوب كذلك أي وجود لهذه الدولة إلا بسيادة الخطاب الشيعي ألإلغائي على ما سواه.

 ولعل أهم ما يلاحظ في خطاب هذه القنوات الإعلامي ، أنه مسدد وموجه إلى فئة بعينها ،وهي فئة أهل السنة دون سواهم ، ويرافق ذلك إشارات خجولة لبعض القضايا الإسلامية في توظيف خبيث يمكنها من الاختباء خلفه حتى لا تنكشف خبيئتها من زيف وضلال.

  وهذا الأمر يعطينا إشارات واضحة للهدف الأساس الذي يحاول أصحاب هذا المشروع الطائفي التوسعي تكريسه ، والذي يهدف إلى ضرب المفهوم الحقيقي والنقي للإسلام ،واستبداله بشكل جديد يقوم على عقائد شوهاء من شعوذات ولطميات وخزعبلات تصل في كثير منها إلى حد الإسفاف والدونية ، بل إلى درجة أقرب إلى البهيمية التي يأباها ويترفع عنها العقل البشري السوي.

  ومن هنا وأمام هذا المد الأسود باتت الحاجة ملحة لإيجاد واجهات إعلامية تفضح زيفه وتظهر مدى تهافت ما يدعيه وإزالة القناع عن وجهه القبيح ، هذا الوجه الذي أصبح معول هدم وخراب ، فضلا عن دوره في صرف الأنظار عن الأخطار الأساسية التي تواجه الأمة ليبقى انشغالها في دوامات من الشبهات والهرطقات التي لا تستند إلى حق ولا يقبلها عقل.

  وقد جاء الإعلان عن إنشاء قناة وصال باللغة الفارسية خطوة موفقة ، لتكون واجهة إعلامية تستطيـع أن توصـل الخطاب الإسلامي بمعانيه السامية والنقية إلى الجمهور الإيراني وبالذات منه ( الشيعي ) الذي سممت أفكاره وحرفت بوصلته عن دينه الحق أبواقه الشيطانية المضللة.

   وتعدّ هذه الإطلالة الإعلامية الذكية ضربة موجعة للقبضة الحديدية ، واختراقا للجدار السميك الذي تفرضه الحكومة الشعوبية الطائفية في إيران على وسائل الإعلام وخاصة تلك التي تتبنى خطابا مغايرا لخطاب ملالي قم، ومن قبلها كان الحضور اللافت للنظر لواجهتين إعلاميتين على ذات الدرب الهادف لكسر الصنم الرافضي وهما قناتا وصال وصفا ، اللتان أخذتا على عاتقهما مسؤولية كشف المسكوت عنه من عقائد وباطل طالما خُدع وضُلّل بها العديد من المسلمين وما زال.  
    


 
تغييب الاحتلال: سياسة مدروسة تعزز نظرية السلام الاقتصادي
عبد الحميد صيام
كتب: عبد الحميد صيام - نيويورك - -

الزائر لفلسطين المحتلة يندهش لكثرة ما يسمع كلمتين مترابطتين تـُذكران على أنهما من أعظم إنجازات حكومة سلام فياض وهما الأمن والأمان.  يتحدث الناس عن ماض قريب كانت شلل الزعران تتحكم في شوراع نابلس وعصابات كانت تختبئ في مخيم الأمعري و"شبيحة" يجوبون المناطق دون مساءلة من جهاز أو انضباط لقانـون أو تخوف من عقاب. ويقول الكثيرون، شكرا لفياض وحكومته، إن أجهزة الأمن الموحدة الآن استطاعت ضبط الأمور وإخضاع كافة العناصر المنفلتة وغير المنضبطة التي أفرزتها الانتفاضة الثانية لسلطة مركزية واختفت عمليات السطو والسرقة إلى حد كبير. كما أن ظاهرة تسكع شباب الأمن في شوارع رام الله وملاحقاتهم الفتيات بطريقة مقززة قد اختفت تقريبا. فلم تكن تنجو منهم فتاة في الماضي دون تعليق أو "بحلقة" بعيون شرهة تكاد تمارس الاغتصاب جهارا نهارا، أما اليوم فلا تجد شبابا يتسكعون في الشوراع لا عمل لهم إلا متابعة الفتيات وتشعر أن الكثير من هؤلاء يسيرون بجدية بائنة وكأنهم في مهمات مستعجلة. وقد لاحظت أن أفراد شرطة السير يتحدثون مع الناس بأدب ويحاولون ضبط تدفق السيارات بنوع من المهنية العالية ويصدرون المخالفات لكل من يخترق  قواعد السير بشكل جدي. كما يتحدث الناس أيضا عن انتهاء ظاهرة تناحر الأجهزة الأمنية المختلفة وتنافسها  والتي وصلت إلى حد إطلاق النار على بعضها البعض في المطاعم والملاهي، تذكـّر الناس أو بعضا منهم بجمهورية الفاكهاني سيئة الصيت والسمعة.

أضف إلى هذه الحالة الأمنية، ظاهرة أخرى لا تخطئها العين خاصة لزائر مثلي، وهي الانتعاش الاقتصادي وخاصة في رام الله، مقر السلطة ومؤسسات الدولة التي أفرزتها أوسلو. الانتعاش الاقتصادي لا تجده في قلقيلية أو جنين أو بيت لحم أو أريحا أو بقية المدن والبلدات الفلسطينية.  هناك حراك اقتصادي محدود في نابلس والخليل وموات في القدس التي تعيش مأساتها بطريقتها الخاصة وتحتاج إلى مقال بل مقالات عديدة لتغطية جوانب المأساة التي يعيشها المقدسيون أو من بقي منهم على كافة المستويات الوطنية والاقتصادية والإنسانية.

الانتعاش الاقتصادي يبدو جليا في رام الله، العاصمة/الدولة، لأنها مركز السلطة وأجهزتها ووزاراتها العديدة، ومركز الاستثمار وتجارة العقارات بأسعارها الخيالية. كما أن فياض "بحبح" المعاشات لكافة موظفي السلطة الذين يزيد عددهم عن 165،000 لتصل إلى ألفي شيقل أو ثلاثة وهذا مبلغ محترم قياسا لما كانوا يتقاضونه أيام ياسرعرفات والذي كان بحدود ال 800 شيقل.

الاحتلال وإجراءات التخفيف

هذه المظاهر الإيجابية جاءت على حساب القضية الوطنية  التي تتمحور حول تعبئة الجماهير وحشدها في مقاومة، حتى ولو سلمية، ضد الاحتلال. الاحتلال أصبح الغائب الأكبر في الأراضي الفلسطينية المحتلة من أقصى نقطة في منطقة الخليل إلى قرى جنين في أقصى الشمال. ومظاهر تغييب الاحتلال تبدو جلية في الممارسات التالية:

أولا: هناك تخفيف واضح في عدد الحواجز التي كانت تذيق الشعب الفلسطيني مرارة الإهانات يوميا. التخفيف المتعمد يعزز الانطباع بأن الاحتلال غائب. فطالب الجامعة الذي كان يقضي ساعات على الحواجز للوصول إلى جامعته، يشعر بالسعادة والراحة النفسية عندما يخرج من بيته في دير دبوان أو مخماس أو بيت حنينا أو ترمسعيا قبل المحاضرة بساعة فلا يجد عائقا على الطريق ويجلس على مقعده على الوقت. وكذلك الموظف والطبيب وبائع الخضار والنجار والمعلم.  لكن هذه الحواجز الصامتة تتحول إلى بوابات مغلقة في حالات الطوارئ الأمنية. وهي معمولة بطريقة لئيمة بحيت يتم إقفال المدن والبلدات والقرى خلال دقائق ويحولها إلى سجون انفرادية محكمة الإغلاق مقفولة بمتاريس فولاذية وترسانة أسلحة جاهزة للقتل.
 
ثانيا: الاعتقالات تجري في عتمة الليل بهدوء ودونما ضجيج. في الماضي كانت قوات الاحتلال عندما تريد اعتقال أحد ترسل قوة ضخمة بدبابات ومدرعات وناقلات جنود وتطلق النار في كل اتجاه وتصب حمما من القذائف وغالبا ما تحلق الطائرات العمودية فوق المكان، ويتم اعتقال المطلوبين تحت غطاء مكثف من إطلاق النار والقذائف. اليوم يتم التسلل بعد منتصف الليل إلى مكان المطلوبين فيتم اعتقالهم بكل هدوء بحيث لا أحد يعرف عن الاعتقال إلا في اليوم التالي عند انتشار الخبر بين الناس.

ثالثا: السلطة تمارس الاعتقالات بطريقة فظة غليظة جهارا نهارا لتنشر الرعب في قلوب المعارضة، وخاصة من أنصار حركة حماس هادفة إلى نشر الخبر لبسط هيبة السلطة.  السلطة الآن تتقمص دور الاحتلال فتصبح صورة عنه، كما يقول فرانز فانون في تحليله للسلطة التي يزرعها المستعمر. بل إن ممارسات السلطة الفظة تحول الاحتلال، بإرادتها أو بغير إرادتها، إلى جهاز أكثر إنسانية. وعندما يقال أمامك إن فلانا قد اعتقل، يسأل الحاضرون من اعتقله السلطة أم إسرائيل، ثم تتلاحق التعليقات بأن المحظوظ من تعتقله إسرائيل والتعيس وسيء الحظ من تعتقله السلطة.
 
رابعا: يتم التنسيق مع السلطة في المناطق ألف عندما تريد إسرائيل أن تعتقل أحدا. من المفروض أن المناطق ألف خاضعة تماما للسلطة الفلسطينية إدارة وأمنا، ولا يجوز لإسرائيل أن تدخلها. لكن إسرائيل، غير معنية بهذه الاتفاقيات، وتمارس ما تشاء من اعتقالات ومداهمات، كما حدث في اقتحام سجن أريحا في آذار (مارس) 2006 واعتقال أحمد سعدات والشوبكي والمجموعة التي اغتالت رحبعام زيفي انتقاما لمقتل أبو على مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية. وكما حدث في اقتحام مخيم بلاطة في تشرين الأول (أكتوبر) 2009 وقتل ثلاثة كانوا قد سلموا سلاحهم للسلطة مقابل إعطائهم الأمان من الاعتقال أو التصفية.

خامسا: إلهاء الشعب الفلسطيني في قضايا ثانوية كالمهرجانات الغنائية المتعددة والألعاب الرياضية وإقامة الاحتفالات الكبيرة لإنجازات صغيرة. فقد شهدت  البلاد خلال هذا الصيف عددا كبيرا من المهرجانات التي ضمت فرقا محلية وأجنبية تدفق عليها الفلسطينيون بالآلاف وكأنه تعبير عن حالة من الإحباط في غياب أي أمل في انفراج سياسي شامل. ومن بين هذه المهرجانات: مهرجان فلسطين الدولي الثاني عشر في قصر الثقافة برام الله، والذي شاركت فيه عشر فرق من بينها فرق من اسبانيا وبريطانيا وجورجيا والأردن ومغن من الجزائر.  كما أقيم في بيت عنان مهرجان ليالي القدس لمدة أربعة أيام، وأقيمت مهرجانات أخرى في بيت لحم، والخليل، وجنين وبلدة عابود، وفرخة قرب نابلس وغيرها. طبعا من حق الفلسطينيين أن يفرحوا ولكن ليس من حق أحد أن يتصرف وكأن البلاد غير قابعة تحت الاحتلال.

هذه هي النتائج

الصورة الآن تشير إلى تناقض صارخ وخطير، ففي الوقت الذي تركت هذه الإجراءات المدروسة انطباعا ظاهريا أن الأمور تكاد تكون عادية، يغرز الاحتلال بأنيابه عميقا في اللحم الفلسطيني فيكاد يختم الفصل الأخير من تهويد القدس وتفريغها من سكانها العرب، كما أن المستوطنات تلتهم أكثر من 40%  من أراضي الضفة الغربية الخصبة، أضف إلى ذلك أن الاحتلال يمتص أكثر من 80% من مياه الضفة الغربية تاركا الفلسطينيين في أكثر صيف حار في تاريخهم الحديث يوزعون الماء الشحيح بالقطارة لصد ظمأهم بينما يتبرد المستوطنون في برك السباحة على مرأى من أصحاب الأرض المنهوبة، ثم إن شبكة الطرق التي تفصل المستوطنين عن محيطهم العربي اكتملت أو كادت بحيث يستخدم المستوطنون طرقا ممنوعة على أهل البلاد وتجنبهم المرور من بين قراهم وبلداتهم، لكنها تمنح تراخيص خاصة لكبار المسؤولين في السلطة وبعض الأطباء وأساتذة الجامعات لاستخدام نفس الطرق. أما جدار الفصل العنصري فقد التهم حصته أيضا من الأرض وقد اكتملت أجزاؤه الشمالية والغربية والجنوبية ولم يبق إلا إن يطبق ذراعيه من الجانب الشرقي ليحشر الفلسطينيين في أكبر سجن في العالم متفوقا بذلك على سجن غزة وربما تدخل فلسطين موسوعة غينيس للأرقام القياسية  للمرة الثالثة بعد  أكبر طبق مسخن وأكبر صيية كنافة.

 النتيجة التي يصل إليها المراقب بعيون حادة أن ما يجري على الأرض يلغي وبشكل نهائي قيام دولة فلسطينية مستقلة مترابطة الأطراف ذات سيادة تسيطر على أراضيها وحدودها ومصادرها الطبيعية. فبعد تثبيت هذه الحقيقة على الأرض بعد سبعة عشر عاما من قيام سلطة أوسلو العتيدة  فلا مانع لدى إسرائيل أن يحتفل الفلسطينيون بمهرجان الزيتون، ويسمون شارعا باسم الشهيد خليل الوزير ويطلقون الألعاب النارية التي تضيئ السماء عند إعلان نتائج الثانوية العامة، ويقيمون الأفراح والليالي الملاح عند خروج سجين على مشارف الموت من زنازين الاحتلال، ما دام الشارع الفلسطيني غير قادر أو غير مسموح له أن ينظم مظاهرة حاشدة تضامنا مع غزة أثناء محرقتها نهاية 2008 وبداية 2009، بينما يتدفق الآلاف إلى ميدان المنارة في العاصمة/الدولة منتصف الليل ليحتفلوا بفوز إسبانيا على هولندا في المباراة النهائية لكأس العالم، وما دام رئيس الشين بيت، يوفال ديسكن، يستطيع أن يقضى يوما كاملا في جنين ضيفا على السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية كما جاء في صحيفة هارتس يوم 12 تموز(يوليو).

*أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك

 
 
قرار حق العمل لفلسطينيي لبنان: مجرد ديكور توافقات داخلية
د. أحمد أبو مطر
كتب: د.أحمد أبو مطر- أوسلو - -

القرار الذي أقرّه مجلس النواب اللبناني يوم الاثنين السابع عشر من أغسطس، الخاص بمنح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حق العمل في كل القطاعات المسموح بها للأجانب، في ظاهره قرار عادل ومنصف يوقف قرارات وممارسات عنصرية سابقة، كانت تمنع الفلسطيني من العمل فيما لا يقل عن سبعين وظيفة. وكان هذا الموضوع محل نقاش طويل في مجلس النواب اللبناني منذ شهور عديدة، حيث شهد اصطفافات وانقسامات بين مؤيد ومعارض، واختلافات حول المضمون والتفسير فيما يتعلق بحدود الحقوق التي يمنحها القانون المقترح للاجىء الفلسطيني. لذلك كان التوافق سريعا على مسألة منح الفلسطينيين حق العمل والضمان الاجتماعي، ومن المهم ملاحظة الصيغة التي وردت فيها هذه الموافقة، إذ جاءت ضمن سياق ( حق العمل في كل القطاعات المسموح بها للأجانب )، أي أنّ اللاجىء الفلسطيني المقيم منذ عام 1948 ، وتسعين بالمائة من الأحياء منهم اليوم من مواليد لبنان، فغالبيتهم ولدوا بعد عام 1948 في الأرض اللبنانية، ومع ذلك ما زالوا في عرف مجلس النواب اللبناني أجانب، وهذا ينزع الصفة العربية عنهم، وصفة المسلم منهم عند أعضاء مجلس النواب المسلمين، وصفة المسيحي منهم عند أعضاء مجلس النواب المسيحيين، وهذا يعزّز الرأي القائل بأنّ القرار مجرد ديكور لتوافقات داخلية شكلية لا تحمل أي مضمون فعلي، رغم الترحيب بذلك من مصادر فلسطينية ولبنانية ودولية.

 ديكور لتوافقات شكلية لبنانية

منذ بدايات الهجرة والنزوح الفلسطيني عام 1948 كانت فسيفساء التكوين الاجتماعي اللبناني تنعكس على وجود اللاجئين الفلسطينيين، فالمسلمون الشيعة يتخوفون منهم على اعتبار أنّ غالبيتهم مسلمين سنّة، وبالتالي إعطاؤهم حقوقهم المدنية والإنسانية يصبّ في خانة دعم اللبنانين السنّة، وكذلك التكوين المسيحي اللبناني كان يتخوف من أ،نّ وجودهم كمسلمين يصبّ في خانة تغليب الديموغرافية الإسلامية. لذلك في مناقشات مجلس النواب اللبناني الأخيرة، كان أشد المعارضين لأية حقوق مدنية للفسطينيين هو العماد ميشيل عون رئيس التيار الوطني الحر حليف حزب الله، رغم أن الحزب كان من الموافقين على حق العمل للفلسطينيين. ويستعمل الجميع فزّاعة التوطين وحق العودة شماعة لاضطهاد الفلسطيني بشكل لا مثيل له حتى في أي قطر عربي مجاور، حيث حياتهم في الأردن وسورية المجاورتين أرفع وأفضل كرامة في الكثير من المجالات، فكل الفلسطينيين في الضفة الغربية أصبحوا مواطنين أردنيين بعد ضم الضفة الغربية للمملكة الأردنية الهاشمية، وأصبح الفلسطيني يصل لمنصب الوزير ورئيس الوزارة ومدير دائرة المخابرات العامة، ووجوده كالمواطن الأردني ابن شرق الأردن، وكذلك في سورية حيث يعمل الفلسطيني في كافة الوظائف المدنية، ويمارس الخدمة العسكرية في جيش التحرير الفلسطيني، وفقط لا يشارك في الانتخابات البرلمانية، وهذا أمر مفهوم كونه ليس مواطنا سوريا.

 لذلك فإن القرار الصادر عن مجلس النواب اللبناني حول منح الفللسطيني حق العمل مثل الأجانب، لن يغير الحالة الكئيبة السائدة، لأن أصحاب العمل هم مواطنون لبنانيون، وبالتالي من الصعب التخلي عن عقد وممارسات ستين عاما، كما أنّ الوضع السابق كان يتيح للمستغلين عديمي الضمائر من أصحاب العمل، أن يمارسوا ابتزازا رخيصا عبر تشغيل الفلسطيني برواتب أقلّ بكثير من مثيله اللبناني، فيوافق حرصا على الحصول على لقمة العيش لأهله ولأسرته. وما يزال سائدا ومعروفا أن أطباءا فلسطينيين متخرجين من جامعات غربية محترمة، ولهم خبرة يندر مثيلها في لبنان، يوافقون على العمل كممرضين بأجور أقلّ لأنهم يريدون البقاء في لبنان مع أهلهم وعائلاتهم.

وماذا عن حق التملك وإعمار المخيمات؟

الطريقة التي اعتمد بها مجلس النواب اللبناني قرار حق العمل للفلسطيني، اعتبرها كثيرون مجرد لفلفة وتأجيل للموضوعات الحاسمة التي لها علاقة بالوجود اإنساني الكريم للفلسطيني الذي يرفض التوطين قبل اللبناني، لكن من حقه العيش الكريم مثل الأوربي والأمريكي في لبنان. فماذا يحمل من خطر عندما يتملك الفلسطيني شقة سكنية له ولأسرته؟ ولماذا أصبح هذه خطر بينما لم يكن خطرا قبل عام 2001 عندما كان من حق الفلسطيني تملك شقة سكنية؟. أما وضع المخيمات الفلسطينية ومستوى العيش فيها، فلا يتخيله عاقل في أدغال الغابات، حيث أصبحت المخيمات شبه جيتوات معزولة، مطوقة بقوات الجيش وميليشيات أخرى، يخضع الداخلون إليها والخارجون منها لحواجز تفتيش عسكرية، تذكرك بالحواجز الإسرائيلية عند التنقل من وإلى الضفة الغربية، ويمنع إدخال الإسمنت ومواد البناء والترميم إليها. وكذلك من المهم ملاحظة مسألتين نادرا ما يتم طرحهما:

 الأولى: مسألة شطب ألاف من اللاجئين الفلسطينيين من سجلات الحكومة اللبنانية كلاجئين، إما لإقامتهم حسب ظروف العمل في الخارج، أو لحصولهم على جنسيات أخرى، رغم أنّ كافة القوانين لا تلغي الأصل لمجرد الحصول على جنسية جديدة.

 الثانية: الالتباس الحاصل والعقد المريرة الخاصة بحصول اللاجىء الفلسطيني في لبنان على وثيقة السفر اللبنانية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، ومن الصعب فهم أنّ حاملها الذي يعمل في الخارج يحتاج كل مرة يريد زيارة أهله المقيمين في لبنان إلى تأشيرة دخول، بينما كافة الجوازات العربية والأوربية والأمريكية لا تحتاج لأية تأشيرة دخول لا مسبقة ولا في المطار.

 تصوروا لو أنّ إسرائيل منذ عام 1948 ،

منعت الفلسطيني الذي بقي في وطنه من حق التملك، وحق حمل الجواز والجنسية الإسرائيلية، وحق العمل، هل كان الفلسطينيون الذين بقوا عام 1948 وعددهم مائة وثمانون ألفا، سيصبحون اليوم مليونا وربع المليون؟

 لذلك فالكثير من الهيئات الفلسطينية والدولية ترى أن قرار مجلس النواب اللبناني الأخير ، هو مجرد هروب من القضايا الأساسية التي ينبغي مواجهتها لتوفير حياة كريمة للفلسطيني. والمفارقة المبكية أن هذا اللاجىء الفلسطيني محروم من حقوق اللاجىء المعترف بها دوليا، ومحروم من حقوق الأجانب في لبنان، وبالتالي فهو لا يعرف وضعيته البشرية. وبالتالي فهذه الوضعية المبكية سوف تستمر طالما التوازنات الداخلية اللبنانية قائمة لأسباب طائفية دون أية خلفية سياسية، رغم تذرعها بالحرص على القضية الفلسطينية وحق العودة...إلخ هذه الشعارات الكاذبة التي تستعملها كل القوى والحكومات العربية. وهذا رأي العديد من اللبنانيين الوطنيين، فالأستاذ ناصر قنديل رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية والإعلامية والنائب اللبناني السابق، يرى ( أنّ هذا القرار الهزيل والذي جاء بعد مراوغات واحتقانات ومواجهات بين مختلف الكتل النيابية المتصارعة على ملفات عديدة، تتقاطع مع الوجود الفلسطيني في لبنان، يعكس تعقيد الوضع الداخلي الطائفي والعشائري والمناطقي في لبنان، أكثر من كونه حرصا على القضية الوطنية أو خشية توطين توحي به عقول مريضة معادية للحق الفلسطيني).

لذلك سوف تستمر معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وغيرها من الأقطار العربية بنسب متفاوته، إلى أن يتوصل العرب لأخلاق  وإنسانية وقوانين الأوربي والأمريكي والإسكيندينافي التي تمنح أي مواطن الجنسية كاملة الحقوق فور إقامته المدة القانونية المطلوبة.

0cc856dceefbd86b21327032dc26bb8f
www.dr-abumatar.net

www.dr-abumatar.info
 
عن حجر الزاوية
عاطف الفراية
كتب: عاطف الفراية - الشارقة - -

 من ركام البرامج والمسلسلات الدرامية في شهر رمضان المبارك، يمكن للمثقف المهتم أن ينتقي لعينه وأذنه الشيء القليل، الذي ينبئ عن فهم عميق، وإدراك، ورؤية، وبصيرة، وقد حرصت منذ أعوام على متابعة القليل من تلك البرامج، التي من أهمها عندي برنامج «خواطر» للإعلامي والداعية المثقف الشاب أحمد الشقيري، والذي سأعود إليه في مقالة مقبلة، وبرنامج «حجر الزاوية»، الذي دأب فيه الشيخ الدكتور سلمان العودة على أن يقدم فيه كل جديد ومدهش، من فكر التغيير والإصلاح، بعيداً عن الخطابة، والوعظ المباشر، والاستعراض الأجوف، والشعاراتية الفارغة، فهو يتناول بوعي عميق وهدوء وفهم، كل ما يمكن أن يصلح به حال الأمة من زاوية الوعي، والفهم السديد، واتباع المنهج الوسطي في الإصلاح، والتعامل الراقي، مع الفرد والمجتمع والأمم الأخرى.
 
وهو يؤمن بالتغيير البطيء، الذي يأتي بتراكم التنامي التربوي لدى الجيل، وهذا النوع من التغيير هو أثبت وأبعد أثراً في الإصلاح، لأنه ضد الطيش والطفرات، التي يحلم أصحابها بتغيير مفاجئ، ما يؤدي إلى انحراف في التفكير ويجر إلى عواقب سيئة.
 
بالطبع، لا يمكن الإلمام بالكثير الذي لفت نظري من البرنامج في مقالة كهذه، وإيفاؤه حقه، إلا أنني أتوقف اليوم مع جزئية محددة لفتت نظري، فقد ضرب الداعية المستنير في إحدى الحلقات أمثلة على التسامح الإنساني، كان منها ذلك الخبر عن الثري اليهودي الذي قام بالتبرع بالتكاليف الكاملة لبناء مسجد للمسلمين في إحدى دول الغرب، بعد تلك الحلقة بيومين أو ثلاثة، وفي الفقرة المخصصة لاستطلاع الآراء، والمتابعات حول البرنامج، ورد اعتراض من أحد المتابعين للبرنامج، يرى أن الاستدلال على التسامح الديني من سلوك الثري اليهودي، الذي بنى مسجداً، هو استدلال في غير محله، وأنه كان من الأجدى أن يتم الاستدلال بحالة معاكسة، كما لو أن ثرياً مسلماً تبرع لبناء كنيس يهودي، لأن المسلم أولى بالاستدلال على التسامح.
 
كان هذا رأي المتابع الذي أخذته الغيرة العاطفية، أما أنا، فأراهن برأسي لو أن ثرياً مسلماً تبرع ببناء كنيس يهودي على حسابه، في إحدى دول الغرب، لقامت الدنيا على رأسه في عالمنا العربي والإسلامي، ولتم نعته بأبشع الصفات، التي ستبدأ من خيانة الأمة، ثم تمتد إلى العمالة لإسرائيل، ولن تتوقف عند السفه والطيش والجنون، وقد يكون صاحبنا المتابع والمنتقد لمثال الدكتور سلمان العودة، أحد الذين ستأخذهم الغيرة، ويسهم في توجيه الاتهامات له.
 
ماذا لو ضرب أحدنا قرار بيل غيتس الأخير بالتبرع بنصف ثروته لأعمال خيرية، مثالاً على المواطنة الصالحة، وحب الخير والإحسان للإنسانية، ثم قيل له، إنك تتجنى علينا، وتمنح الذكر الحسن لمن لا يستحقه؟ انظر إلى المحسنين من أمتنا، وتحدث عنهم، هنا يغض المنتقد النظر عن حجم المليارات، التي تبرع بها بيل غيتس، وحجم الأثرياء الذين اقتدوا به، فقط لأنهم ليسوا عرباً ومسلمين، لكن لا أحد يسأل أين أثرياء العرب والمسلمين من هذا السلوك الإيجابي؟
 
أنا أراهن مرة أخرى أن وقع هذا التبرع على قلوب الأثرياء العرب كان سيئاً، وكل ما حسبوه أن القرار سيلفت نظر فقراء أمتهم إلى الحق المعلوم لهم في أموالهم، والذي نص عليه القرآن العظيم، لا أقول هذا من رأسي، فقد بادر إمبراطور المال، المكسيكي من أصل عربي، إلى وصف دعوة بيل غيتس لأثرياء العالم بالتبرع، بأنها دعوة حمقاء.
 
 الرؤية الاقتصادية - دبي
 
سنوات سبع عجاف
عريب الرنتاوي
كتب : عريب الرنتاوي - عمان - -

بالأمس، شنت الولايات المتحدة حربها الكونية على العراق بحثاً عن أسلحة دمار شامل، وتتبعاً لخيوط وخطوط العلاقة بين نظام صدام البعثي وقاعدة ابن لادن الإرهابية، ودائما تحت شعار: شرق أوسط أكثر أمنا وديمقراطية، بدءً من بغداد، بوابة التغيير العظيم ورافعته الكبرى، أما الوسيلة فبناء الأمة "Nation Building" على طراز ما حصل في ألمانيا ويابان ما عبد الحرب العالمية الثانية.

اليوم تغادر الولايات المتحدة العراق، وينسحب جنودها من هناك قبل الموعد المقرر خشية اقتناصهم في أضعف حالاتهم الدفاعية والهجومية، وبعد سنوات سبع عجاف من الاحتلال والقتل اليومي المجاني وفضائح الفساد وبلاك ووتر وأبو غريب. وبعد مليون قتيل عراقي وخمسة ملايين يتيم وأربعة ملايين لاجئ ومئات مليارات الدولارات المهدورة، ها هي واشنطن تعترف بأن عراق صدام حسين لم تكن لديه أسلحة دمار شامل، ولم يثبت لها أنه كان يتمتع بصلات بالإرهاب والقاعدة، حتى "يأجوج ومأجوج" اللذان أبلغ جورج بوش نظيره الفرنسي جاك شيراك أنهما يختبئان في بابل القديمة، وأنه ينوي خوض المعركة الفاصلة "هار مجدون" أو جبل مجدّو معهما، فقد فرّا إلى مثلث الحدود الباكستانية الأفغانية مرورا بإيران، وفقا لما يرويه الصحفي الفرنسي جان كلود موريس عن مكالمة هاتفية بين الرجلين عشية الحرب على العراق في 2003.

أيا يكن من أمر، فلسنا هنا بصدد إعادة تناول ما بات معروفاً للقاصي والداني من أكاذيب وأساطير إدارة جورج بوش والمحافظين الجدد وبلهوانيات كولن باول في مجلس الأمن، أو حتى الأكاذيب الساذجة في 10 داوننغ سترتيت، والظروف الغامضة لمقتل العالم البريطاني ديفيد كيلي، فكل هذا قيل بشأنه الكثير، فالأهم اليوم هو محاولة الإجابة على السؤال: كيف تترك الولايات المتحدة العراق، وهل أصبحت بلاد ما بين النهرين أفضلا حالا بعد سنوات سبع من الاجتياح والاحتلال؟.

في الحقيقة أن كل ما كتب تقريباً في هذه المناسبة، باستثناء النصوص الرسمية الأمريكية، تشير إلى أن عراق اليوم أشد خطورة ودموية وانقساما مما كان عليه الحال زمن صدام حسين ونظامه البعثي، وأن النظام القائم اليوم، أكثر فساداً ودموية وتشبثا بالسلطة واصطراعا عليها مما كان عليه النظام بالأمس، وأن "دولة المسجد والحسينية والقبيلة" التي خلّفها صدام حسين بعد ثلث قرن من حكم البعث، أشد عوداً وأفعل حضوراً من "لا دولة التعددية والديمقراطية والمحاصصة الطائفية والمذهبية" التي جاءت بها الولايات المتحدة، وأن دولة/ الأمة التي عجز البعث وصدام عن بنائها في العراق، باتت بعد سبع سنوات من الاحتلال، حلماً عصياً على التحقق والتجسيد في المدى المتوسط أو الطويل.

العراق تحوّل إلى ملاذ آمن للقاعدة والسلفية الجهادية بكل مدارسها، أصبح دولة فاشلة بكل المقاييس المتعارف عليها، وبعد أن كان سداً في وجه التوسع الإيراني بات جسراً يختصر طريق طهران نحو الشرق الأوسط وقلب العالم العربي وقضية فلسطين، وأن "مبدأ الدومينو" الذي حركته الدبابات الأمريكية التي اجتازت نهر دجلة، قد أخذ يفعل فعله في كثير من الدول العربية، فالمثلث السني في العراق تقابله مثلثات ومربعات في دول ومجتمعات عدة، والهلال الشيعي الذي ارتسم في سماء المنطقة بعد الحرب، تناظره أهلّة تطل على سماء دول ومجتمعات عربية عدة.

عراق ما بعد سنوات الاحتلال، هو عراق أخطر على أمن المنطقة واستقرارها وسلمها الأهلي وعيشها المشترك، والطبقة الفاسدة التي رأينا صورها على "ورق الشدة" في أول أيام الغزو، استبدلت بطبقة أشد فسادا ودموية وانتهازية، فهل هذا ما جاءت الولايات المتحدة من أجله، وهل هذا هو العراق الذي بشرونا بمقدمه الميمون، ولوّحوا به كخيار سيقض مضاجع الاستبداد والشمولية، ويقوض أنظمة الحكم الديكتاتورية والقمعية.

زعمت واشنطن أنها ستقطع رأس الدكتاتورية والتطرف في الشرق الأوسط كله وليس في العراق فحسب، لكنها بعد سنوات سبع عجاف، نجحت في توفير التربة المناسبة لاستنبات المزيد من الديكتاتوريات ونشر التطرف، والأنظمة التي "هزّها" التبشير بالديمقراطية من بوابة العراق، عادت لتستخدم العراق كنموذج طارد لشبح الديمقراطية، ولسان حالها يقول: هل تريدون ديمقراطية (عن جد)، هل تريدون عراقاً آخر.

تخرج الولايات المتحدة من العراق مهزومة، تجرجر أذيال الخيبة، هذا ما تذهب إليه معظم الكتابات والتقييمات هذه الأيام، بيد أن قلة قليلة منها يرى عكس ذلك تماما، يرى أن الولايات المتحدة نجحت أيما نجاح في العراق، بدلالة أنها استطاعت أن تمحو دولة من دول الاقتدار العربي من على خريطة المنطقة، وألحقت بالعراق وشعبه إعاقة مزمنة، لن ينجو من تداعياتها الكارثية لعشرات السنين القادمة، فهل نعدُّ ذلك نجاحا أم فشل، سؤال متروك لكل واحد منّا أن يجيب عليه.
 
نقد الواقع كمدخل لمستقبل أفضل
صبحي غندور
كتب: صبحي غندور - واشنطن - -

 العرب، إلى أين؟ فأجواء الانقسامات والصراعات الداخلية تحوم في أكثر من بلدٍ عربي، والمنطقة العربية تؤكل أراضيها وسيادتها بعدما أُكِلت ثرواتها وخيراتها لعقود طويلة ..

صحيحٌ أنّ للأطراف الخارجية، الدولية والإقليمية، أدواراً مؤثّرة في تأجيج الانقسامات، لكن ماذا عن مسؤولية الذات العربية نفسها عمَّا حدث ويحدث من شرخٍ كبير داخل المجتمعات العربية؟

ماذا عن مسؤولية المواطن نفسه في أيّ بلدٍ عربي وعن تلك القوى التي تتحرّك لتغيير الواقع وتعمل بين المواطنين وبين أبناء العروبة، وهل أعمالها كلّها تصبّ في صالح الأوطان ووحدتها؟!

إنّ أسوأ ما في الواقع العربيّ الراهن أنّه لا يحمل في سياق سلبياته المتراكمة ما هو بديل يشكّل مبعث أملٍ لمستقبلٍ أفضل، بالطبع مع استثناء ظاهرة المقاومة التي هي أصلاً معنيّة بالتحرير لا بالتغيير.

فالتداعيات الجارية في أكثر من بلدٍ عربي تحمل مخاطر وهواجس أكثر ممّا هي انطلاقة واضحة نحو نهضات وطنية وعربية.

ولو أمكن استطلاع رأي المواطنين العرب في أيِّ مكان عن واقعهم وعن رؤيتهم للمستقبل لكان الجواب مزيجاً من نقدٍ للواقع وخوفٍ من المستقبل.

خطورة هذا الأمر أنّه يفرز العرب بين تيّارين: تيّار اليأس والإحباط وفقدان الثقة بنتيجة أيّ فكر أو أيّ عمل، وآخر انفعالي متهوّر يرى في الانتحار وحده طريقه لبناء حياةٍ أفضل!

التيّار الأوّل يصبح عن غير قصد عاملاً مسانداً للأسباب كلّها التي دعت أصحابه إلى اليأس، كما يكون بمجرّد وجوده مبرّراً لوجود التيّار الآخر، إذ أنّ اليأس من أيّ عمل يعني الجمود والفراغ، وهذه مبرّرات كافية لانبثاق حركات تحاول ملء الفراغ ولو بمضمون خاطئ.

إنّ نقد الواقع ورفض سلبياته هو مدخلٌ صحيح لبناء وضعٍ أفضل، لكن حين لا تحضر بمخيّلة الإنسان العربي صورة أفضل بديلة لواقعه، فإنّ النتيجة الحتمية هي تسليمه بالواقع تحت أعذار اليأس والإحباط.

وكذلك هي مشكلة كبرى حين يكون هناك عمل لكن في غير الاتجاه الصحيح.

وأحسب أن المسؤولية عن تردّي هذا الواقع شاملة، شمولية المجتمع العربي لمن فيه من حكّام ومحكومين وسلطات ومعارضات.

فالأمر ليس "عدواناً خارجياً" أو "مخطّطاتٍ صهيونية وأجنبية" فقط، رغم وجود هذه المخطّطات ومخاطرها وأعمالها السلبية، إذ إنّ موقع العطب هو في "الداخل" العربي الذي أباح ويبيح استباحة "الخارج" لشؤون العرب وأراضيهم.

 إنّ العرب يواجهون تحدّياتٍ مصيرية تزامنت في هذه المرحلة وفي المدى القريب المنظور مع بعضها البعض: تحدّيات سياسية داخلية، وما فيها من مخاطر الانشطار والتقسيم للمجتمعات على أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية أو قبلية، وتحدّيات خارجية أمنية، من جرّاء استمرار الاحتلال الإسرائيلي ومن الحرب على العراق ومن تداعيات نتائج أحداث أيلول/سبتمبر 2001.

أيضاً، يواجه العرب عموماً التحدّي الثقافي، الذي يستهدف نزع الهويَّة العربية، عبر استبدالها بهويّة "شرق أوسطية"، بل حتى نزع الهويّة الوطنية المحلّية والاستعاضة عنها بهويّات عرقية ومذهبية وطائفية .. وفي هذا التحدّي سعيٌ محموم لتشويه صورة الإسلام والعروبة معاً.

***

تُرى، لو لم تستبِح جيوشُ بعض الدول العربية سلطات أوطانها أولاً ثمَّ حقوق دولٍ عربيةٍ أخرى، ولو لم تستبِح حكوماتٌ عربية حقوق مواطنيها، هل كانت الأمَّة العربية لتصل إلى هذا الحدِّ من الضعف والعجز والانقسام والاستباحة من الخارج؟

أن يكون العرب الآن أمَّة مستباحة لحينٍ من الزمن، فهذا مردّه لضعفٍ وعطبٍِ في الداخل، ولجبروت الخارج. لكن عدم علاج الضعف وإصلاح العطب هو الذي سيسمح للخارج دائماً بالتدخّل والهيمنة وإشعال الفتن الداخلية.

المؤلم في واقع الحال العربي أنّ الأمَّة الواحدة تتنازع الآن فيها "هويّات" جديدة على حساب الهويّة العربية المشتركة. بعض هذه الهويات "إقليمي" أو "طائفي"، وبعضها الآخر "أممي ديني"، كأنَّ المقصود هو أن تنزع هذه الأمَّة ثوب هويّتها ولا يهمّ ما ترتدي بعده من مقاييس أصغر أو أكبر، فالمهمُّ هو نزع الهويّة العربية !

لو أنَّ كيانات هذه الأمَّة العربية قائمة على أوضاعٍ دستورية سليمة تكفل حقّ المشاركة الشعبية في الحياة السياسية وتصون الحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين، فهل كانت لتعيش ضعفاً وتنازعاً كما حالها الآن؟.

 إنّ للأمَّة العربية حقوقاً على أبنائها المقيمين والمهاجرين، والتحدّيات التي يواجهها العرب الآن وبالمستقبل تستدعي من الحكومات العربية إقرار حقّ المواطن "السائل" و"المحروم": المواطن "السائل" عن حاضره وعن واقعه .. "السائل" عن مستقبله وعن المستقبل المجهول لأولاده .. "السائل" عن لقمة عيشه وعن أسباب الفساد والانهيار والتصدّع في المجتمع والوطن.. "السائل" عن هويّته وعن ثقافته. والمواطن "المحروم" من حقّه في المشاركة .. من حقّه في التعبير.. ومن حقّه في التنقّل والعيش بكرامة دون خوفٍ أو جوعٍ أو تشريد.

هذه الحقوق، للمواطن العربي "السائل" أو "المحروم"، تتطلّب من الحكومات العربية (وهي هنا ليست في سلّة واحدة بل عليها مسؤولية موحّدة) أن تقرّر فيما بينها (على غرار ما فعلته حكومات أوروبا الغربية رغم ما بين دولها من اختلافات وتاريخ حافل بالصراعات) هذه الحقوق والحرّيات لأبناء الدول العربية:

(1) حرّية التفكير والمعتقد.

(2) حرّية القول والتعبير.

(3) حرّية المرور والتنقّل بين الدول العربية.

(4) حرّية العمل والاستثمار لأبناء الدول العربية.

 أي تطوير شعار "آدم سميث"، مؤسس الفكرة الرأسمالية: "دعْه يمر .. دعه يعمل"، إلى شعارٍ عربي رباعي يقوم على: "دعه يفكّر.. دعه يقول.. دعه يمر.. دعه يعمل"! بحيث يتوفّر للمواطن العربي حق القول والفكر والمعتقد، وفرص العمل المتكافئة، وحرّية التنقّل والاستثمار بين البلدان العربية.

إنّ التحدّيات الخطيرة التي تواجه العرب الآن تتطلّب، في الحدِّ الأدنى، هذه الحريات للمواطنين العرب، كما تستوجب في جزءٍ منها، حدّاً أدنى من التضامن العربي على أسس جديدة تُضمَن فيها "الحرّيات الأربع" وتُحترَم فيها حدود وسيادة دول الجامعة العربية وحقّ كلّ دولة فيها باختيار النظام السياسي الملائم لها.

أمّا على مستوى المعارضات العربية، فإنّ التحديات الراهنة تستوجب منها:

إقرار مبدأ نبذ العنف في عملها السياسي، واتّباع الدعوة السلمية القائمة على الإقناع الحر، والتعامل بالمتاح من أساليب العمل السياسي، ثمّ التمييز الحازم بين معارضة الحكومات وبين تهديم الكيانات، حيث أنّ عدّة قوى عربية تخلط بين صراعها مع السلطات وبين تحطيمها - بوعيٍ أو عن غير وعي- عناصر وحدة المجتمع ومقوّمات وحدته الوطنية.

ولعلَّ من المهمّ أيضاً، أن تدرك المعارضات العربية، أنّ الإصلاح المنشود هو مطلوبٌ لها أولاً.

إنّ الأرض البور قد تصطلح إذا كانت هناك إرادة إنسانية فاعلة ومهيَّأة لعمل الإصلاح.. لكن المعضلة تكبر حين لا تكون الأرض بوراً، بل أرض خيرات وثروات، بينما القيادات هي البور!

 
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

64b97913976a0d39747573223257c3c9 
 
 
سألوني: لماذا أنت عَلْماني؟
د. شاكر النابلسي
لا مفهوم حضارياً وفلسفياً أُسيء فهمه من قبل السلفيين والأصوليين كالعَلْمانية.
ولا مفهوم حضارياً وفلسفياً حُظي بعناية السلفيين والأصوليين كالعَلْمانية.
ولا مفهوم حضارياً وفلسفياً سُبَّ ولُعنَ من السلفيين والأصوليين كالعَلْمانية.
ولا مفهوم حضارياً وفلسفياً قيل فيه ما قاله مالك في الخمر كالعَلْمانية.

-2-
وإذا أراد السلفيون والأصوليون تعليق مشنقة لمثقف ليبرالي، قالوا إنه عَلْماني رجيم.وإذا أراد السلفيون والأصوليون عزل مثقف ليبرالي وكرهه، قالوا إنه عَلْماني رجيم.
وإذا أراد السلفيون والأصوليون تأليب السلطة الأمنية على مثقف تنويري، قالوا إنه عَلْماني رجيم.وإذا أراد السلفيون والأصوليون طرد أستاذ من جامعته، أو صحافي من صحيفته، أو موظف من وظيفته، قالوا إنه عَلْماني رجيم.

-3-
فكيف يفهم السلفيون والأصوليون العَلْمانية؟إنهم يتفقون، على أن العَلْمانية إنكارٌ لوجود الله. لذا، كان العَلْمانيون أجمع - في نظر السلفيين والأصوليين - كفرة ملاحدة.
إنهم يتفقون، على أن العَلْمانية هدمُ الدين وإنكاره، وإنكار الرسل.
إنهم يتفقون، على أن العَلْمانية هدمٌ لأماكن العبادة، وحرمان الناس من العبادة.إنهم يتفقون، على أن العَلْمانية فصلُ الدين عن الدولة. وليس إبعاد رجال الدين عن السياسة. وليس فصل الدين عن السياسة. بمعنى إلغاء الدين من المجتمع، ومحوه من ذاكرة الناس.

-4-
ولكني رغم هذه الأباطيل السلفية والأصولية، فأنا عَلْماني!
فما هي عَلْمانيتي؟
عَلْمانيتي ليست ضد الدين، ولكنها ضد الدكتاتورية الدينية. وضد انهماك رجال الدين في السياسة، وضد اختباء السياسيين وراء الدين.
وليست ضد الحرية، ولكنها ضد الطغيان السياسي واجتماعي والثقافي. وليست ضد التعددية الدينية، ولكنها ضد الطرح الأيديولوجي الأوحد.
وليست ضد المساواة، ولكنها ضد الطائفية. وليست ضد التقاليد والعادات، ولكنها ضد ما يؤخر التقدم، ويجرّنا إلى الخلف، بدل تقدمنا إلى الأمام.
هذه هي عَلْمانيتي؟

-5-
 عَلْمانيتي تريد فصل الدين عن السياسة، وليس فصل الدين عن الناس. فالدين روح الناس. وفصل الدين عن الناس معناه فناء الناس، وفناء الحياة.
لا أريد للدين المقدس، أن يتمرّغ في أوحال السياسة النجسة.لا أريد لرجال الدين أن يمتطوا ظهور السياسيين حميراً. ولا أريد للسياسيين أن يقبّلوا أقفية رجال الدين كهاناً وعرّافين.
أريد لرجال الدين مطلق الحرية في تفكيرهم، بعيداً عن تسلّط السياسيين.وأريد لرجال السياسة مطلق الحرية في قراراتهم، بعيداً عن سلطة الكهانة والكهنوت. لا أريد لرجل الدين أن يحكمني، لأن رجل الدين يحكمني، ولا أحاكمه.

-6-
لا علاقة لي بالعَلْمانية الفرنسية، ولا بالعَلْمانية الغربية، ولا بكل ما قيل في التراث الغربي عن العَلْمانية، ولا أحمل وزره.ولا علاقة لي بعَلْمانية الأتراك، وما فعله كمال أتاتورك عام 1923 في تركيا. فتلك عَلْمانية فوقية مستوردة من فرنسا،  وهي خطرة من الناحية العقلية والثقافية كما يقول المعلم محمد أركون. ولا أحمل وزرها.
ولا علاقة لي بعَلْمانية الحبيب بورقيبة، فهي تخصُّ تونس والتونسيين فقط، وهي ربما نابعة من التراث الديني التونسي الخاص، ومن التراث التنويري العَلْماني الفرنسي الخاص. ولا أحمل وزرها.
فلكل مكان ولكل زمان عَلْمانيته، الخاصة به. ولا علاقة لي بكل المتطرفين العَلْمانيين والمتطرفين الليبراليين أيضاً. ولا أحمل وزرهم.
فكما أبغض التطرف في السلفية والأصولية في كافة الأديان والملل والعقائد، فكذلك أكره المتطرفين العَلْمانيين، والمتطرفين الليبراليين. ولا أحمل وزرهم.

-7-
لقد كان عبثاً وغثاً، لا طائل من ورائه، تلك المجلدات، والمقالات، والندوات، والفعاليات، والمخيمات، والمؤتمرات، التي عقدها السلفيون والأصوليون المتشددون، ووضعوا إسلامهم هم – كما فهموه وفسروه وحدهم - في مواجهة العَلْمانية، وأقاموا بينهما حرباً خيالية ضروساً، وصراعاً ساذجاً وسخيفاً، كصراع الديكة العبثي.
يقول المعلم محمد أركون في كتابه (الإسلام والعَلْمنة): إن الإسلام بحد ذاته، ليس مغلقاً في وجه العَلْمانية، ولكي يتوصل المسلمون إلى أبواب العَلْمانية، عليهم أن يتخلصوا من الإكراهات، والقيود النفسية، واللغوية، والأيديولوجية، التي تضغط عليهم. ولن يتم ذلك إلا إذا أعاد المسلمون الصلة مع الحقيقة التاريخية للفكر الإسلامي.هكذا يفهم العَلْمانيون المسلمون العَلْمانية.
وهكذا أفهمها أنا المسلم كذلك.
لذا، فأنا مسلم عَلْماني!

السلام عليكم.

 إيلاف


 
 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى > الأخير >>

النتائج 1 - 14 من 1263


كاريكاتير


منتج منفذ


عيدت


باكستان


أوسمة إلكترونية

آخر صورة


طريق بغداد حلب بداية القرن العشرين

من أقوالهم

قبل أن أتزوج كان لدي ستة نظريات في تربية الأطفال، أما الآن فعندي ستة أطفال ليس معي نظريات لهم.

الفيلسوف السويسري جان جاك روسو