آخر خبريون
كم عمر أصغر مسؤول لدينا؟!
عبد الله المغلوث
كتب: عبدالله المغلوث - لندن - -

استقال قبل عدة أشهر الأميركي إيفان ويليامز(38 عاما) من منصبه مديرا تنفيذيا لتويتر. غادر بملء إرادته الموقع الاجتماعي الشهير، الذي أسسه بعد أن بلغ عدد أعضائه نحو 190 مليونا، وإيراداته وصلت إلى 150 مليون دولار. ودع ويليامز أصدقاءه في تويتر قائلا: "إن بناء الأشياء هو شغفي. لم أكن يوماً شغوفاً بالإدارة. سأترك المكان لغيري وأعود إلى ممارسة هوايتي التي أحبها".

استوردنا من الأميركان والغرب هوايات عديدة. لكن نسينا أحد أهم الهوايات التي يبرعون فيها وهي الاستقالة. لا يكاد الشخص منا يتولى منصبا حتى يصبح المنصب أقرب له من أمه وأبيه وزوجته التي تؤويه. ففي حالات كثيرة لا نغادر المنصب إلا إلى القبر. نحرم أنفسنا من استكشاف حياة أخرى. ونحرم الآخرين من تجربة غيرنا.

الأمر لا يقتصر على المؤسسات الحكومية والخاصة، بل امتد إلى مؤسسات المجتمع المدني. الجميع شاهد كيف قاوم الرئيس السابق لجمعية حماية المستهلك قرار إعفائه. حاول بشتى الوسائل والطرق أن يبقى. لا أحد بيننا يغادر منصبه بملء إرادته. القليل جدا هو من يفعل ذلك. يعتبر الكثيرون قرار الاستقالة وحتى التقاعد المبكر هزيمة. لكن الهزيمة الحقيقية هي الاستمرار في مكان واحد لمدة طويلة دون جدوى. المشكلة مشكلة مجتمع. فحتى لو قرر أحدهم الاستقالة ستجد أبناءه وحتى أحفاده يتوسلون إليه لكي لا يفعلها. لن يسمحوا لوالدهم أن يجردهم من المتعة والسعادة التي تبدو جلية على ملامحهم عندما يسألهم أحد: هل يقرب لك هذا المسؤول؟

إن إصرارنا على بقاء مسؤول في منصب محدد سنوات عديدة وعصورا مديدة يشبه إصرارنا على بقاء نجم كرة قدم في الملاعب بعد أن استنفد كل مالديه. فلياقته وحيويته ونضارته لم تعد كما عهدناها. الاسم وحده لا يصنع الانتصارات. الانتصارات تحتاج إلى مجهود وشغف وطيش أحيانا. الطيش والمغامرة والاندفاع صفات لا تتوافر في كبار السن.

للأسف أصبحت بعض مؤسساتنا تسمى بأسماء مديريها المعمرين من فرط ارتباطهم بها .

قيادات واعدة عديدة أهدرناها إثر تغييبها لعقود حتى صدأت وتآكلت. لو التفتنا حولنا لن نجد مسؤولا واحدا شابا. ربما وجدنا واحدا أو اثنين. كأن المناصب لدينا خلقت لمن هم فوق الخمسين. نخلق مبررات واهية لغياب الأجيال الجديدة عن هذه المواقع ما صغر منها وما كبر. في المقابل هناك اندفاع دولي نحو التغيير وإحلال الوجوه الشابة. فرئيس وزراء بريطانيا الجديد، ديفيد كاميرون عمره 44 عاما، ونائبه نيك كليج يصغره بعام. وزعيم حزب العمال، إد ميلباند، لم يكمل الأربعين بعد.

لابد أن نسير في هذا الاتجاه. لابد أن نستثمر هذه الطاقات الهائلة قبل أن تخمد. لابد أن نمنحهم الفرصة قبل أن يذبلوا ونذبل.

الأجيال الجديدة لا تعد أجيالا جديدة عندما تبلغ الخمسين. إنها دون ذلك. لا أحد ينسى ماذا فعل الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، في وزارة الصناعة والكهرباء وعمره لم يتجاوز 36. الأميركي بيل جيتس، ثاني أثرياء العالم حاليا، أسس "مايكروسوفت" وهو في مطلع العشرين وتقاعد في مستهل الخمسين. والأميركي، مارك زوكربيرج، أسس الموقع الاجتماعي "فيسبوك" وهو في العشرين أيضا.

دراسات كثيرة تنتشر في العالم تحفز الشبان على اكتشاف أنفسهم ومقدراتهم مبكرا. صار من الصعب أن نبدأ حياتنا في هذا العالم متأخرين. أن نبدأها ونحن في الثلاثين من أعمارنا. من المؤسف أن تجد بعض شبابنا مازالوا يأخذون مصروفهم من آبائهم وهم في منتصف العشرينات، بينما أقرانهم من الشعوب الأخرى يصرفون على ذويهم. إذا أردنا اللحاق بركب المتقدمين علينا أن نتيح لصغارنا الفرصة لتشكيل شخصياتهم مبكرا. ونوفر لهم مساحات شاسعة يبحثون فيها عن ذواتهم ومستقبلهم. وأن نمنح شبابنا فرصة القيادة في العشرينات وفي الثلاثينات، سنوات الإنتاج والعطاء والإبداع. فربما حينها نقطف ثمار حصادنا تدريجيا، ونتخلص من معمري المناصب، بعد أن تسود ثقافة التغيير. فمن المحزن أن يكون متوسط أعمار قياديينا في الخمسينات، في وطن معظمه في العشرينات.


 
الذهبي..من سيجرّ معه ؟
عمر عياصرة
كتب : عمر عياصرة - عمان - -

من الطبيعي أن يكشف التدقيق في التجاوزات المالية والإدارية لمدير المخابرات السابق محمد الذهبي عن أسماء أخرى كانت ضالعة في الفساد وبأشكال مختلفة، فلا يعقل أنّ الرجل كان وحده ومن المؤكد وجود آخرين.

تتحدث بعض المصادر عن تورط إعلاميين، قرابة الخمسين، كانوا على علاقة مع الذهبي سواء أثناء عمله مديرا للمخابرات أو بعد ذلك، وقد استخدمهم في مهمات مختلفة تثار حولها شبهات وتساؤلات.

هؤلاء الإعلاميون وفق ما يشاع تلقّوا مقابل خدماتهم مبالغ مالية، بعضها ثابت وبعضها على شكل أعطيات، ولا ندري حتى الآن مدى مصداقية ما يشاع، رغم أننا على ثقة بأنّه لا يوجد دخان من غير نار.

ليس من السهل محاكمة مدير مخابرات في الأردن، فالتربُّع على هكذا موقع يعني أنّ صاحبه يعرف كل شيء ويستطيع النفاذ إلى نقاط ضعف النظام، وبالتالي هو يملك كل مقومات الابتزاز لحماية نفسه وفساده.

كلّنا يتذكّر قضية سميح البطيخي، التي أصبحت فيما بعد حكاية للتندُّر بين الأردنيين، فقد حوكم الرجل وقضى مدة حكمه سائحا فكان الزيف والضعف هناك متبدّيان.

إذا، مشكلة مكافحة الفساد في بلدنا تكمن في موضوع «من سيجرّ معه؟» ولو عدنا إلى الوراء قليلا، وقارنّا بين تعاطي الإعلام القوي مع قضية شاهين والضعيف مع قضية الذهبي، للاحظنا أنّ معادلة «من سيجرّ معه؟» تبدو مؤثرة وبقوة.

من هنا تبدو الدولة راغبة بلملمة التداعيات المتعلقة بقضية مدير المخابرات السابق، وقد ظهرت هذه الرغبة جليّة بقرار تحويل القضية إلى محكمة خاصة هي محكمة المخابرات ونزعها من القضاء المدني.

وعلى ما يبدو أنّ سيناريو ما جرى مع البطيخي سنراه مع الذهبي ولكن بتعتيم أكبر وتوجيه أدق، فلن تؤخذ كل جرائر الرجل بالاعتبار وسيتم الاكتفاء بالتهم غير المتعدية لآخرين من أسماء ثقيلة الوزن أو متوسطة الحجم.

لا زلنا نشك، وفق المؤشرات، بمدى جدية ومصداقية الدولة بموضوع مكافحة الفساد، فهل ما يشاع عن محاسبة الفاسدين هو أمر بات متجذّرا أم أنّه مجرّد اختراق مؤقت تكتيكي؟ دعونا نرى وننتظر.
 
قصار العمر
عاطف الفراية
كتب: عاطف الفراية - الشارقة - -

تنبأ الفيلسوف الكندي للشاعر المجدد أبي تمام بموت مبكر قائلاً ما معناه: إن هذا الفتى من الذكاء بحيث لا يعيش طويلاً، وذلك إثر محاورة نقدية شهيرة ارتجل فيها أبو تمام ردوده المفحمة لا مجال هنا لشرح تفاصيلها، وكان كما تنبأ الكندي فمات أبو تمام شاباً في الأربعين.

آرثر رامبو شاعر فرنسا الأشهر، وأبو فراس الحمداني، وبدر شاكر السّيّاب أبو الشعر العربي الحديث، وإبراهيم طوقان صاحب نشيد (موطني) الخالد عاش كل منهم 37 عاماً، وعاش سيد درويش مجدد الموسيقى العربية وباعث نهضتها 31 عاماً، فيما اكتفى طرفة بن العبد بقرابة 22 عاماً بعد أن ارتقى مبكراً إلى مصاف شعراء المعلقات، أما أبو القاسم الشابي شاعر تونس الأعظم والذي ما زال الشعب العربي كله يردد نشيده الخالد (إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر) فقد عاش 25 عاماً، وهو نفس العدد من سنوات العمر التي عاشها معاصره التيجاني يوسف بشير شاعر السودان الكبير، وإذا تركنا الشعراء وبحثنا عن هذه الظاهرة لدى مبدعين من حقول أخرى سنجد "بروس لي" أسطورة الكونغفو قد عاش 33 عاماً. و"ألفس بريسلي" أسطورة الروك آند رول عاش 42 عاماً. وحين نسافر في التاريخ إلى ما قبل الميلاد، نجد أن "الإسكندر المكدوني" الذي حكم الشرق والغرب قد عاش 33 عاماً. والقائمة تطول بما لا يتسعه مقال.
 
ولا يعني هذا بالضرورة أن الذين يعمِّرون طويلاً هم أقل ذكاءً، لكن الحالات تتواتر كثيراً في إثبات أن أصحاب القوى العقلية المميزة لا يعيشون طويلاً، ربما لأنهم وُجِدوا في حركة الحياة لمهمة محددة رحلوا بعد إتمامها، أو ربما لأن سيرورة الحياة لا تحتمل ما سيأتون به من إبداع إن هم عاشوا طويلاً.
 
وكم من الناس عاش طويلاً دون أي مُنجزٍ يذكر للبشرية، فكان عبئاً على كل ما حوله، وكم منهم عاش طويلاً منتظراً بفارغ الصبر لحظة انتهاء عمره البائس، متمثلاً قول زهير بن أبي سلمى (سئمت تكاليف الحياة ومن يعش، ثمانين حولاً لا أخالك يسأمِ) وكم منهم من دفعه الشقاء لإنهاء حياته بيده. وكم منهم أشقى من حوله طويلاً حتى صار الناس يتمنون موته.

إذاً، لماذا يصرّ الناس على الدعاء لبعضهم بطول العمر باعتباره نعمة أو فضيلة، من دون أن يفكروا بجدوى طول العمر، أو يدركوا أن العمر الحقيقي للإنسان هو بحجم منجزه الإيجابي، لا بحساب السنين؟

 
محاولة بريئة لاقتراح موضوعات لدراسة فكرالأسدين حافظ وبشار
د. أحمد أبو مطر
كتب: د.أحمد أبو مطر - أوسلو - -

 هذه مجرد محاولة بريئة للغاية تخلو من أية نوايا سيئة، سأطرح من خلالها بعض المحاور والموضوعات لمن يحاول دراسة فكر الأسد الأب حافظ ووريثه الأسد بشار، فهو فعلا للأمانة العلمية والموضوعية فكر يستحق الدراسة بأكاديمية موضوعية راقية، ويمكن تقديم أطروحات لدرجة الماجستير والدكتوراة في هذا الفكر، وهذا ليس غريبا على بعض الدارسين العرب الذين وضعوا عشرات الكتب في دراسة فكر الطاغية المقبور صدام حسين، ومنها فعلا أطروحة دكتوراة قدّمتها ( أنمار لطيف نصيف جاسم ) ابنة وزير ثقافة سابق للطاغية صدام، وكانت الأطروحة التي نشرت بعنوان ( القائد وإدارة الصراع، دراسة نظرية مقارنة في الفكر السياسي ). وقد نشرت هذه الأطروحة في كتاب عام 2002 عن دار الجيل والمكتبة الثقافية، وكانت قمة النفاق وازدراء عقلية القارىء، أنّ هذه الأطروحة-الكتاب عن طاغية ارتكب مجازر فظيعة بحق الشعب العراقي عربا وكردا، أن تفتح الكاتبة كتابها هذا بآيتين من القرآن الكريم هما:

( قال الله اصطفه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء )، البقرة 247
( قال الله إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)، البقرة 124

وكون الكتاب عن طاغية هو صدام ومقارنة بفكر من لا فكر له جمال عبد الناصر، فتريد الكاتبة أن تعطي القارىء انطباعا أن هاتين الآيتين القرآيتين ينطبقان على الطاغية المجرم صدام حسين، وإلا لماذا تختار هاتين الآيتين مقدمة لكتابها الذي كله نفاق وكذب وإنشاء خطابي فارغ من أي مضمون، فمن يصدق أنّ لصدام حسين وجمال عبد الناصر فكر في فن إدارة الصراع، يستحق أطروحة دكتوراة مكونة من 460 صفحة.

وعودة لفكر الأسدين في فن إدارة الجرائم

فإنّ سبب هذه المقالة هو الخبر الذي نشر يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من يناير نقلا عن وكالة الصحافة الفرنسية، ومؤداه أنّ اتحاد الكتاب الروس منح بشار الأسد جائزة اتحاد الكتاب الروس، رغم أنّ محرر إيلاف وضع الملاحظة التالية قبل نشر الخبر:

( ننشر هذا الخبر الذي وصلنا عن طريق الوكالة الفرنسية، رغم أنّنا شبه واثقين بأنّ خبر اعطاء جائزة الكتاب الروس إلى بشار الأسد كذبة وزعتها وكالة سانا السورية. فليس هناك أي خبر من هذا النوع في الإعلام الروسي، ولا حتى في الموقع العربي روسيا اليوم، ولا وجود لأسم فاليري غانشيشيف كرئيس اتحاد الكتاب الروس).

وسواء كان هذا الخبر صحيحا أم مفبركا من وكالة سانا كما أشار محرر إيلاف، ففي رأيي أنّه خبر مهم يرقى لمستوى جرائم بشار الأسد المستمرة منذ الخامس عشر من مارس 2011 ، لذلك أعطيته الأهمية لأنّه فتح أمامي آفاق الموضوعات التي يمكن دراستها حول فكر الأسدين الأب والوريث ، وهي فعلا موضوعات يمكن أن يحصل من خلالها أي منافق على درجة الدكتوراة فقط من جامعة دمشق أو من وكالة سانا. وللتطمين فمن يريد أن يدخل باب النفاق والكذب وخيانة الضمير، فعليه أن لا يخجل فهناك من سبقه في هذا الميدان، ويكفي أن أطمئنهم بكتب صدرت فعلا تستحق جائزة العار المشين، ومنها كأمثلة فقط:
كتاب باسم الأب ( بشار الأسد، السنوات الأولى في الحكم). الدار العربية للعلوم 2005 .
كتاب أحمد صوان ( حافظ الأسد، مدرسة قومية خالدة). دار الذاكرة للطباعة والنشر 2002 .
كتاب نجاح العطار ( حافظ الأسد، القائد الذي صنع التاريخ).

من يتخيل هذا النفاق والكذب والافتراء وخيانة الضمير. من يصدّق مهما كان غبيا أو مخلول العقل أنّ حافظ الأسد قائد صنع التاريخ  و مدرسة قومية خالدة؟. والمثير لضحك كالبكاء أن تفتح كتابها بقولها النفاقي المشين: (الحقيقة أعلى من القمر والإنجاز التاريخي قمر لا يغيب ، وإنجازات الراحل الكبير على مداها التاريخي كانت أقماراً ساطعة في سماء العروبة لا يوهن من ضوئها أو يقلل من حقيقتها مكابرة المكابرين ولا يحذفها من سجلات الأيام النيات السيئة أو يطفئ نورها أكثر الشفاه قدرة على نفخ رياح السموم ). من يتخيل نفاق بهذا المستوى المخجل؟.

الموضوعات المقترحة لدراسة فكر الأسدين

1 .( فنون تعذيب الرفيق صلاح جديد ثلاثة وعشرون عاما في سجون حافظ الأسد حتى موته).
2 . (خلفيات اعتقال القياديين البعثيين الأردنيين حكم الفايز وضافي اجميعاني ما يزيد على خمسة وعشرين عاما في سجون حافظ ألأسد).
3 .( أسرار وآاليات حصار ياسر عرفات والمقاتلين الفلسطينيين في طرابلس اللبنانية عام 1983 وقصفهم بالمدفعية الأسدية التي اعتقدت خطأ أنّ طرابلس اللبنانية هي الجولان السورية المحتلة).
4 . (كيفية وفنون قتل ما يزيد على 30 ألفا من السوريين في مدينة حماة عام 1982) .
5 . (فنون استغباء المراقبين العرب في زمن بشار الأسد).
6 .( مهارات وليد المعلم في فبركة أفلام القتل المنظّم).
7  . ( كيف تقتل ستة ألاف مواطنا سوريا في عشرة شهور؟). هذا الموضوع أقترح أن يكتبه ماهر الأسد وآصف شوكت، وتقديمه للحصول على درجة الدكتوراة من ( أكاديمية بشار الأسد في تعليم فن الجرائم).
8 . (كيف تسرق 60 بالمائة من ثروة الشعب السوري في عشر سنوات؟). هذا الموضوع أقترح أن يكتبه نخبة مختارة من أكاديميي آل مخلوف أخوال بشار الأسد.
9 . (مقارنة بين جرائم جمال باشا السفاح ومذابح بشار الأسد الذبّاح). هذا الموضوع أقترح أن يكتبه باحث أكاديمي من منظمة العفو الدولية، ليثبت أنّه مقارنة بجرائم ومذابح حافظ وبشار الأسد طوال 42 عاما، كان من الظلم إطلاق صفة السفّاح أو الجزار على الوالي العثماني جمال باشا.

وعودة لبيان الكتاب الروس،

فهو إن كان قد صدر فعلا ، فلن يكون سوى ضغط من بوتين الحليف والمدافع عن الطاغية القاتل بشار الأسد، الشبيه له في أمور كثيرة خاصة في تزوير الانتخابات وقمع المظاهرات الروسية المناوئة له، والتدوير الرئاسي بينه و حليفه ميدييف، فلا يدافع عن الطاغية إلا شبيه له في قواسم مشتركة عديدة.

ملاحظات قانونية

1 . لاحظت أنّ هناك اختلافات متعددة في صياغة خبر منح الجائزة حسب مصادر بث الخبر خاصة ما يصدر عن وكالة سانا الأسدية، وأيا كان الصحيح فإذا منح اتحاد الكتاب الروس أية جائزة للقاتل بشار ألأسد، فالشعب السوري والعربي لن ينسى هذه الغلطة المشينة، فأية جائزة تقدير لقاتل لشعبه يستحق التقديم لمحكمة الجنايات الدولية؟ وإذا صحّ خبر منح هذه الجائزة لقاتل إسمه بشار الأسد وعائلته فسوف تظلّ هذه الخطوة علامة عار في تاريخ الكتاب الروس.

2 .أنبّه كل من سيختار واحدا من هذه الموضوعات لبحث أطروحة دكتوراة أن يشير للمصدر الذي أخذ منه عنوان الأطروحة، وإلا سوف أشتكيه غير قانونيا لآصف شوكت أو ماهر الأسد، ولا عذر لمن لم ينذر...والسلام لكم وعليكم ومبروك مقدما درجة الدكتوراة المشينة هذه لمن يريد.

0cc856dceefbd86b21327032dc26bb8fwww.drabumatar.com
 
العرب أمام امتحان تغيير النفس أولاً
صبحي غندور
كتب: صبحي غندور - واشنطن - -

ما يحدث حاليّاً في عددٍ من البلاد العربيّة هو امتحان جدّي وصعب لهذه الأوطان، من حيث قدرتها على التّعامل في آنٍ واحد مع ضرورات التغيير السياسي من جهة، ومع حال الشّروخ والانقسامات التي تنتشر كالوباء في جسمها الواهن، من جهةٍ أخرى.

صحيحٌ أنّ هناك قوى خارجيّة تعمل على تأجيج الصّراعات الدّاخليّة العربيّة، وأنّ هناك مصلحة أجنبيّة وإسرائيليّة في تفكيك المجتمعات العربيّة، لكن العطب أساساً هو في الأوضاع الداخليّة التي تسمح بهذا التدخّل الخارجي، الإقليمي والدولي.

إنّ البلاد العربيّة لا تختلف عن المجتمعات المعاصرة من حيث تركيبتها القائمة على التّعدّديّة في العقائد الدّينيّة والأصول الإثنيّة، وعلى وجود صراعات سياسيّة محليّة. لكن ما يميّز الحالة العربيّة هو حجم التصدّع الداخلي في أمّةٍ تختلف عن غيرها من الأمم بأنّها أرض الرّسالات السماويّة، وأرض الثّروات الطّبيعيّة، وأرض الموقع الجغرافي الهام. وهذه الميزات الثلاث كافية لتجعل القوى الأجنبيّة تطمح دائماً للاستيلاء على هذه الأرض أو التحكّم بها والسّيطرة على مقدّراتها.

وقد كان من الطّبيعي أن تمارس القوى الأجنبيّة الطامعة بالأرض العربيّة سياسة "فرِّق تَسُد"، وبأن تفكّك الأمّة إلى كياناتٍ متصارعة فيما بينها وفي داخل كلٍّ منها، وبأن تزرع في قلب هذه الأمّة جسماً غريباً يقوم بدور الحارس لهذا التّفكّك، بحيث أصبحت الأمّة العربيّة، تبعاً لذلك، رهينةً لمخطّطات الخارج ولأجندة خاصّة أيضاً بهذا الجسم الغريب المزروع في قلبها.

لكن هل يجوز إلقاء المسؤوليّة فقط على "الآخر" الأجنبي أو الإسرائيلي، فيما حدث ويحدث في بلاد العرب من فتن وصراعات طائفيّة وإثنية سبقت ورافقت الانتفاضات الشعبية الراهنة ضدّ الاستبداد والفساد؟! إنّ إعفاء النّفس العربيّة من المسؤوليّة هو مغالطة كبيرة تساهم في خدمة الطّامعين بهذه الأمّة والعاملين على شرذمتها، فعدم الاعتراف بالمسؤوليّة العربيّة المباشرة فيه تثبيتٌ لعناصر الخلل والضّعف وللمفاهيم التي تغذّي الصّراعات والانقسامات.

إنّ غياب الولاء الوطني الصّحيح في معظم البلاد العربيّة مردّه ضعف مفهوم الانتماء للوطن وسيادة الانتماءات الفئويّة القائمة على الطّائفيّة والقبليّة والعشائريّة. ويحصل الضّعف أيضاً في الولاء الوطني حينما تنعدم المساواة بين المواطنين في الحقوق السّياسية والاجتماعيّة، وحينما تُفتقَد في المجتمع الواحد عدالةٌ نزيهة أمام القانون.

أيضاً، إنّ غياب الفهم الصّحيح للدّين والفقه المذهبي ولمفهوم "الهُوية" وللعلاقة مع الآخر أيّاً كان، هو البيئة المناسبة لأي صراع طائفي أو إثني يُحوّل ما هو إيجابي قائم على الاختلاف والتنوّع والتّعدّد إلى عنفٍ دموي، يُناقض جوهر الرّسالات السّماويّة والحكمة أصلاً من وجودها على الأرض!

كذلك على مستوى العلاقات بين الحكومات العربيّة، فإنّ هذه الحكومات مارست بعد نشأة جامعة الدّول العربيّة، أي منذ ما يقارب سبعة عقود، مفهوم "الخيمة" في العلاقات بين الدول العربيّة، لا مفهوم "العمارة" التي أساسها متين وسليم، والذي مارسته والتزمت به دول المجموعة الأوروبيّة. ففي "خيمة" العلاقات الرّسميّة العربيّة، إمّا الاتفاق على كلّ شيء أو التّصارع في "الخيمة" وهدمها على من فيها!

البلدان الأوروبيّة اختارت الحفاظ على خصوصيّاتها الوطنيّة والثّقافية ضمن مظلّة التكامل والتوحّد القارّي الأوروبي، فلم تجد ضرراً في الجمع بين الهويّة الوطنيّة وبين التكامل الأوروبي، بينما البلدان العربيّة، الّتي تجمعها الهُويّة الثّقافية العربيّة الواحدة، تنحدر نحو التّمزّق الداخلي وتغليب الفئويّات الضيّقة المصطنعة على الانتماء الطّبيعي المشترك.

الشّعوب الأوروبيّة خلصت إلى قناعة بضرورة نبذ العنف بين بلدانها وداخل مجتمعاتها الخاصّة، واعتماد النّهج الديمقراطي في الحكم والعلاقات بين المواطنين والأوطان، بينما تزداد ظواهر العنف الدّاخلي في أرجاء المنطقة، حتّى داخل بلدانها التي شهدت تغييراتٍ مؤخّراً في أنظمتها..

المجتمعات الأوروبيّة أخذت بخلاصات الفيلسوف المسلم ابن رشد ومدرسته العقلانيّة، وبما أنتجته الحضارة العربيّة والإسلاميّة في الأندلس، بينما تعود الآن المجتمعات العربيّة، في بعض مفاهيمها وبالكثير من سلوكيّات شعوبها، إلى عصر الجاهليّة بكلّ معانيه!

إنّ الحروب الأهليّة هي طاحونة الأوطان في كلٍّ زمانٍ ومكان. وهاهي المجتمعات العربيّة أمام تحدٍّ خطير يستهدف كلَّ من فيها وما فيها. هو امتحانٌ جدّي لفعل المواطنة في كلّ بلدٍ عربي إذ لا يمكن أن يقوم وطنٌ واحد على تعدّدية مفاهيم المواطنة أو على تنوّع الارتهان للخارج. فحينما يسقط المواطن في هذا الامتحان يسقط معه الوطن بأسره. هو امتحان لمدى القدرة على تغيير النفس والمجتمع ككل، بإرادةٍ وطنية متحرّرة من إرادات وإملاءات الخلاج، خاصّةً في ظلّ الحراك الشعبي المتصاعد لإصلاح أوضاع الحكومات والمؤسسات ولمواجهة ظواهر الاستبداد والفساد المستشرية في الجسم العربي الحاكم.

صحيحٌ أنّه كلّما غابت البنى السياسية والدستورية والاجتماعية السليمة في المجتمعات، بات ذلك مبرّراً للتدخّل الأجنبي ولمزيدٍ من الانقسام بين أبناء الوطن الواحد، لكن تزداد أيضاً المشاكل الداخلية تأزّماً كلّما ارتهن البعض لإرادة الخارج سعياً لإسقاط حكم أو للوصول إلى الحكم، فهذا يضع الجميع لاحقاً، والأوطان معاً، في مهبّ المصالح الخارجية حصراً.

وللأسف أنّ هناك أصواتاً عربية ارتضت أن تكون هي أيضاً عنصراً مساهماً في إشاعة مناخ الانقسام الطائفي والمذهبي بين أبناء الأمّة العربية، فراحت تكرّر تصنيفاتٍ وتسميات كانت في الماضي من الأدبيات الإسرائيلية فقط، فإذا بها الآن تتقدّم التحليلات السياسية لبعض الأقلام العربية، وأصحابها يتنافسون على الفضائيات وعلى صفحات الجرائد فيما يؤدّي إلى مزيدٍ من عوامل الانقسام والانحطاط في أحوال الأوطان والمواطنين!. فكيف سيكون هناك مستقبلٌ أفضل للشعوب وللأوطان وللأمّة ككل إذا كان العرب مستهلكين إعلامياً وفكرياً وسياسياً بأمورٍ تفرّق ولا تجمع!

سيكون مستقبل الأوطان حتماً أحسن حالاً إذا تحوّلت الحكومات إلى أنظمة دستورية مرجعيتها الشعب ومصالحه، لا مصالح الفئة الحاكمة فقط. لكن الشعوب والمجتمعات تنهض وتتقدّم حينما تتحوّل التيارات والحركات السياسية فيها (العلمانية والدينية) إلى قوًى جامعة فعلياً لكلّ أبناء أوطانها، فلا تنسخ سيّئات الواقع المرفوض إلى داخل أفكارها وكوادرها، وإلاّ أصبحت هي نفسها مصدر الدّاء لا الدّواء.

المشكلة الآن هي في انعدام الإرادة العربية المشتركة، وفي تقييد الإرادات المحلية الوطنية ورهن بعضها لسياساتٍ خارجية. إذ لا مشكلة عربياً في الإمكانات والثروات، ولا في العقول والخبرات وحجم الطاقة البشرية، بل هي مشكلة عدم التوظيف الصحيح لما تملكه الأمّة من خيراتٍ مادّية وبشرية.

إنّ الحراك الشعبي العربي الكبير، الجاري الآن، هو إيجابيٌّ لمستقبل الأمَّة ومهمٌّ جدّاً لتقرير مصير أوطان العرب، لكن هذه المنطقة العربية "تتكيّف" الآن مع حالاتٍ سلبية مرضية منتشرة على أرض العرب دون توفّر علاج عربي مشترك، ثمّ إرادة عربية مشتركة لمواجهة هذا الواقع وتغييره نحو الأفضل. فالتغيير الإيجابي يحدث فقط بوجود مرجعياتٍ سياسية سليمة تقود حركة تغيير مجتمعاتها.

الأمّة العربية تحتاج إلى مؤسسات وحركات شعبية ترفض الواقع، لكن ترفض أيضاً تغييره بواسطة العنف الداخلي والإكراه الخارجي.

الأمّة بحاجةٍ إلى قوى وطنية عروبية ديمقراطية لا طائفية، تُخلِص لأوطانها ولقضايا أمتها، وتعمل لوحدة شعوبها وكياناتها الوطنية، فيكون ذلك أساس عملها ومعيار الحكم عليها وطنياً وعربياً.

 
*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

64b97913976a0d39747573223257c3c9
 
وقفة عند حوار الإسلاميين مع الغرب
عريب الرنتاوي
كتب: عريب الرنتاوي - عمان - -

لكأن البعض من كتابنا وسياسيينا قد وجد “ضالته” في تصريحات منسوبة لقادة إسلاميين تتحدث عن رفع الحظر عن الحوار والاتصال مع الأمريكيين والبريطانيين، ليدشن حملة شعواء من التشكيك والاتهام لهذه الحركات...تارة بـ”تبديل جلدها”، وثانية “بعقد الصفقات المشبوهة تحت الطاولة”، وثالثة بـ”الإسلامي العثماني المتأمرك”، ورابعة بـ”الباطنية والتِقية” إلى غير ما هنالك من “معزوفات” ظاهرها فيه الحرص على الحقوق القومية والوطنية، وباطنها يخفي صراعات سياسية وفكرية مع التيار الإسلامي، بعضها مشروع، وينبع عن خلاف حقيقي في الوجهة والتوجه، وبعضها الآخر يخفي حسابات وأجندات طائفية وإقليمية تكاد تفضح نفسها وبنفسها.

ويزداد المراقب للمشهد السجالي الفكري والسياسي، دهشةً وأسفاً، حين تصدر مثل هذه الانتقادات والاتهامات، عن أسماء لم يعرف لها تاريخ مجيد في مقارعة “الإمبريالية” و”الاستكبار العالمي”، بل أنها نشأت في حواضن عُرفت واشتهرت تاريخياً بقربها من الغرب ورهانها عليها وارتهانها له ولاستراتيجياته وحساباته...لكن يبدو أن الوسيلة عند هؤلاء، تبرر الغاية، وعداء هؤلاء أو بعضهم على الإقل للإسلاميين، تهون في سبيله عمليات التقلب والانقلاب السياسي والفكري.

لقد أدرج كثيرون، مراجعة الحركة الإسلامية الأردنية لقرارها بمقاطعة الأمريكيين والبريطانيين في سياق ما أسموه “إنقلاب الإسلاميين على أنفسهم”، وهم اتخذوا من “رسائل الطمأنينة والاطمئنان” التي وجهها إسلاميون مصريون وتونسيون ومن قبلهم عراقيون ومغاربة، للغرب كذريعة لتصعيد الهجوم وتشديد وتائره...حتى أن البعض منهم بدأ يتحدث عن “مؤامرة” جاءت بهؤلاء إلى السلطة، ظاهرها “صناديق الاقتراع” وباطنها “صفقات متواطئة” مع الغرب الاستعماري (؟!)...ووصل الحد بسياسيين وكتاب حد اتهام “ربيع العرب” بمجمله على أنه جزء من هذه “المؤامرة” وإفراز من إفرازاتها، وأخذ يلونه بالأصفر والبرتقالي وغير ذلك من الألوان.

نحن نوافق القائلين، بأن بعض – وليس كل - إسلاميي بلادنا العربية، قد ذهب أبعد مما ينبغي في نشر كتب الطمأنينة ورسائل الاطمئنان...لقد تناولنا ذلك بالنقد أكثر من مرة، وفي هذه الزاوية بالذات، بل وتحدثنا وجاهة إلى رموز كبار في حركات إسلامية عربية عديدة عن هذا الأمر....لكننا لم نصل في قراءتنا إلى حد الإتهام أو “التخوين” أو إلى ضفاف حديث المؤامرة....قلنا لهؤلاء أن ليس مطلوباً منكم الانتقال إلى “الخنادق” صبيحة اليوم لفرز الأصوات وإعلان نتائج الانتخابات، ولكن الحكمة والمصلحة تقتضيان عدم الذهاب أبعد من اللازم في بث هذه الرسائل المفتوحة والمُشفّرة، وأحسب أن ثمة تفهماً لوجهة النظر هذه...أحسب أن الغرب نفسه، لم يصل في قرائته لهذه الرسائل المبلغ الذي وصله بعض أبناء جلدتنا، فإنت لا تكاد تلتقي مسؤولاً أو باحثاً غربياً، إلا وتقرأ على وجهه ولسان، أسئلة من نوع: إلى متى سيستمر هذا الموقف، وهل هو من النوع النهائي، أم تكتيك أملته ضرورات الانتقال وتحديات المرحلة من سياسية واقتصادية وأمنية وغيرها؟.

أما عن حوار الإسلاميين مع الغرب عموماً، فنحن نرى أن هذا لا يثلم أبداً مواقف هؤلاء...فالأصل أن يكون هناك حوار وأن يكون هناك تبادل وأن يكون هناك تواصل...ومَن مِن تيارات العمل السياسي والفكري، لم تحاور الغرب وتأتلف معه وتتلاقح مع أفكاره وتشتبك معه في الآن ذاته...ولماذا الافتراض بأن حوار الإسلاميين مع الغرب هو من صنف آخر من الحوارات، صنف “المؤامرة” و”الصفقة”، أو أنه سيفضي إلى استتباعهم له لا محالة...وهل هم أقل تحصيناً من تيارات سياسية يسارية وقومية وليبرالية، حاورت وائتلفت واشتبكت مع الغرب؟...ألا ينتمي كثير من أحزابنا السياسية اليسارية على سبيل المثال لا الحصر والاتهام، إلى ائتلافات دولية مركزها الغرب أساساً، كالاشتراكية الدولية الحاكمة في عديد من عواصم الغرب؟.

الأصل، في الأحزاب السياسية الكبرى، وهي الآن الإسلامية بخاصة، أن تفتح حوارات مع الجميع، دولاً وأحزابا واتجاهات وتيارات، وإن كان ثمة من خط تشديد يجب أن يوضع تحت كلمة حظر ومحظور، فهي ذاك الذي يتعلق بالحوار والتفاوض مع إسرائيل والإسرائيليين...ما عدا ذلك، الحوار جائز ومطلوب وضروري، ولقد سبق لكل القادة الكبار لكل التيارات السياسية والفكرية العربية الكبرى، أن حاورا واتفقوا واختلفوا واشتبكوا وتحاربوا مع الغرب، من جمال عبد الناصر مروراً بصدام حسين وانتهاء بعلي ناصر وعلى سالم البيض وغيرهم.

ولطالما وجدت موقف الإسلاميين الرافض للحوار مع الغرب أفراداً وتيارات وحكومات مُحيراً...وهم اليوم يصححون من وجهة نظري، خطأ قارفوه من قبل، وتركوا للغرب أن يسمع عنهم، ومن حكامهم، بدل أن يسمع منهم وعن أنفسهم...وكان بنتيجة ذلك – من ضمن أسباب أخرى - أن تشكلت صورٌ نمطية عنهم وتعممت ظاهرة “الإسلاموفوبيا” التي لا يمكن لعاقل أن ينكر أثرها على أحداث العقدين الفائتين وتطوراتهما.

في حالة إسلاميي الأردن، أعتقد أن الحوار مطلوب...أما في حالة إسلاميي فلسطين (حماس) فهو ضروري، وأحسب أن الحركة تسعى جاهدة في سبيله، وهي تعد انفتاح الغرب عليها، علامة من علائم نجاحها والإقرار بها فاعلاً رئيساً في أوساط شعبها...ولقد كنّا وبتواضع، من بين المطالبين بالانفتاح على حماس وحزب الله والإخوان المسلمين بعامة، في كل محفل ومؤتمر ومناسبة مع الغربيين، وكنا نُوَجهُ بالصدّ والاستنكار في بادئ الأمر، إلى أن انقلبت الموازين وتبدّلت الأحوال.

لكننا ونحن نسعى في ذلك ونؤيد مسعى الإسلاميين الانفتاحي، نحرص دائماً على أن لا تنجرف البوصلة إلى إلى غير وجهتها واتجاهها، وأن لا نذهب بعيداً في “التكيّف” مع موجبات الحوار ومتطلباته، لأننا عانينا من أنظمة “الهرولة” و”الاستتباع”، ولا نريد لبدائلها في عدد من دول الربيع العربي أن تغزل على “النول” ذاته، نريد للحركات الإسلامية ونريد منها، مواقف أكثر صلابة فيما خص حقوقنا الوطنية والقومية من مواقف أنظمة وحكومات بائدة، وفي مقدمتها الحق في فلسطين، وأجازف بالقول أنها ستفعل ذلك.

 
وساطة يعرف راعيها الأردني أنها فاشلة!!
نقولا ناصر
كتب: نقولا ناصر - رام الله - -

يمكن مجادلة وزير خارجية الأردن ناصر جودة في أن الرعاية الأردنية للمحادثات الفلسطينية الإسرائيلية هي حقا "مصلحة عليا" أردنية، لكن لا يمكن بالتأكيد إلا الاختلاف معه في قوله إنها ليست "وساطة"، فهي بكل المقاييس كذلك

بعد عشرين عاما تقريبا من انطلاق "عملية السلام" وتوقيع سلسلة اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين دولة الاحتلال الإسرائيلي و"التنسيق" الأمني وغيره تحت مظلة "الحكم الذاتي" الفلسطيني، تبدو مفارقة مثيرة للكثير من الأسئلة الجادة حول جدوى هذه العملية أن تجري في العاصمة الأردنية هذه الأيام، أو في غيرها لا فرق، محادثات "استكشافية" لاستشراف مرجعيات استئناف مفاوضات بين الجانبين بهدف انقاذ هذه العملية من انهيار كامل يكنس إلى مخلفات التاريخ كل ما تمخضت عنه حتى الآن.

لكن المفارقة الأكثر إثارة للاستهجان تكمن في أن راعي "الوساطة الأردنية" في هذه المحادثات "الاستكشافية" يعرف مسبقا أنها فاشلة، وتكمن في قلة قليلة تتحدى كل معطيات الواقع ناهيك عن مجافاة المنطق عندما تتوقع أن تنجح الرعاية الأردنية لهذه المحادثات في أن تحقق خلال أقل من شهر ما فشلت رعاية القوى العظمى الممثلة في اللجنة الرباعية الدولية في تحقيقه منذ إنشائها عام 2002، خصوصا بعد أن رفض الجانب الفلسطيني تمديد الموعد النهائي الذي حددته الرباعية في السادس والعشرين من الشهر الجاري، بالرغم من الضغط الأمريكي عليه من أجل التمديد، في الأقل حتى الثالث من آذار/ مارس المقبل كما يريد رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وبالتالي ستكون الجولة الرابعة للمحادثات المقرر انعقادها في الخامس والعشرين من الشهر هي الأخيرة.

ويمكن مجادلة وزير خارجية الأردن ناصر جودة في أن الرعاية الأردنية للمحادثات الفلسطينية الإسرائيلية هي حقا "مصلحة عليا" أردنية، لكن لا يمكن بالتأكيد إلا الاختلاف معه في قوله إنها ليست "وساطة"، فهي بكل المقاييس كذلك.

إن تصريح وزير الحرب في دولة الاحتلال، ايهود باراك، يوم الثلاثاء الماضي بأن "المؤسسة الأمنية في إسرائيل" "تتوقع" و"تستعد" لمواجهة "فترة من عدم اليقين" في الضفة الغربية المحتلة يعزز الادعاء بالمصلحة الأردنية العليا لتسويغ رعاية هذه المحادثات، لكن تصريح رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، د. عزيز الدويك، بعد اعتقال سلطات الاحتلال له نهاية الأسبوع الماضي بأن مشاركة منظمة التحرير في محادثات عمان هي "خروج عن الشراكة السياسية" مع حركة حماس التي ينتمي اليها هي مؤشر في الاتجاه المضاد، إذ تكمن المصلحة الأردنية العليا في وحدة الصف الفلسطيني.

وحلل ويحلل كثير من المراقبين بأنها وساطة تسد الفراغ الناتج عن وساطة نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك التي ظلت طوال ثلاثين عاما من حكمه دورا مصريا مرفوضا شعبيا داخل مصر، ومستهجنا قوميا لأن الدور الذي كان وما زال كل العرب يتوقعونه من الدولة العربية الأكبر والأقوى هو دور يدعم الكفاح الوطني لعرب فلسطين ولا يتوسط فيه.

ومن المؤكد أن أي دور أردني يرث دور نظام مبارك، حتى ولو لمرة واحدة ربما اقتضتها "المصلحة العليا" الأردنية ومستجدات اقليمية ودولية، هو دور لن يكون مرحبا به لا شعبيا داخل المملكة ولا عربيا، فـ"الربيع العربي" الذي استهدف أولا نظامين في مصر وتونس كانا يلعبان دور "الوساطة" هذا قبل أن ينحرف هذا الربيع باتجاه أنظمة تعارض المرجعيات والفلسفة السياسية التي تسوغ أي وساطة كهذه هو مؤشر لا يخطئ إلى أين تشير بوصلة نبض الشارع العربي، وبخاصة الأردني والفلسطيني منه.

لكن إغلاق بوابة عمان أمام نتنياهو حتى الآن، خلافا لفتح أبواب القاهرة له في عهد حسني مبارك، وعدم وجود سفير أردني في تل ابيب منذ عامين ونصف العام، مما دفع رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب بالكونجرس الأمريكي اليانا روس- ليهتاينن إلى مطالبة الملك عبد الله الثاني خلال استقباله لها أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن بتسمية سفير أردني لدى دولة الاحتلال، هما مؤشران يرجحان بأن استحقاقات العلاقات الثنائية الأردنية- الأمريكية والمستجدات الإقليمية كانا عاملين حاسمين لقيام الأردن بهذه الوساطة، كما يرجحان بأن تكون هذه وساطة يتيمة لمرة واحدة لن يشجع على تكرارها لا فشلها، ولا الرفض الشعبي الأردني لها، ولا رد الفعل السلبي الفلسطيني عليها، ولا عدم صدقية التجاوب معها من الجانب الإسرائيلي الذي استغلها كثغرة تكسر طوق العزلة الدولية عليه، وغير ذلك من العوامل.

إن الملك عبد الله الثاني عندما قال في مقابلته الأخيرة مع الـ"واشنطن بوست" إن الوقت الحالي ليس هو الوقت الصحيح لدفعة أمريكية هامة لمحادثات السلام، مضيفا أن لا أحد من الأطراف المعنية يتوقع أن يتدخل الأمريكيون الآن بقوة وبوزن كامل؛ إنما أكد بأن الدبلوماسية الأردنية عندما قررت رعاية محادثات كهذه فإنها كانت تعرف سلفا بانها تفتقد العامل الأهم لنجاحها في حده الأدنى وهو الدور الأمريكي المفقود، مما يرجح صحة الاستنتاج بأن هذه المبادرة الأردنية إنما كانت تستهدف خدمة مصالح المملكة في إطار علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية أكثر مما كانت تستهدف حقا إنجاح محادثات تعرف مسبقا بانها تفتقد العوامل الأساسية لنجاحها.

وعندما يتذكر أي مراقب بأن الملك الذي كان دقيقا في قوله للواشنطن إنه كان "حذرا في القول إنني متفائل بحذر" من جولات المحادثات "الاستكشافية" بين المفاوضين الفلسطنيين والإسرائيليين برعاية بلاده كان دقيقا أيضا عندما وصف ما أنجزته هذه المحادثات بأنه "خطوات أطفال".

فهذا الوصف المجازي فيه من الدقة بقدر ما فيه من السخرية المبطنة، فخطوات الأطفال ليست ثابتة ومتعثرة ويمكن أن تسبب وقوعهم في حوادث قد تكون أحيانا قاتلة، فهذه كذلك هي مواصفات "خطوات" من تقدم بهم أرذل العمر أيضا، ومن يشاركون في المحادثات الجارية برعاية أردنية هم مفاوضون بلغوا أرذل العمر التفاوضي الذي ضيعوه عبثا، وقد تعثر الفلسطينيون منهم في شبابهم التفاوضي فوقعوا وأوقعوا قضيتهم الوطنية في سقطات كارثية كانوا طوال العام المنصرم وما زالوا يحاولون البحث عن مخارج منها وبالتالي فإنهم على الأرجح لن ينجحوا بعد أن هرموا تفاوضيا في تحقيق ما فشلوا في تحقيقه وهم في عز شبابهم التفاوضي.

ويظل أن يفسر العاهل الأردني في وقت ما في المستقبل ما إذا كان يقصد أو لا يقصد هذه السخرية المبطنة في انتقائه لكلماته.

لكن المراقب يتذكر بان الملك "الحذر من التفاؤل بحذر" الآن هو نفسه الذي قال في مقابلة مع الـ"سي ان ان" قبل حوالي ثلاثة أشهر فقط إنه كان لأول مرة "متشائما جدا" من فرص إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، "لأن إسرائيل ليست مهتمة حقا بحل الدولتين"، ليتذكر المراقب أيضا بأن مستجدات هذه الشهور الثلاثة الأخيرة أضافت إلى عوامل التشاؤم ولم تنقصها، مما يعزز الاستنتاج بأن المبادرة الأردنية إنما استهدفت خدمة مصالح المملكة في إطار علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة، الحريصة على توفير أدوار تبقي "عملية السلام" التي ترعاها منذ عشرين عاما مستمرة في المراحل التي تنشغل فيها عنها بالانتخابات أو بغير الانتخابات، أكثر مما استهدفت إنجاح محادثات تعرف مسبقا بانها تفتقد العوامل الأساسية لنجاحها.

إذ إضافة إلى حقيقة أن "لا أحد من الأطراف المعنية يتوقع أن يتدخل الأمريكيون الآن بقوة وبوزن كامل" في جهود استئناف "عملية السلام"، كما قال عبد الله الثاني، فإن العوامل الأساسية الأخرى التي تدفع في الاتجاه المعاكس ليست غائبة بالتأكيد عن صانع القرار الأردني ودبلوماسيته الذين يعرفون كذلك بأنه لولا التدخل الأمريكي لما كانت هناك عملية سلام أصلا وأن عدم التدخل الأمريكي معناه فقط توقف هذه العملية إن لم يعن موتها.

فهم يعرفون بأن عام 2012 هو سنة انتخابية في الولايات المتحدة، وأن الانتخابيات الإسرائيلية على الأبواب كذلك، ويعرفون بأن "قضية سوريا هي الهم الرئيسي" للادارة الأمريكية خارجيا الآن، كما قال الرئيس باراك أوباما بعد لقاء قمته مع الملك عبد الله، وليس القضية الفلسطينية، يليها اهتمامها باستمرار التزام مصر ما بعد مبارك بسلامها مع إسرائيل وبعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، كما ضعف الدور الأوروبي عما كان عليه قبل خمس سنوات وبالتالي ضعف تأثيره في كبح الانحياز الأمريكي السافر لجدول الأعمال الإسرائيلي في "عملية السلام"، بينما يبدو المشهد الفلسطيني الذي ارتهن لهذه العملية طوال العقدين المنصرمين من الزمن على مفترق طرق يحث الخطى نحو فك ارتباطه بها بالرغم من استمرار الرئيس الفلسطيني في التمسك بهذه العملية كالقابض على الجمر، إلى غير ذلك من العوامل التي تدفع باتجاه الانفكاك العربي الاقليمي عن هذه العملية.

فهذه العملية التي قامت على أساس مبادلة الأرض بالسلام قد انهارت، أو هي على وشك الانهيار، بنسف الأساس الذي قامت عليه بواسطة الجرافات الإسرائيلية التي تمهد الأرض لتهويدها بالاستعمار الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية المحتلة.

وقد حان الوقت لدفن "عملية السلام" التي يمنع استمرارها، أو خلق الوهم باستمرارها، ظهور بدائل جادة لتحرير الأرض وإنهاء احتلالها وحصول شعبها على حقه في تقرير مصيره فوق أرضه، بحيث تبدو أي وساطة لاستمرار هذه العملية، أو لبعث الحياة في رميمها، من أجل الحفاظ على الوضع الراهن المستمر منذ انطلاق عملية السلام قبل حوالي عشرين عاما، والذي تكاد تجمع كل أطراف العملية على كونه وضعا غير قابل للاستمرار، مجرد محاولة يائسة تسير ضد حركة التاريخ، ومنها طبعا الوساطة الأردنية التي يعرف أصحابها بأنها محكوم عليها بالفشل قبل إطلاقها.

لذلك سوف يجد من يتساءل عن الحكمة من إطلاق الوساطة الأردنية في هذا السياق أجوبة على تساؤلاته في علاقات الأردن الثنائية مع الولايات المتحدة على الأرجح.


 
شكرا للمنسحبين الكاشفين لجرائم الأسد ونظامه
د. أحمد أبو مطر
كتب: د.أحمد أبو مطر - أوسلو - -

الكثيرون من الكتاب والمراقبين والسياسيين العرب من مختلف الأقطار العربية، قالوا منذ بداية قرار الجامعة العربية إرسال ما أطلق عليها ( بعثة المراقبين العرب ) إلى سوريا، أنّه لا فائدة من وصول هذه البعثة لسوريا التي تشهد ثورة عارمة ضد نظام قاتل يقوده شكلا بشار الأسد، بينما هو فعلا حكم عائلي يستمر منذ ما يزيد على 41 عاما بشكل مت عادت ممارساته الميدانية في كافة جوانب الحياة السورية من قتل وقمع ومصادرة للحريات وفساد تليق بكرامة الشعب السوري. وقد تركزت أغلب التحفظات في هذا الشأن على مسألتين:

الأولى: الشروط التي تضمنها هذا الاتفاق خاصة ضرورة مناقشة أي تقرير مع وزير خارجية العائلة الأسدية وليد المعلم للاتفاق عليه قبل نشره، وهذا يعني استحالة الوصول لتقارير نزيهة ترصد حقيقة ما يجري في المدن السورية ضد هذا النظام.

الثانية: التحفظ القاسي الصريح على رئيس البعثة الضابط السوداني محمد الدابي الذي أثبتت تقارير كثيرة سودانية وعربية وأجنبية مشاركته الميدانية في غالبية جرائم نظام عمر حسن البشير المطلوب منذ سنوات لمحكمة الجنايات الدولية، وبالتالي فلا أمل في نزاهة هذا المسؤول عن البعثة. فمن شارك في جرائم سابقة لا يمكن أن يكون شاهدا على جرائم مماثلة خاصة أنّ النظام السوداني الذي ينتمي إليه من الداعمين العلنيين لنظام الأسد وعصاباته.

شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد

ويكفي هذا الشعار الذي أطلقته التجمعات التي أعدتها ونظمتها مخابرات وأجهزة أمن الأسد يوم الأربعاء الحادي عشر من يناير في بعض المدن السورية، فهو شعار واقعي يعبر فعلا عن أنّ من صاغه وأعطاه لهؤلاء الذين جمّعتهم المخابرات الأسدية، كان يعبر حقيقة عن دور هذه الأجهزة الأمنية ومن يصفق معها بأنهم شبيحة ضد المتظاهرين السوريين المطالبين بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية وزوال نهائي لحكم العائلة الأسدية الذي لا مثيل له إلا النظام الكوري الشمالي القمعي أيضا حيث حكم الولد الأول بعد الوالد ثم الولد الثاني بعد الوالد..وهكذا. وقمة مسرحية المخابرات الأسدية في هذه التجمعات المفبركة ما أعلنه الإعلام الأسدي أنّ ( الرئيس بشار تفاجأ بهذه الحشود المؤيدة له فقرّر مشاركته لها والتعبير عن حبه لها ). ولكنّ الملاحظ أنّ الرئيس المحبوب جماهيريا (!!!!) لم يتجرأ على النزول لصفوف الجماهير، فأطلّ عليها لدقائق من  مبنى المكتبة العامة في ساحة الأمويين التي أطلقوا عليها اسم والده الأسد الأول. وما إن أطلّ بابتسامته الساحرة حتى انطلقت الهتافات المعبرة عن طبيعة التشبيح التي يمارسها نظامه:

شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد
شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد

والسؤال للجميع بمن فيهم مصفقي ومؤيدي الأسود المتوحشين على شعبهم هو: هل يعبر هذا الشعار الدموي عن ملايين الشعب السوري الطيب المطالب بالحرية من هذا الأسد؟. هل يعبر هذا الشعار المتخلف عما تعيشه أسر ألالاف التي قتلتها شبيحة هذا النظام منذ الخامس عشر من مارس 2011 ، وما يزال القتل يستمر يوميا حتى بعد وصول بعثة المراقبين العرب؟.

وأخيرا جاءت الفائدة الوحيدة من ذوي الضمائر في هذه البعثة

وذلك عندما أعلن عضو بعثة المراقبين العرب الكاتب الجزائري المعروف أنور مالك انسحابه من عضوية هذه البعثة. وأنور مالك غني عن التعريف فهو صاحب المؤلفات والبحوث العديدة، والذي لا يمكن الشكّ في نزاهته لأنه لا ينتمي لأي نظام بما فيه النظام الجزائري كونه يقيم في الخارج منذ سنوات عديدة، أي يمتلك حرية القرار لكونه غير خائف من أي نظام عربي، مثل العديد من الكتاب والمثقفين العرب الذين يعيشون في حماية الديمقراطية الأوربية حيث تستطيع نقد رئيس الوزراء والملك إذا كان نقدك مبنيا على حقائق ومعلومات مؤكدة. وفي حالة شهادة أنور مالك على ما عاشه طوال حوالي ثلاثة أسابيع ميدانيا في خضم أحداث الثورة السورية وردود فعل شبيحة الأسد، من المهم التركيز على بعض أقواله التي هي شهادات ميدانية:

1 . أكّد صراحة أنّه انسحب من البعثة ( لأنه وجد أنها تخدم النظام السوري ولأن البعثة تعطي نظام الرئيس بشار الأسد فرصة أكثر ليمارس القتل ).

2 . اتهم النظام ب ( العمل على تضليل المراقبين، و أن النظام السوري أصبح يقتل أطرافا موالية له لإقناع المراقبين بوجود من يصفهم بالإرهابيين )، كما بين ( أنه ومن خلال مكوثه في مدينة حمص لخمسة عشر يوما لم يشهد انسحابا للآليات العسكرية من المدينة التي وصفها بالمنكوبة ).

3 .  روى أنور مالك مشهدا أثر فيه كثيرا و دفعه للإنسحاب من البعثة إذ قال " الأطفال يقتلون ويتم تجويعهم وتخويفهم. رأيت أطفالا يتامى ونساء وأمهات يبكين أطفالهن، وأكثر موقف أثر فيّ وقررت بعده الانسحاب، وهو مشهد قتلني كثيرا، كان لأم عجوز عمياء تبكي ابنها ونحن رأيناه جثة وقد ظهرت عليه آثار التعذيب وجلده منزوع، كانت تبكي ابنها وتقبله وهي لا تراه تلمسه فقط وجثته متصلبة كالحجر، لا أستطيع أن أصف لك.. الوضع كان مأساويا ).

4 . و أضاف " بين اللحظة والأخرى نقف على شخص يتم قنصه، كل تلك المناظر رأيتها بأم عيني، ولا أستطيع أن أتخلص من إنسانيتي أو أدعي الاستقلالية والحياد في مثل تلك المواقف. أن ما يقوم به نظام الأسد تجاوز جرائم الحرب، وأوضح أن سوريا تقف على شفا حرب أهلية وطائفية مدمرة إذا لم يتخل الرئيس الأسد ونظامه عن السلطة.

5 . وعن رئيس البعثة الضابط السوداني مجمد الدابي قال أنور مالك ( رئيس البعثة يريد أن يمسك العصا من الوسط حتى لا يغضب السلطة أو يغضب أي طرف آخر، وهو يستعمل تلك الألفاظ من أجل ألا يغضب الأطراف ).

6 . ومن أخطر ما عاشه وصرّح عنه أنور مالك تأكيده حول إدعاء نظام الأسد الإفراج عن معتقلين، إنّها ( مسرحية يقوم بها النظام، حيث قبل أن يعلن النظام عن إطلاق المساجين يختطف الناس من الشوارع عشوائيا ويتركون في السجن لمدة أربعة أو خمسة أيام في وضع مأساوي، وبعد ذلك يتم استدعاؤنا لحضور هذه المسرحية على أساس أنه تم الإفراج عن المساجين. أما الأشخاص الحقيقون الذين طالبنا بالإفراج عنهم وفقا لقوائم جاءتنا من المعارضة فإنه لم يفرج عن أي شخص ).

7 . والمراقبون انفسهم لم يسلموا من جرائم نظام الأسد، إذ أكّد أنور مالك: ( تعرضنا يوم الاثنين لمحاولة اغتيال، حيث نقلنا على سيارة من حمص إلى دمشق في طريق بجوار بابا عمرو، مع العلم بوجود طريق آخر يوصل إلى دمشق، وذلك حتى يقنعنا النظام بأن أهل بابا عمرو هم من أطلقوا علينا النار، وأنا متأكد من أن أهل بابا عمرو لم يفعلوا ذلك، لأن الطريق الذي سلكناه كانت به نقاط عسكرية والبيوت المطلة على الطريق يسيطر عليها قناصة وشبيحة، وحتى الجيش الحر بعيد من هناك ولا يمكن أن يصل إلى تلك المنطقة، وأؤكد أن العملية كانت مخططة ومدبرة، وتحدث معنا أستاذ جامعي قال إنه تم تحضير القناصة وشاهدهم بعينه من مكتبته قبل مرور السيارة التي كانت تقلنا بحوالي ربع ساعة ).

إنّ شهادة انور مالك عن مؤامرات وجرائم وشبيحة الأسد ونظامه، تستحق ان تترجم للعديد من اللغات ونشرها على نطاق واسع، كي يعرف العالم أجمع جرائم هذا النظام بحق الشعب السوري، ويتحرك لإنقاذه من أنياب هذا الأسد وعئلته وشبيحته الذين يصرخون علانية أمامه ( شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد ) وهو يبتسم لهم مشجعا على المزيد من هذا التشبيح كي يبقى رئيسا للأبد كما فعل والده بعد قتل وفساد استمر ثلاثين عاما، ومن بعده نجله يدخل عامه الثاني عشر في نفس الممارسات، فهذا الشبل من ذاك الأسد.

وتوالى المنسحبون ذوو الضمائر الحيّة

فقد أعلن مراقبون عرب جدد انسحابهم من هذه البعثة كي لا يكونوا شهود زور على جرائم النظام، وهذا لا يرضي ضمائرهم النقية المتضامنة مع سلمية الثورة السورية، حسب ما أكدّه أنور مالك ومنهم المراقب المصري أحمد عبد الخليل والجيبوتي محمد حسين عمر، بالإضافة إلى مراقب مغربي وتونسي وسوداني وآخرون رفضوا الإفصاح عن أسمائهم خوفا على حياتهم، خاصة أن أنور مالك أعلن عن انسحابه من البعثة على صفحته في الفيس بوك وهو في داخل سوريا، فتعرض لتهديد من ضابط من شبيحة الأسد قائلا له عبر الهاتف ( لن تعود لبلادك حيّا ). وهذه فعلا من أعمال ( شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد ). فعيون الأسد عندهم أهم من خمسة وعشرين مليونا من الشعب السوري يعانون من حكم عائلة الأسد منذ 41 عاما.

وتتوالى هجمات شبيحة النظام على المراقبين أيضا،

على مدى الأيام الماضية كما أوضح بيان رسمي للجامعة العربية، حيث قامت هذه الشبيحة الأسدية بهجوم على مجموعة للمراقبين كانوا في زيارة لمدينة اللاذقية.هذا فيما ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش الخميس الموافق الثاني عشر من يناير أن قوات الامن السورية اطلقت النار على متظاهرين سلميين حاولوا الوصول الى مراقبي الجامعة العربية في مدينة جسر الشغور في شمال سوريا، وطالبت المنظمة الجامعة العربية بادانة السلطات السورية. وقالت المنظمة في بيانها نقلاً عن شاهدين قالا أنهما اصيبا في الحادث وفرّا الى جنوب تركيا انه "حوالى الساعة 11 صباحًا بالتوقيت المحلي في 10 يناير/كانون الثاني 2012 تقدما من ساحة حزب البعث ، لمقابلة مراقبي جامعة الدول العربية المتواجدين هناك، وعندما اقتربا من نقطة تفتيش في الطريق إلى الساحة، منعهما أفراد من الجيش من التقدم. وبعد رفض المتظاهرين التراجع والتفرق تم اطلاق النار على الحشد، فاصيب تسعة متظاهرين على الاقل. وأكّدت المنظمة أنّ هذه الانتهاكات تعتبر خرقا للاتفاق الموقع بين الحكومة السورية والجامعة العربية، حول مهام بعثة المراقبين العرب. وقالت متحدثة باسم المنظمة ( حان الوقت لأن تندد الجامعة العربية باخفاق الحكومة السورية في الالتزام بالاتفاق. السماح باستمرار البعثة من دون جهود فعالة أو واضحة لحماية المدنيين لن يؤدي إلا إلى المزيد من الوفيات ).

أمّا استمرار الموقف الروسي،

من قبل حكومة التدوير بين بوتين وميدييف في دعم نظام الشبيحة والوقوف معه في وجه غالبية دول العالم المؤيدة لحماية الشعب السوري، فسيظل نقطة سوداء في تاريخ نظام بوتين- ميدييف، وليس غريبا على من يزور انتخابات بلاده روسيا ويمنع المظاهرات الروسية أن يدعم ما يشبهه من أنظمة. ورغم ذلك فالمتوقع من الجامعة العربية في اجتماعها القادم لتقييم عمل بعثة المراقبين العرب، أن تعي فشل البعثة بسبب مساخر نظام الأسد وشبيحته، وتطالب بإحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن رغم التوقع المؤكد للموقفين الروسي والصيني المضاد لرغبة الشعب السوري في التخلص من هذا النظام بعد قمع وقتل وفساد دخل عامه الثاني والأربعين منذ حكم الأسد الأول عام 1970 إلى حكم الأسد الثاني الذي يصرّ على القتل وصولا لتوريث الأسد الثالث، وبالتالي ليس بعيدا أن يتم تغيير القانون البعثي المسمى زورا ( الدستور ) لتبديل اسم الجمهورية السورية ليصبح ( الجمهورية الأسدية )، ونأمل إن حدث ذلك  (لا قدّر الله وثورة الشعب السوري البطل )، أن لا يضعوا في الاسم الجديد كلمة ( العربية ) لأنّ هذا النوع من الجمهوريات لا يشرّف العروبة والعرب.

وآخر الأخبار الرافضة لنظام الأسد الانشاقات في المؤسسة الدينية ولهذا حديث قادم!!!.

0cc856dceefbd86b21327032dc26bb8fwww.dr-abumatar.net
www.drabumatar.com
 
"شيزوفرينيا" المثقف
لمياء القلاب
كتبت: لمياء القلاب - عمان - -

الثورات الشعبية المتلاحقة التي إجتاحت العالم العربي أشعلت نيران قهرها، وذكرّت العالم الغربي بالثورة الفرنسية التي أطاحت بالملك لويس السادس عشر الذي حكم عليه بالإعدام في ساحة "الكونكورد" بعد ثلاث سنوات من إندلاع الثورة، ورغم ذلك لم تقطف الثورة ثمارها إلا بعد انقضاء عشر سنوات، ومرورها بجميع المراحل حيث بدأت بوضع أول دستور للبلاد وأنتهت بالتنوير بفضل مفكريها أمثال فولتير وجان جاك روسو ومونتسكيو.
 
لا بد أن نلتفت إلى المثقف الغربي الذي أدى دوره التوعوي قبل إشعال ثورته حيث ساهم في  خلق ثورة ثقافية وليس شعبية تكتفي بسقوط النظام والظلم لتجد نفسها بعد ذلك في هاوية الظلمات والفوضى، مهيئة بذلك الطريق لتركب الأحزاب المتملقة الموجة بعد أن ضمنت سقوط النظام طمعاً بالسلطة والسيادة.

أما المثقف العربي التقليدي فقد كان قبل وحتى بداية الثورة كالمستيقظ من قيلولته يشاهد الشعوب المقهورة من الأبراج العاجية دون أن يغير مكانه أو الواقع سواء بحمله رسالة أو موقف أو رأي  ينهض به بالمجتمع الذي ينتمي إليه، ولعله أكتفى بأحلامه "الدون كيشوتية" ومهنته والطبقة التي ينتمي إليها، وحتى الشارع لا يراه سوى بائس مجهول الهوية، كذلك هو حال المثقف المنسق أو العضوي  يبدو لنا وكأنه مصاب بالفِصام العقلي "الشيزوفرينيا" فعينه على الشارع ووجدانه مع السلطة، يرتبط بالأجهزة الأمنية لتنظيم مصالحها، وهو البوق الذي يتولى نشر الثقافة التي تخدم المرحلة، وبذلك يحقق المكاسب المادية ويحصل على مناصب مرموقة في الدولة.

ومع بداية الثورات إستل قلمه ورفع صوته للدفاع عن أنظمة ديكتاتورية، ومنهم من خلع قناع اليسار الذي خدع به الشعب طويلاً مفصحاً بأنه يميني متطرف وبشراسة.
 
سقط الطغاة العرب لكن ذلك لا يعني بأن الثورة العربية قد نجحت بذلك الحدث التاريخي، فالثورة التي بدأت في تونس ولم تنتهي بعد في سوريا وربما "ما زال الحبل على الجرار" تعتبر ظاهرة أساسية لإكمال مشروع الدولة وبلوغ النهضة التي تحتاج الى ما تبقى من عقول المثقفين والمفكرين العرب، مذكرين بمقولة "إيمانويل كانت" (فلتكن لكم الجرأة على إستخدام عقولكم)، مما يستدعي وبشكل طارئ تشكيل "لجنة إنقاذ وعدم الاكتفاء بالتحريض على الإنتقام من الأنظمة وأتباعهم، لأن ذلك لن يحقق التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان السبب المباشر لتلك الثورات، خاصة والعالم يعاني أزمة مالية عالمية منذ عام 2007 وحتى الآن، وقد تجاوزت الخسائر الإقتصادية في دول الثورات 55 مليار دولار، وهذا مؤشر خطير يشكك بقدرة تلك الدول على الصمود وإكمال مشروعها.

الشعوب المقهورة بدأت بإنتفاضتها وخسرت الآلاف من الأرواح، وهنا يجب أن نضع نقطة ونبدأ سطراً جديداً بالمثقفين الحقيقيين ليستعيدوا دورهم الذي تلاشى منذ زمن، لتبدأ المرحلة القادمة  بخروج المثقفين من عزلتهم إلى الجمهور للتواصل معه، والعمل على تطوير وعيهم وتولي القيادة الفكرية، لتخطي حالة التخبط والفوضى في الدول الثائرة، لعلنا نعرف للتنوير عنواناً.


 
ماذا يعني "رومني "رئيساً لأميركا ؟
إميل أمين
كتب: إميل أمين - القاهرة - -

حقا أنها بلد العجائب.. أميركا التي تأتيك بكل مثير وغريب وما هو غير متوقع، لماذا الاندهاش؟ حكماً أن السبب هو تقدم ميت رومني الحاكم السابق لولاية ماساشوستس الأميركية، في السباق الأولي للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة الذي جرى في ولاية ايوا، وذلك لأن رومني ينتمي عقائديا إلى طائفة المرمون.

يطرح فوز رومني العديد من الأسئلة؛ بداية من هم المرمون؟ وما الذي يحمله رومني في جعبته؟ وما دلالة نجاح رومني بالنسبة لأميركا وللعالم، إذا قدر له بالفعل أن يصل إلى الرئاسة، أي أن يتفوق على المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية في 2012 الرئيس باراك أوباما؟

تبدأ قصة المورمونيين، والذين لا يعدون في نظر الكنائس المسيحية التقليدية مسيحيين في الأصل، العام 1830 على يد شخص يدعى جوزيف سميث والذي يعتبر عند اتباعه نبيا.

كيف يفوز رومني في ايوا ولو بفارق ضئيل (8 نقاط)، ويتوقع له أن يحصد لاحقا فوزاً سهلاً وبفارق 20% على الأقل على منافسيه في ولاية نيوهامشير، في حين أن النظرة الروحية لطائفته قليلة العدد جداً، والذي لا تتجاوز 12 مليوناً حول العالم نصفهم فقط في أميركا، نظرة متدنية جداً؟

الجواب ربما يقودنا إلى ما يجري في الداخل الأميركي من تغيرات جوهرية واهتمامات أولية، ما بين الاقتصاد المتدني والسياسة الخارجية الأميركية، التي فقدت حضورها حول العالم، والتي تشهد الآن بدايات للانسحاب الامبراطوري حول العالم.. كيف ذلك؟

بداية، فإن رومني عرف كيف يدغدغ ومن جديد أحلام الأميركيين، وخاصة أهل اليمين منهم أو الغالبية فيهم، عبر رؤاه الامبراطورية لأميركا. ففي كلمة أخيرة له بمناسبة الذكرى العاشرة للحرب الأفغانية، قال رومني في الكلية العسكرية في ساوث كارولينا: "إن الرب خلق أميركا لتكون أمة يتبعها الآخرون، وليس قدرها أن تكون إحدى القوى المتساوية في العالم، وإن لم تقد واشنطن العالم فإن غيرها سيفعل".. ليس هذا فقط، بل إن رومني تعهد بأنه: "إذا ما تم انتخابه فإنه سيناضل من أجل قرن من التفوق العسكري الأميركي أمام عدد من القوى الصاعدة كالصين"، مشيرا إلى أن "العالم يكون أكثر أمنا عندما تكون أميركا قوية".

هل نحن إزاء طبعة مورمونية جديدة من الغرور الامبراطوري للمحافظين الجدد، كما ظهروا في وثيقة القرن الأميركي نهاية التسعينات؟

يبدو أن ذلك كذلك بالفعل، وليس أدل على صدق ما نقول، من موقف الرئيس الأميركي السابق جورج ووكر بوش من رومني.. ماذا عن ذلك الموقف؟

قبل أن ينفض العام السابق بنحو أسبوع، صرح بوش لصحيفة "كرونيكال" بأنه يعتقد أن "رومني أفضل خيار لأميركا، وذلك لما يتمتع به من اتزان وخبرة ومبادئ، وأنه شخص بارع ناضج وعقلاني وليس قاذف قنابل.. يبدو انه سيحقق قفزة إلى الأمام.. أريد أن أرى أوباما مهزوما".

لكن تصريحات رومني تؤكد أنه سيكون بالفعل قاذف قنابل، وأن إيران ربما تكون مجالا لإظهار قدراته العسكرية، لا سيما وأنه ككل رئيس أميركي، يعرف أن مكانته بين ساسة بلاده وفي تاريخها، لا تكتمل إلا بأن تكون له حربه الخاصة التي يثبت فيها رجولته، ويظهر للشعب الأميركي أنه وفي لعقيدته وممثل لفحولة هذه العقيدة، وقادر على الاختيار بين نار أميركا ودم الآخرين.

في هذا الصدد يفهم المرء تصريحات رومني، الذي اعتبر أن القيادة الإيرانية شريرة، وأن "إيران تحاول من جديد بناء امبراطورية قائمة على الشر وتعتمد على ثروات الشرق الأوسط".

والثابت أن رؤية رومني "قاذف القنابل"، تتفق وتتسق مع التقسيم المانوي لبوش الابن للعالم إلى قسمين؛ الأخيار والأشرار. ففي مقابلة صحفية له مع صحيفة وول ستريت جورنال العتيقة، قال "هناك أشرار.. هناك أناس هدفهم إخضاع وقمع الآخرين، إنهم أشرار.. أما أميركا فهي طيبة".

أما بالنسبة للمسلمين والعرب فخيار رومني كارثي ولا شك، فالرجل يرى أن عدد المسلمين في أميركا لا يؤهلهم لأن يعين واحد منهم في إدارته حال فوزه، وهو تصريح سابق على اختياره شخصية عربية معروفة كأحد مستشاري حملته الانتخابية الأخيرة.

وعلى جانب العلاقات مع إسرائيل، فقد تعهد بتوثيق تلك العلاقات، وأكد أنه يرفض أي حدود لا تؤمن دولة إسرائيل، في إشارة إلى حدود عام 1967. والمرمونيون بشكل عام، يؤمنون حرفيا بضرورة إعادة جميع أسباط بني إسرائيل الاثني عشر إلى أرض صهيون التاريخية.

يتسلح رومني بنجاحات اقتصادية وخبرة في القطاع الخاص الأميركي، راكمت له ثروة تتجاوز الخمسمئة مليون دولار، غير أنه من المبكر القول بإزاحته لكثير من المنافسين، فهو لا يقنع عموم المسيحيين الإنجيليين الذين يشكلون قاعدة الحزب الجمهوري، لا سيما وأن انسحاب بعض المرشحين سيوحد الأصوات حول منافسه سانتوروم.

هل رومني هو طبعة أخرى من بوش الابن؟

الشاهد أن أموال نفط تكساس كانت قد وحدت الجميع حول بوش، لكن الجمهوريين الآن منقسمون بين اشتراكيين ومحافظين مثقفين، ومحافظين ماليين، لا وحدة تجمعهم على شخص، لكن قد يكون رومني بالفعل هو الجواد الأسود لهم، وهذا معناه أن أميركا على موعد مع المتطرف اليميني من جديد.

 
 
صندوق المئوية (1) والأفكار الخفية..
الطاهر العبيدي
كتب: الطاهر العبيدي  - باريس - -
 
الشباب هو السفينة والشراع، هو الخلق والإبداع، هو البحث عن التغيير ومحاولة الإقلاع نحو الغد الأفضل، نحو الأفق الأرحب، واستهداف الطموح الأجدر. ولعل الأفكار التي لا تستطيع مخاطبة زمانها لا تستطيع أن تخاطب زمان غيرها. تلك هي بعض المفردات أو بعض الممرّات، التي تحيلنا إلى الوقوف للتدبّر للتفكر للتأمل   حول " صندوق المئوية "، هذا المشروع العابر للانتظار والسكون والذي تفرّد عن غيره، رافضا الركود في نفس المكان ونفس الزمان. حيث اختار الانحياز لتنمية العقول بدل حشو البطون، متمرّدا على واقع التخبّط ومشاريع الفتات، لمحاولة العبور إلى مرحلة الحركة والمرور نحو الخلق والابتكار الذي يأخذ شكل الرغيف، وطعم الحلم ولون دماء الشباب. لقد كان " صندوق المئوية" مشروعا انقلابيا ضد كساد الأحلام، وضدّ المشاريع المنزوعة الإرادة والضمير، للبحث في تضاريس العطل العربي، ومحاولة التفلت من حالة التكرار والاجترار نحو منطقة الفعل والاستشراف، والإيمان الأفقي والعمودي بأن لا قيمة لمشاريع لا تحدث ارتجاجا في خريطة الانسان، ولا تغيّر أتربة القحط وضمأ الصحراء. مختصرا جغرافية الزمان والمكان من أجل تأسيس الآتي الذي يصوغه شباب الحلم المستحيل، وتصنعه السواعد والعقول.

 همزة وصل لا همزة قطع

رغم أننا نعيش في هذا الزمن العربي المالح ومصابين بسكتة تاريخية، وبقينا على موعد مع المجيء الذي لا يجيء، والآتي الذي لا يأتي  إلا أن هناك بعض الاضاءات، تبعث فينا حرارة الدفء والشعور الصارخ بالانتماء إلى أمّة تستطيع الاستنهاض من تحت ذرّات الرماد، وأن واقع السبات تخترقه العديد من الاشراقات كما هو الحال حين نرى أن " صندوق المئوية " اختار أن يكون خنجرا في لحم السهاد، ليخرج عن المألوف، وبدل التخندق في مربّع التقاط  الصدقات والتبرعات والحسنات، التي تخصّب عقلية التواكل والتكاسل والانتظار، خيّر أن يكون فِعْلاً يؤسس لتحرير المبادرة، واستفزاز الوعي قصد الانجاز والانطلاق عبر التنقيب في الأفكار الجوفية للشباب، الذين يملكون ربيع المستقبل، من أجل مساعدتهم على تجسيد أفكارهم. وبذلك يكون " صندوق المئوية " مشروعا استباقيا تمركز إلى جانب الشباب الموهوب، الحالم بأن يجد سندا في دعم ابداعاته لتصبح مضادّا حيويا ضد واقع الرسوب في نفس المكان، والتحوّل من حالة التثاؤب والسبات إلى مرحلة الابتكار والعطاء. فلم تكن في اعتقادنا انطلاق فكرة "صندوق المئوية" مبادرة فضائية هائمة في الفضاء، منفصلة عن جاذبية الأرض، بل تأسست من خلال دراسة أرضية استشعرت ضرورة القيام بثورة خضّ المواهب والأفكار، في اتجاه ابتكار طريقة تخرج عن بيت الطاعة، لترسم بداية الانقلاب ضدّ المشاريع المبتورة الحلم والاستشراف، والمؤمنة حَدْسًا بأن الشباب هو دفتر ادخار. وأن صندوق المئوية استبق ربيع الثورات العربية من خلال الرهان على مكانة الشباب. فاختار الاصطفاف إلى جانب الجيل الآتي المسكون بعشق التغيير، ضدّ المدن الحجرية التي لا تفتح أبوابها لالتقاط ذبذبات أحلام الشباب، ليكون بذلك همزة وصل لا همزة قطع.

 " لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد"  (2)

إذا ما نحن أردنا هنا محاولة إعراب البعد الرمزي والفعلي لمنتوج " صندوق المئوية " فإننا نكتشف بداية أن ما يميزه عن غيره من مشاريع حقن البطون ونفخ الأجسام. أنه لم يكن انتظارا لما هو منتظر، وإنما هو انتظار ما لا ينتظر. إذ سعى ميدانيا إلى الاستماع إلى نبضات الشباب الذي يملك موهبة التخطيط وروح المبادرة والانجاز، من أجل تفعيل الأفكار والتحريض على الابتكار. قصد المساهمة في تأسيس مجتمع رصيده خلق وجرأة وإبداع. بعيدا عن ثقافة  التشكي والتسوّل والسبات، ويكون بذلك " صندوق المئوية " إحدى العلامات الفارقة بين الحلم والتنزيل، بين الفعل والتنظير، وبين الواقع والتحليل. وما جعل هذا المشروع وشما في جبين التاريخ أن المشرفين عليه كانوا أهل اختصاص، ممّا ساعدهم على التشخيص والعلاج، ليولد من رحم المعرفة وخبرة الميدان مشروعا يؤسس لتجسيد الأحلام، بدلا من الوعود التي تنهب الأعمار، وعوضا عن شيخوخة مشاريع لا يمكن أن تستوعب أحلام الجماهير، ليصبح الطموح مرتبطا بواقع وتطلعات الشباب، ويصير الأمل عبورا نحو المستقبل الموعود واستشرافا للفعل المأمول.

 " أجمل البناء ما لا يرى " (3)

لئن كان " صندوق المئوية " إحدى الإضافات المشعّة في هذا الزمن العربي الداكن، إلا أنه في الاتجاه الآخر، ظل منكمشا ولم يقتحم جدران الحدود للعبور إلى جيل الكفاءات والطاقات الشبابية العربية المتمركزة في المجتمعات الغربية، الذين يملكون أفكارا ورؤى نوعية تغذيها تجربة التواصل مع الآخر، وجسور الاطلاع على إمكانيات ثقافات مختلفة التوجه والانتماء، بحكم وجودهم في بلدان تشجّع على المبادرة والخلق والإبداع، والذين قد يساهمون من خلال " صندوق المئوية " في عملية البناء

والإثراء، وتغيير أتربة مدن يغطيها رذاذ الأحزان، كي يشكلون من خلال ترجمة تطلعاتهم حزاما واقيا ضد حالة الذوبان والانشطار. كما أن الملاحظ أن " صندوق المئوية " لم يسوّق إعلاميا بطريقة تواكب ضخامة الفكرة وتميّز المقاربة، التي ترفض الاستكانة والسكون على رصيف الصبر والتقوقع بين ضلوع مدن الملح. حيث الكتابة والدراسات والندوات حول هذا المشروع تبقى شاحبة ومنتصبة على رجل واحدة، ذلك لأن مشاريع بهذا الوعي العابر للفعل المأزوم، لا يمكن أن تبقى ضريحا من رخام، كما أنها ستظل رغم تمردها ضد الرتابة والسكون نصبا تذكاريا بلا روح وبلا مقومات الإشعاع والعبور، إذا لم تسافر للآخرين، كي يدركوا أن الإبداع هو منتوج إنساني، وأن العقل العربي قادر على البناء والتعمير، وأن "صندوق المئوية"هو إحدى مصابيح أمّة ما تزال رغم كل محاولات التهديد بالذبح والتشطير قادرة على الإنجاب والعطاء، والتشارك الإنساني في خلق المبادرة ونحت العقول، والمساهمة في صياغة معنى تجسيد أحلام الشباب وزرع البذور.   

-------------------------

(1)  صندوق المئوية مؤسسة مستقلة، تأسست سنة 2004 ، تزامن انبعاثها مع الاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، من طرف الملك عبد العزيز. وتعنى بتجسيد المشاريع الشبابية الرائدة، ضمن مواصفات المعرفة والتخصّص.. ويشرف على هذه المؤسسة الأمير عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز  

(2)  مثل صيني

(3)  مقولة للأديب سعيد تقي الدين

 *صحفي وكاتب تونسي مقيم بباريس

18412b65254db58513f5c732ba8149bb
 
بعد عام من الثورات العربية..مراجعة أولية
عبد الحميد صيام
كتب: عبد الحميد صيام - نيويورك - -

مع نهاية عام 2011 نقف جميعا لنراجع التطورات العظيمة خلال عام 2011 والتي لم تشهدها منطقتنا العربية منذ الثورات المناوئة للاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والصهيوني مجتمعة.
 
ففي السابع عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 2010 أشعل الشاب التونسي محمد بوالعزيزي النار في جسده  ولم يعش كي يعرف أنه أشعل النار في مجموع النظام العربي الواحد أو شبه الواحد من الرباط غربا إلى صلالة شرقا.  عام كامل على انطلاق ما سمي عالميا بالربيع العربي وما زال كتاب الثورة مفتوحا على أكثر من احتمال، وما زالت القوى المضادة لثورات الشعوب تحاول حرف مسارات الثورات السلمية عن أهدافها والاستيلاء عليها من قبل القوى التي لم تشارك في الثورة أصلا أو تجييرها  لصالح المخططات المعادية لهذه الأمة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الأكثر رجعية وتخلفا في العالم العربي.  في هذه المقالة سأقوم بمراجعة سريعة لمنجزات الربيع العربي وإخفاقاته والأخطاء التي بدأ يرتكبها بعض رموز هذه الثورات في محاولة للمساهمة في تصحيح المسار والتحذير من استلاب هذه المنجزات وتفريغها من محتواها وإعادة الشعوب العربية إلى عهد الطغاة مرة أخرى.

صحيح أن سنة في عمر أية ثورة يعتبر ومضة عين في كتاب التاريخ.  فلا يوجد ثورة تولد كاملة وتنتقل إلى الاستقرار فورا.  فكما كانت مرحلة الميلاد طويلة وعسيرة فلا شك أن الفترة الانتقالية التي تعبرها كل ثورة لتصل إلى شاطئ الاستقرار قد تطول وتقصر بناء على عوامل ذاتية وأخرى موضوعية خارج سيطرتها.  فالقوى المعادية للثورة والقوى العميلة المرتبطة بأجندات خارجية بالإضافة إلى التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة كلها تلعب دورا في تسريع أو تأجيل الانتصار النهائي.  كمأ أن قوى الثورة نفسها والشرائح المستفيدة من التحالف عند قيام الثورة لا تلبث أن تنقسم جماعات وأحزابا بعد سقوط النظام، كل فريق يبحث عن مصالحه ومواقعه في مرحلة ما بعد الثورة.  وقد ينتهي الحال بتهميش القوى الفعلية التي قامت بالثورة وقيام قوى كانت تقف على السياج متفرجة باقتناص الثورة مثلما حدث في مصر مؤخرا كما تبين من نتائج الانتخابات.

الإنجاز الأكبر

قد لا يختلف الكثيرون على إن إسقاط أربعة من أعتى الطغاة العرب يعد إنجازا عظيما في حد ذاته.  فسقوط زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح  يعتبر مكسبا للأمة العربية وشعوبها المضطهدة المهمشة والمسلوبة.  ولا بد أن نثني بشكل خاص على ثورتي  تونس ومصر الحضاريتين واللتين أطلقتا موجات الاحتجاج في معظم الدول العربية من المغرب غربا إلى عمان والقطيف والسليمانية شرقا مرورا بليبيا وسوريا واليمن والبحرين والجزائر والأردن.  لقد انقسمت ردود أفعال الأنظمة الدكتاتوية على هذه الثورات إلى ثلاثة طرق:

-  الانحناء قليلا أمام العاصفة- وقد كان المغرب أفضل من التقط الرسالة بعد المظاهرة المليونية التي خرجت يوم 20 شباط (فبراير) حيث قبل الملك محمد السادس معظم مطالب المعارضة وأدخل تعديلات جادة على الدستور وسحب يديه من تعيين رئيس الوزراء ووسع صلاحيات البرلمان ولكنه أبقى كثيرا من مصادر القوة في يديه كمؤسسة الجيش ودائرة الأوقاف وغيرها، وهي ما زالت مواضيع نقاش حامية بين المعارضة والعرش لغاية الآن.  كما أن دول الخليج سارعت في توزيع الأموال ورفع الرواتب وتقديم هدايا مالية لكل عائلة وقطع الوعود بالمزيد من المحفزات والإصلاحات والإعفاءات وتوسيع المشاركة الشعبية.

- إخضاع الثورة بالحديد والنار والصوراريخ كما فعل نظاما العقيد المخلوع وبشار الأسد.  فكلا النظامين إعتبرا أن المتظاهرين في الشارع حشرات وجراثيم وعملاء وخونة ومن عناصر القاعدة ولا تستحق إلا الموت والإبادة مما عبد الطريق للقوى الخارجية والمعادية أن تستغل هذه الفجوة لتدويل الأزمة كما حدث في ليبيا وتعريب الأزمة كخطوة سابقة للتدويل كما يحصل الآن في سوريا.  أما البحرين فقد استعانت بقوات درع الجزيرة لتجهض الثورة متهمة المتظاهرين بالاصطفاف الطائفي، وقد عززت قناتا العالم والمنار هذا التخوف لشدة التركيز على ثورة البحرين دون غيرها بينما إختارت قناة الجزيرة أن تعمي عيونها وكاميراتها عمّا يجري في البلد المجاور لمقرالقناة.  

- العنف المتقطع والتخويف والتهديد والمرواغة والاحتيال كما حدث في اليمن حيث استطاع نظام علي عبد الله صالح أن يرواغ طويلا بفضل الدعم الخليجي وخاصة السعودي بهدف وقف زحف الثوارت بعيدا عن تراب البلاد حتى لا يحصل المحظور ويدخل نسيم الثورة أرض "مدن الملح" كما وصفها المرحوم عبد الرحمن منيف. غير أنه في نهاية المطاف إضطر أن يوقع على المبادرة الخليجية التي فتحت المجال لنقل السلطة والتحول السلمي نحو الانتخابات الحرة والنزيهة والتي ستوصل البلاد حتما إلى التعددية السياسية وسيادة القانون وتمكين المرأة وقيام تنمية رشيدة بعيدة عن أسلوب صالح الأهوج في إثارة النعرات وإشعال الحروب الداخلية والارتهان للأجنبي.  إن مطالب الثورة في ملاحقة صالح وتقديمه للمحاكمة مطالب صحيحة وعادلة ولا تموت بمرور الزمن.  ونحن على موعد مع تلك المحاكمات ولو غيابيا بعد أن يستتب الأمن وترسو سفينة الثورة على بر الأمان رغم العواصف التي ما زالت تعترضها بفعل بلاطجة صالح وأولاده وأقاربه وأصهاره.

مخاوف وتحذيرات

إن الحراك العربي الآن قد تجاوز خط اللاعودة ولا بد أن يستمر إلى أن يصل خط النهاية.  ولكننا نريد أن نحذر من بعض الظواهر السلبية والتي قد تعصف بمجمل منجزات الثورات:

- إن مظاهر الانقسامات السياسية والاستقواء بالخارج ظاهرة خطيرة قد تؤدي إلى تآكل التعاطف مع أي ثورة كما هو الحال في الثورة السورية.  فالانقسام الحاد بين المجلس الوطني الانتقالي ولجان التنسيق ينعكس على مجمل حركة الثورة السورية ويؤدي إلى تبخر الزخم التي حازت عليه في الشهور الأربعة الأولى.  لقد جاءت تصريحات برهان غليون باستعداده للتخلي عن المقاومة وقطع العلاقة مع إيران والبحث عن تسوية للجولان المحتل على طريقة كامب ديفد مخيبة للآمال وترسل إشارات واضحة أن هناك ارتهانا للموقفين الفرنسي والأمريكي، مما قد يدفع بالملايين التي وقفت إلى جانب الثورة أن تعيد حساباتها.  إن توحيد المعارضتين الخارجية والداخلية حول برنامج واحد ونبذ فكرة التدخل الخارجي نهائيا والاعتماد على الذات والمحافظة قدر الإمكان على سلمية الثورة والدفع باتجاه المزيد من إنضمام وحدات من الجيش والأمن والميليشيات إلى صفوف الثورة يسرع في انتصارها ويحافظ على برنامجها الوطني غير المرتهن للخارج ؛

- لقد كانت زيارة راشد الغنوشي لمعهد سياسات الشرق الأدنى في واشنطن العاصمة، المنبر الأهم لغلاة الصهاينة والإيباك واليمين المتطرف، بداية غير موفقة حتى لو لم يقل شيئا، بل إن مجرد هكذا زيارة ترسل رسالة خطيرة لما هو آت.  إن التركيز على شعار "تونس أولا" والتخلي عن الواجب القومي نحو القضية الفلسطينية يثير حفيظة كل من وقف مع هذه الثورات مؤيدا ومشجعا ومنتميا.  نتمنى على الشيخ الغنوشي أن يعيد حساباته ويعزز انتماءه للشارعين العربي والإسلامي الشريفين اللذين وقفا معه ومع نضال الشعب التونسي ضد الدكتاتوية اليغيضة طوال هذه السنوات.  لا نريد أن نستبدل الأنظمة الدكتاتورية بأنطمة منتخبة ديمقراطيا ويبقى شعار الدولة القطرية هو القاسم المشترك بين النظامين والعهدين والمرحلتين؛

- إن الانتخابات التي جرت في مصر وتونس والمغرب وأوصلت التيارات الإسلامية المعتدلة لسدة الحكم أمر طبيعي ومفهوم في المرحلة الأولى لأن هذه التيارات أكثر تنظيما وأكثر عددا وأوسع ميزانية.  لكن الانتخابات القادمة، نتمنى ذلك على الأقل، ستكون بناء على الإنجازات لا على الشعارات.  فالجمهور الواعي هو الذي يحاسب الأحزاب على أدائها فيكافئها إذا حققت الوعود التي قطعتها أو جزءا كبيرا منها، ويعاقبها إذا فشلت في تحقيق تلك الوعود.  ومراجعة لانتخابات تركيا عام 2002 و2007 و 2011 تبين بكل وضوح لماذا أعاد الشعب التركي حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم بزخم أكبر ودعم أوسع؛

- إن حصول السلفيين الممثلين في حزب النور الذي لم يمض على تأسيسه عام واحد على أكثر من 20% من الأصوات في الانتخابات المصرية الأخيرة شيء غير مفهوم وغير واقعي وغير مبرر إلا إذا كانت هناك قوى خارج الحدود تصب الملايين لصالح هذا التيار الغريب حتى على المجتمع المصري ليكون انتصاره رسالة ضد الثورات العربية عموما والثورة المصرية خصوصا.  وكأني بمن يدعم هذا الحزب يريد أن يقول إذا أردتم الثورات فهؤلاء من سيحققون الفوز في الانتخابات.  لقد رافق فوز هذا التيار موجة من التخوفات لدى الشرائح الأكثر انفتاحا وتحررا بمصادرة الحريات الشخصية وتشويه ما توافق عليه الناس على مر العصور كعرض التماثيل الفرعونية وتماثيل رجالات مصر العظام في الأماكن العامة وحصر دور المرأة المغلفة في لفافة سوداء في المطبخ وغرفة الولادة فقط وتحديد الملابس المسموحة والأخرى الممنوعة  ومنع الاختلاط في العمل أو الجامعة أو القطار.  إن مثل تلك المخاوف عند غالبية أبناء مصر مبررة ولا بد من حسم الشك في النوايا بيقين القرارت التي تحمي الحريات العامة؛

- إن تصفية العقيد القذافي بتلك الصورة الفظيعة ساهمت في تشويه صورة الثورة الليبية وتوجيه الكثير من أسهم التشكيك في الانتصار العظيم الذي أنجزه الثوار رغم كل ما قيل عن دور الناتو الذي تجاوز كثيرا حدود الصلاحيات التي خولها له مجلس الأمن حسب منطوق القرار 1973 (2011).  لقد أحسن الثوار صنعا باعتقال سيف الإسلام بطريقة خالية من العنف وامتهان الكرامة وتأمين حقه في محاكمة عادلة.  لكن المزيد من الانضباط ما زال مطلوبا والعمل معا على بناء الدولة المركزية القائمة على مبادئ العدل والمساواة والتعددية والشفافية واحترام حقوق الإنسان ومنهم العمال الوافدون، وتمكين المرأة ومحاسبة الفساد والفاسدين والتضامن مع الأمة العربية في قضاياها المصيرية بعيدا عن التبعية والذيلية والانصياع للأجنبي الذي يسيل لعابه على كنوز ليبيا الجوفية.  كلنا ثقة أن تصل ليبيا إلى بر الأمان قريبا.

في النهاية نود أن ننوه أن من أصعب الأمور في هذه الأيام إتخاذ موقف متوازن يقوم على دعم الثورات العربية جميعها وفي نفس الوقت يرفض عسكرة هذه الثورات كما يرفض التدخل الخارجي.  إن التغييرات التي حدثت خلال عام لا شك عظيمة ونحن نرى الفرق بين تونس اليوم برئاسة المنصف المرزوقي إبن الشعب والمكافح من أجل حقوق الإنسان والمعجب كثيرا بالمهاتما غاندي والذي قضى جزءا من عمره في سجون النظام البائد وبين قيادات المرحلة السلطوية الماضية التي تربع على قمتها مجموعة من الفاسدين.   وشتان بين مصر التي تغلق حدودها مع غزة لتعطي مجالا لآلة الموت الإسرائيلية لتلغ في دماء الفلسطينيين وبين شباب الثورة الذين تسلقوا مبنى السفارة الإسرائيلية وأحرقوا العلم الإسرائليي مما إضطر طاقم السفارة للهرب متخفين في ملابس عربية بعد تدخل الرئيس الأمريكي أوباما مع المشير الطنطاوي مباشرة.  علينا ألا نقلل من عظمة هذه الثورات وعلينا أن نبتعد عن أسلوب التشكيك والقدح والتخوين.  لكن علينا أيضا أن نبقى العيون مفتوحة والأقلام مشحوذة للمراقبة والتنبيه والتصحيح ودق ناقوس الخطر إذا ما شاهدنا أي انحراف أو مؤامرة أو انقسام..... فهذه الثورات، على عكس ما قال السيد الغنوشي، لا تعني القطر الواحد فحسب بل تعني الأمة بكاملها من محيطها إلى خليجها وخاصة القضية المركزية دائمة الحضور والاستصراخ: القضية الفلسطينية.
 
* أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك




 
 
السياسة الأمريكية : أهداف واحدة لإدارات وأساليب متعدّدة
صبحي غندور
كتب: صبحي غندور - واشنطن - -

 هل يتغيّر جوهر السياسة الخارجية الأميركية بتغيّر الإدارات الحاكمة، وهل يؤثّر كثيراً تنقّل "البيت الأبيض"، بين رئيس "جمهوري" وآخر "ديمقراطي"، على هذه السياسة؟! أمْ أنّ هناك "مصالح أميركية عليا" يتواصل العمل لتحقيقها وللدفاع عنها، من قبل مؤسسات وأجهزة لا تخضع للتغييرات السياسية الطارئة في "البيت الأبيض"؟!. الوقائع والتجارب كلّها تؤكّد طبعاً وجود أهداف ومصالح ومؤسسات أميركية، محصّنة ضدّ تأثيرات ما يحدث في الحياة السياسية الأميركية من تحوّلات وصراعات انتخابية محلّية.  

ولعلّ أبرز مضامين الرؤية الأميركية للشرق الأوسط في مطلع القرن الجديد، هو ضمان التحكّم مستقبلاً في منابع النفط، كأحد أهمّ مصادر الطاقة الدولية، لعقود عديدة قادمة، خاصّةً وأنّ المنافسين الجدد للقطب الدولي الأعظم حالياً يعتمدون في نموّ اقتصادهم على نفط الشرق الأوسط، إضافةً طبعاً إلى التنافس الدولي التاريخي على ما تمتاز به المنطقة من موقع جغرافي إستراتيجي.

فالحرب على أفغانستان في نهاية العام 2001، ثمّ الحرب على العراق في مطلع العام 2003، وما رافق هاتين الحربين من انتشار عسكري أميركي في محيط دول الشرق الأوسط، وإقامة قواعد في بعضها، كانت وما تزال أعمالاً عسكرية من أجل خدمة رؤية سياسية لها مضامين أمنية واقتصادية.

وتعلم واشنطن أنَّ " خيط النفط " لا يمكن مسكه فقط من طرف واحد في منطقة الخليج، المصدّرة والخازنة لأهم مصادر الطاقة العالميّة. لذلك فإنَّ اختلال معادلة مسك " خيط النفط "، بعد سقوط نظام الشّاه في إيران، قد أدّت إلى ابتداع نظريّة (الاحتواء المزدوج)، وإلى دعم نظام صدّام حسين في حرب مدمّرة مع إيران، طوال عقد الثمانينات، مع توظيف كبير لأخطاء السياسة الإيرانيّة تجاه الجوار العربي. وإذا كان عقد الثمانينات قد تميّز بدعم واشنطن المباشر وغير المباشر لطرفي الصراع المسلح في الخليج، رغم الاعتراض الأميركي على طبيعة نظامي الحكم في بغداد وطهران، فإنَّ عقد التسعينات كان مرحلة "العزل المزدوج" لهذين النظامين، دون الوصول إلى إسقاط أحدهما أو هزيمته لصالح الآخر.

لذلك، كان محتّماً في السنوات الماضية التركيز الأميركي على إيران، بعدما أسقطت واشنطن نظام صدّام حسين بالقوة العسكرية الأميركية، ولم يحصل في العراق ما كانت تراهن عليه الإدارة الأميركيّة، من وجود وضع سياسي عراقي يعكس واقع قوّة عسكريّة أميركيّة ضخمة احتلّت أرض العراق، وعلى امتداد حدوده مع إيران.

فإيران استفادت ولم تضعف من حصيلة سقوط نظام صدّام حسين، وكسبت (كما تركيا أيضاً) نفوذاً سياسيّاً وأمنياً في العراق، بينما كانت المراهنة الأميركيّة أنَّ زلزال غزو بغداد سيجعل الأرض تهتزّ تحت نظام طهران، الأمر الذي لم يحدث.

ولقد سعت إدارة بوش في ولايتها الثانية لتوظيف سياسي وأمني واقتصادي، لما قامت به الإدارة بعهدها الأوّل في المجال العسكري، وما زال هذا التوظيف الأميركي مستمرّاً على أراضي الشرق الأوسط، في العديد من بلدانه، رغم تغيّر الإدارة في واشنطن.

ولأنّ التواجد العسكري الأميركي لم يكن وحده كافياً من أجل تحقيق الرؤية الأميركية المطلوبة للمنطقة، فقد عملت "المؤسسات الأميركية" على توفير ثلاثة عناصر سياسية، وبشكلٍ متلازم مع الوجودين العسكري والأمني:

1-     تغيير التركيبة السياسية القائمة في بعض دول العالم الإسلامي لتصبح مبنيّةً على مزيج من آليات ديمقراطية وفيدراليات إثنية أو طائفية.

فالديمقراطية لو تحقّقت، دون التركيبة الفيدرالية (التي تكون حصيلة تعزيز المشاعر الانقسامية في المجتمع الواحد)، يمكن أن توجِد أنظمة وحكومات تختلف مع الإرادة أو الرؤية الأميركية، كما جرى بين واشنطن وبعض بلدان أوروبا الغربية، أو مع الحكومة التركية، بشأن الحرب على العراق سابقاً.

أيضاً، فإن إثارة الانقسامات الإثنية أو الطائفية، دون توافر "سياق ديمقراطي" ضابط لها في إطار من الصيغة "الدستورية الفيدرالية"، يمكن أن يجعلها سبب صراعٍ مستمر يمنع الاستقرار السياسي والاقتصادي المنشود بالرؤية الأميركية، ويجعل القوات الأميركية المتواجدة بالمنطقة عرضةً للخطر الأمني المستمر، في ظلّ حروب أهلية ومفتوحة هي أيضاً لتدخّل وتأثير من أطراف تناهض السياسة الأميركية.

إضافةً إلى أنّ "التركيبة الفيدرالية" القائمة على "آليات ديمقراطية" ستسمح للولايات المتحدة بالتدخّل الدائم مع القطاعات المختلفة، في داخل كلّ جزء من ناحية، وبين الأجزاء المتّحدة فيدرالياً من ناحية أخرى، وهذا ما حدث في تجربة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

2-     التركيز على هويّة "شرق أوسطية" كإطار جامع لبلدان المنطقة، إذ أنّ العمل تحت مظلّة "الجامعة العربية" أو "المؤتمر الإسلامي" يمكن أن يؤدّي مستقبلاً إلى ما ليس مرغوباً به أميركياً، من نشوء تكتّلات كبرى متجانسة ذات مضامين ثقافية متباينة مع الرؤية الأميركية. لهذا يدخل العامل الإسرائيلي كعنصر مهم في "الشرق الأوسط الكبير" المنشود أميركياً، إذ بحضوره الفاعل، تغيب الهويّتان العربية والإسلامية عن أيِّ تكتّل إقليمي محدود أو شامل.

3-     العنصر الثالث المهم، في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط، يقوم على ضرورة إنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي من خلال إعطاء الأولوية لتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وقبل تحقيق التسوية الشاملة. ويجد صانعو القرار الأميركي أنّ تطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية سيدفع الأطراف كلّها إلى التسوية والقبول بحدود دنيا من المطالب والشروط، كما أنّه سيسهّل إنهاء ظاهرة المقاومة، حتّى من غير تسويات سياسية شاملة.

إذن، كخلاصة، فإنّ حروب واشنطن في "الشرق الأوسط"، مع بدء القرن الحالي، أرادت من خلال (النموذج العراقي) "ديمقراطيات سياسية" في المنطقة، لكن ليس إلى حدّ الاستقلال عن القرار الأميركي. فهي حروب شجّعت على صراعات سياسية محلية قائمة على انقسامات إثنية أو طائفية، ولكن ليس إلى حدّ الصراعات الأهلية المفتوحة، وهذا ما حصل في ضبط صراعات العراق ولبنان والسودان. حروب رغبت بانتاج صيغٍ فيدرالية جامعة لأجزاء متباينة في كلّ وطن، لكن ليس إلى حدّ الانصهار الوطني الكامل. حروب أرادت إنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي، لكن ليس بالاعتماد على الحقّ والعدل، بل على ما تحدّده المصالح الأميركية/الإسرائيلية المشتركة. حروب سعت إلى ترسيخ التواجد العسكري والأمني في بلدان المنطقة، ولكن ليس إلى حدّ التورّط بأوضاع حروب داخلية استنزافية، أو الاضطرار لإبقاء قوات كبيرة العدد إلى أمد مفتوح.

ولعلّ خلاصات هذه الرؤية تفسّر المواقف الأميركية الآن من عدّة حكومات ومعارضات وقضايا عربية، تتفاعل في عام ما عُرف باسم "الربيع العربي". ولم يكن ممكناً طبعاً فصل ملف الأزمة الأميركية مع إيران عن ملفات "الأزمات الأخرى" في المنطقة العربية، وعن حلفاء طهران في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين. فإيران معنيّة بشكل مباشر أو غير مباشر في تداعيات أيّ صراع، حدث أو قد يحدث، فيما فُتِح الآن من أزمات عربية.

ومن رحم هذه الأزمات على الأراضي العربية توالدت مخاوف سياسية وأمنية عديدة، أبرزها كان وما يزال من مخاطر الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، خاصّةً في ظلّ الحراك الشعبي العربي الحاصل ضدّ حكومات الاستبداد والفساد، وما يرافق هذا الحراك من عنف مسلح وصراعات سياسية وتنافس على الحكم، وأحياناً على المعارضة.

ومع اقتراب عام انتخاب رئيس أميركي جديد، نجد أنّ مفاصل السياسة الأميركية في المنطقة العربية تحديداً، والشرق الأوسط عموماً، ما زالت مشدودةً في إدارة أوباما إلى رؤية الإدارة السابقة، ولم تحدث فكفكة لهذه السياسة، ولا جرى تراجعٌ فعلي عن مضامينها.

لكن من دروس "التجربة الأميركية" في العراق أنَّ السياسة الأميركية، التي طرحت مقولة "النموذج الديمقراطي العراقي" للمنطقة، والتي أعلنتها إدارة بوش عقب غزو العراق مباشرة في العام 2003، قد أرفقتها لاحقاً بشعار "الفوضى البنّاءة"، ثمّ بأطروحة "الشرق الأوسط الجديد" عقب الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006. وكلّها سياسات أميركية أثبتت التطوّرات الراهنة استمرار العمل من أجلها، رغم التغيير الذي حصل في "البيت الأبيض". والمحصّلة من ذلك كلّه، أنّ إدارة أوباما قد مارست مراجعة عميقة لهذه السياسة، على أعلى المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية في واشنطن، ولكن دون تراجع عن مضامينها، فصُنّاع القرار الأميركي يأملون الآن كثيراً في تحقيق أهداف السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط"، من خلال تفاعلات الصراعات المحلية والإقليمية الدائرة بالمنطقة، ودون حاجة لتورّط عسكري أميركي مباشر في أيٍّ من بلدانها!.

 

 *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

64b97913976a0d39747573223257c3c9
 
صناعة الكذب والتلفيق إيرانية أيضا
د. أحمد أبو مطر
كتب: د.أحمد أبو مطر - أوسلو - -

النموذج الإيراني في الحكم منذ وصول الإمام الخميني للسلطة عام 1979 لم يعتمد الصدق والحقيقة في سياساته الخارجية مع دول العالم أوتعاملاته الداخلية مع الشعب الإيراني. وهذا سبب توتر علاقاته الدولية مع العديد من دول العالم العربية والأوربية والأمريكية، وتوتر علاقاته مع مواطنيه الإيرانيين، الذين لا تتوقف تظاهراتهم ضد النظام وبقيادة شخصيات دينية لها مكانتها الدينية والفقهية داخل إيران. وهذا يفسر أيضا الصعوبات والعراقيل التي وضعت أمام وفي طريق الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي وصولا لترئيس عضو الحرس الثوري أحمدي نجاد، كونه أداة طيعة في يد الحاكم الفعلي "ولي الفقيه" الذي لا يجوز مخالفته أو عصيان أوامره، فهذا بمثابة عصيان أوامر الله تعالى حسب مضمون نظرية ولي الفقيه التي لا يعترف بها العديد من فقهاء المذهب الشيعي الإيرانيين والعرب، إلى حد أنّ بعض هؤلاء الفقهاء يعتبرونها نظرية دخيلة على الفقه الشيعي وهي صناعة خمينية بامتياز، خاصة أنّه بناءا على هذه النظرية يجوز للإمام أن يقرر ما يشاء بدون الرجوع إلى الشعب الإيراني، بدليل أنّ علي خمئني صرّح أخيرا أنّه يفكر في إلغاء إنتخاب رئيس الجمهورية ليصبح من صلاحياته تعييين هذا الرئيس، رغم أنّه في الممارسة الميدانية ، فهذا الرئيس أيا كان فهو مجرد منفذ دقيق لتعليمات وتوجيهات ولي الفقيه الذي هو الإمام الخميني أولا ثم علي خمئني حاليا أو من سيجيء بعده.

 الثورات العربية من وحي ثورة ولي الفقيه الإيراني

كان هذا العنوان هو أهم التلفيقات الإيرانية الأخيرة، إذ كرّرت أكثر من شخصية دينية إيرانية معلومة أوصلتها درجة اليقين منذ اندلاع أول ثورة عربية في تونس في ديسمبر 2010 ، مدّعين أنّ هذه الثورات العربية ضد الطغيان والفساد والاستبداد هي من وحي ثورة ولي الفقيه الإيراني التي أطاحت بنظام الشاه عام 1979 ووصول الخميني للسلطة. واستمر الإعلام الإيراني الرسمي المقروء والمرئي باللغة العربية والفارسية تكرار تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي ركبت موجة الثورات العربية كي تعيدها لمرجعيتها ووحيها الإيراني الخميني.

ومن هذه التصريحات نكتفي بما قاله سيد عزت الله ضرغامي، رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيراني، إذ كرّر قوله ( أنّ توجهات ومطالب الشعوب الثائرة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط متأثرة كلها بالثورة الإسلامية في إيران). أمّا رئيس اللجنة الثقافية في البرلمان الإيراني غلام حداد عادل فقد قال: ( الثورة الإسلامية الإيرانية تمثل نموذجا للشعوب العربية الثائرة). و آية الله نوري الهمداني فقد وصف ثورة الشعب التونسي بأنها ( اقتفاء لأثر الثورة الإسلامية في إيران ). وأيضا شيخ مصطفى باقري أحد أئمة الجمعة فقد رأى ( أنّ الثورة التونسية هي من بركات الثورة الإسلامية، وأنّها تحقق لموعود الإمام الراحل روح الله الخميني، وهذا التحول التاريخي من مقدمات ظهور الإمام المهدي).

 وقد كانت هذه الفبركات والتلفيقات مصدر إزعاج ونفور لغالبية قيادات الشباب الذين فجّروا الثورات العربية، وهم يعرفون أنّهم لم يستوحوا أي إلهام لثورات الغضب الشبابية هذه حتى من أية قيادات ونظريات عربية، رغم المشاركة الواسعة والفاعلة لشباب الحركات الإسلامية، الذين أيضا لم يتحركوا بوحي مباشر من انتماءاتهم التنظيمية بقدر ما هو انفجار الغضب الشبابي العربي على ظلم وفساد واستبداد، سحقهم وصادر حريتهم وكرامتهم منذ جيل أبائهم قبل ستين عاما ويزيد.

 لذلك صدرت العديد من التصريحات العربية التي تنفي الوحي الإيراني للثورات العربية، وبعضها من قيادات إسلامية معروفة وذات تأثير في مجريات الثورات العربية. ويكفي التنويه لتصريح الدكتور سعد الكتاني، عضو مكتب الإخوان المسلمين في مصر والمتحدث الرسمي باسم الجماعة، حيث أكّد على أنّ النموذج الإيراني مرفوض من الإخوان المسلمين في مصر، لأنّ المرجعية في مصر للقوانين والمحكمة الدستورية العليا والمجلس التشريعي. وهذا ضمنا يعني أنّ هذه مرجعيات الدولة المدنية الديمقراطية، بينما لا مرجعية في إيران سوى الإمام ولي الفقيه، وهذه ديكتاتورية لا مثيل لها في التاريخ. وهي فعلا دولة استبدادية باسم الدين، بدليل قمعها الوحشي للمتظاهرين الإيرانيين الذين يرفضون هذه الدولة الاستبدادية، ويطالبون بالحرية والديمقراطية.

أصوات إيرانية معروفة رافضة لهذا النظام وكذبه

وهذا الرفض للنموذج الاستبدادي الإيراني لا يأتي من قيادات وكتاب عرب فقط، فهناك كتاب وباحثون إيرانيون مشهورون يرفضون هذا النظام، لأنّ هذا النظام الاستبدادي الإيراني باسم الدين وروح الله وخرافة ظهور المهدي المنتظر، يصادر أبسط الحقوق الديمقراطية للمواطن في داخل إيران، فمن سوف يتشجع في أقطار أخرى لاستيراد هذا النموذج الاستبدادي. لذلك يرى الباحث الإيراني المعروف في الأوساط العربية والعالمية "آصف بيات" أنّ الثورات العربية تخطت السياسات الإسلامية التي هيمنت على المنطقة في الفترات السابقة، ويؤكد أنّ نموذج الثورة الإسلامية في إيران، كان وسيظلّ النموذج الأول والأخير للثورة الإسلامية في الشرق الأوسط. وهذا ينفي ادعاءات ملالي إيران ومنظريهم بأنّ الشباب العرب الثائرين كانوا يستوحون نموذج الخميني القمعي الديكتاتوري.

نظام صناعته الكذب مثل حليفه الأسدي

وهذا أيضا رأي الباحث الإيراني الدكتور علي نوري زادة، مدير مركز الدراسات العربية الإيرانية، كما أدلى به في حوار مع جريدة عكاظ السعودية في الخامس عشر من أكتوبر 2011 ، إذ قال: "عندما تتحول الأكاذيب إلى استراتيجية، فالنظام الإيراني كله يعتمد على أن رجل الدين يكذب، العسكري يكذب، الحرس يكذب، فإيران أصبحت بلد الأكاذيب أمام أعين العالم. قتلوا أبرز قادة المعارضة الإيرانية وقمعوا الانتفاضة الخضراء وأنكروا ذلك، ارتكبوا المجازر وانتهكوا الحرمات واغتصبوا النساء وقالوا كل ذلك مفبرك، فجروا السفارة الأمريكية في بيروت، وفجروا مقر المارينز أيضا في بيروت، وقالوا لا علاقة لنا بذلك. العشرات من الإرهابيين يعيشون في طهران معززين مكرمين ويقول النظام الإيراني نحن ضحية الإرهاب. إن إيران هي من تزود طالبان بالأسلحة والمعدات، وأيمن الظواهري على علاقة وثيقة مع قادة الحرس الثوري. إيران هي بلد الأكاذيب ".

والكذب بخصوص الهجوم على السفارة البريطانية

يدّعي نظام ولاية الفقيه أنّه لا علاقة له بالهجوم الذي تمّ على السفارة البريطانية يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من نوفمبر 2011 ، هذا ما أعلنه المرجع الديني الملا ناصر مكارم شيرازي حيث قال أنّ الهجوم لم يتم بموافقة المرشد الأعلى علي خمئني. ومن المهم ملاحظة أنّ نفيه هذا جاء بعد نشر المعارضة الإيرانية لأسرار مهمة حصلت عليها من داخل إيران تثبت بشكل مؤكد أنّ هذا الهجوم تمّ التخطيط له في مكتب علي خمئني وبحضوره، ومن أهم هذه المعلومات التي وردت في تقرير المعارضة الإيرانية، " أن قرار الهجوم على مبنى السفارة البريطانية في طهران تم اتخاذه من قبل شخص خامنئي زعيم النظام الحاكم في إيران وتم تنفيذه تحت إشرافه. وقد حضر خامنئي شخصياً اجتماعاً بحضور عدد من قادة قوات الحرس والمتنكرين بالزي المدني، وأصدر أوامره بالهجوم على مبنى السفارة البريطانية. وكان تقدير خامنئي وبطانته أنه  بهذا الابتزاز سيدفعون الدول الغربية وخاصة الأوربية منها إلى التخلي عن سياساتهم الصارمة وفرضهم العقوبات على النظام. وهذه الخطة تم تنفيذها بالتنسيق مع قوات الحرس وقوى الأمن الداخلي والسلطة القضائية في نظام الملالي الحاكم في إيران وتم اتخاذ قرارها بشكل نهائي قبل الهجوم بيومين في اجتماع لقادة النظام حضره وزيرا خارجية وداخلية النظام
الحرسي رادان قائد قوى الأمن في طهران الكبرى كان متواجدًا في الميدان خلال الهجوم وكان على ارتباط عن طريق لاسلكي مع بيت خامنئي الذي كان شخصياً يطلع عبره في كل لحظة على مجريات أحداث الهجوم. وبحسب الخطة الأولية كان من المقرر أن يستغرق احتلال مبنى السفارة لعدة أيام إلا أن خامنئي أمر بعد ساعتين من بدء الهجوم بوقف العملية جراء رد الفعل السريع من قبل المجتمع الدولي على هذه العملية الوحشية".

لذلك فإنّ القواسم المشتركة بين نظام الملالي في إيران ونظام الأسود في سوريا، هي ما تجعلهما متكاتفتين ضد شعبيهما السوري والإيراني، وإلا فكيف نفهم دعم النظام الإيراني لثورات الشعوب العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، وسكوته المخزي على ثورة الشعب السوري، وهو ليس سكوتا فقط بل دعما للنظام المتوحش ضد شعبه، وهي أهم علامة مشتركة بين النظامين.

0cc856dceefbd86b21327032dc26bb8fwww.dr-abumatar.net
www.drabumatar.com
 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى > الأخير >>

النتائج 1 - 14 من 1512


كاريكاتير


بينو


بور حزين


بور سعيد


كابوث

آخر صورة


جداريات 3

من أقوالهم

الشك هو أساس الحكمة

الفيلسوف والرياضي الفرنسي رينيه ديكارت