| تحليل إخباري : لبنان والمقعد العربي في مجلس الأمن |
|
|
|
سعادة السفير نواف سلام، الممثل الدائم للبنان لدى الأمم المتحدة كتب: عبد الحميد صيام - نيويورك - خاص -- منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005 ولغاية لقاء الدوحة للمصالحة الوطنية في 18 أيار (مايو) 2008، كان لبنان لبنانين وكان الشرخ بينهما عميقا طولا وعرضا، وكادت القطيعة تكون نهائية وأجواء التوتر بين تحالفي العاشر والرابع عشر من آذار كانت تذكر اللبنانيين بأجواء الحرب الأهلية المقيتة التي عصفت بالبلاد خمس عشرة سنة، لولا المساعي المخلصة والحقيقية التي قام بها أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حيث تجاوز اللاعبين الثلاثة الكبار المصطفين خلف الفرقاء المنقسمين في لبنان مصر والسعودية من جهة وسوريا من جهة أخرى، وأثمرت تلك الجهود رئاسة وبرلمانا وحكومة وبلدا موحدا يتجه نحو المصالحة الوطنية الشاملة. ورغم معرفتنا بهشاشة الأوضاع في المنطقة العربية برمتها، إلا أننا نرى أن لبنان الآن قوي بوحدته الوطنية وقوي بمؤسسة الرئاسة التي تمثل الإجماع الوطني وقوي ببرلمانه المنتخب فعلا لا شكلا، وقوي بمصالحاته البينية وقوي بتصالحه وتقاربه مع دول الجوار وقوي بالحوار الوطني الذي يشرف عليه الرئيس سليمان نفسه وقوي بمعرفة أولوياته والاتفاق على هويته وانتمائه. ولا أدل على هذه القوة الناعمة أكثر من انتخاب لبنان عضوا غير دائم في مجلس الأمن للسنتين القادمتين. انتهاء عضوية ليبيا عضوية لبنان جاءت بعد انتهاء عضوية ليبيا (2008-2009)حيث خرج السيد عبد الرحمن شلقم، وزير خارجية ليبيا السابق وممثلها الدائم في الأمم المتحدة، ودخل مكانه ممثل لبنان الدائم الدكتور نواف سلام. فقد جرى العرف أن تتقلب على المقعد دولة عربية مرة من أفريقيا ومرة من آسيا لأن الدول العربية موزعة بين مجموعتين جغرافيتين: الأفريقية والآسيوية. السيدة كارولين زيادة نائبة مندوب لبنان للأمم المتحدة لبنان يدخل قاعة مجلس الأمن والآن جاء دور لبنان الذي انتخب للسنتين القادمتين (2010-2011). فما هي القضايا الرئيسية التي تشغل بال السفير النشط نواف سلام الذي يحظي بدعم لبنان الموحد والذي لم يتمتع به الممثلون الدائمون أو القائمون بأعمال بعثة لبنان من قبله والذين تزامنت سنوات خدمتهم مع الانقسام العميق في لبنان فأصبح بعضهم أقرب إلى تمثيل الطائفة منه إلى تمثيل كل لبنان بأطيافه المتعددة . يقول السيد سلام معلقا على أولويات لبنان في مجلس الأمن في السنتين القادمتين "سيكون على رأس اهتماماتي التركيز على احترام القانون الدولي الممثل في قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة والدفاع عن القضايا العربية وفي مقدمتها قضية فلسطين". ولا ننسى طبعا أن هناك أراضي محتلة للبنان وأن هناك بعثة دولية لحفظ السلام في الجنوب وأن هناك محكمة جنائية تتعلق بلبنان في لا هاي خارج إطار مجلس الأمن. ولبنان من الدول المؤسسة للمنظمة الدولية والدولة العربية الوحيدة الموقعة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبيروت مقر اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا). إذن علاقة لبنان بالأمم المتحدة تاريخية ومعقدة ومتشعبة. كلمة السر إذن في تطبيق القانون الدولي دون ازدواجية في المعايير. فلو تم إنفاذ القرارت الدولية لما بقيت إسرائيل محتلة لجزء من الجنوب اللبناني لمدة 22 عاما، ولانسحبت فورا ودون قيد أو شرط بناء على ما نص عليه القرار 425 (1978) ولانسحبت فورا من مزارع شبعا والجولان والضفة الغربية وشرق القدس وقطاع غزة كما نص على ذلك قرار 242 (1967) وما كان هناك مستوطنات ولم تتغير معالم القدس ولتم هدم الجدار العنصري والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالفلسطينيين حسب رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 10 تموز (يوييو) 2004 ولعاد اللاجئون إلى ديارهم حسب القرار 194 (1948). ولو طبق القانون الدولي بدون انتقائية لكان العديد من جنرالات إسرائيل يقبعون في زنازين مجاورة للتي كان يقبع فيها ميلوسوفيتش أو يقرفص فيها الآن كراجيك، بمن فيهم بطلا مذبحتي قانا الأولى (1996) والثانية (2006) وأبطال مذابح غزة وهم أكثر من أن يحصوا عددا. ولو انصاع الجميع لقرارات مجلس الأمن لانسحب صدام حسين من الكويت دون قيد أوشرط ولوفر على نفسه والشعب العراقي كل تلك المآسي والمذابح والدمار والاحتلال، ولتوقف الصراع في دارفور وأعيدت الجزر الثلاث التي تحتلها لإيران إلى دولة الإمارات العربية. ولو يطبق القانون الدولي دون تمييز لفرضت عقوبات على الدول التي تلوث البيئة وتتسابق لعسكرة الفضاء الخارجي، وترفض التوقيع على المعاهدات الدولية حتى المتعلق منها بحقوق الطفل، ناهيك عن تغير المناخ ومنع إنتاج الألغام الأرضية وحظر التجارب النووية والمحكمة الجنائية الدولية وغيرها الكثير. ولو طبق القانون الدولي فعلا لانتهى التعذيب وتمتع كل فرد بحقوق الإنسان وانتهى التمييز ضد المرأة وتمتع الفقراء بعيش كريم وتم القضاء على الأوبئة ... والقائمة طويلة لا مجال لسردها. إذن، بلد صغير كلبنان، من مصلحته أن ينتصر للقانون الدولي وأن يرفعه سلاحا حادا في وجه القوى المتجبرة وأن يتحالف مع كافة الدول التي تحتمي بالقانون الدولي لتصون نفسها ومصالحها وأمنها وسلمها عند تناطح الأكباش. المجموعة العربية ومجلس الأمن لقد حرصت المجوعة العربية في الأمم المتحدة بشكل عام أن تنأى بنفسها عن الخلافات العربية العربية وأن تبقى متماسكة متوحدة حول المسائل الكبرى رغم ما يجري أحيانا بين بعض الدول العربية من خلافات وشتائم وردح. طبعا هذه الوحدة لم تصمد أمام الحوادث الخلافية الكبرى كاتفاقية كامب ديفد عام 1979 وغزو العراق للكويت عام 1990. والانقسام العربي العلني أمام الدول الأعضاء يسيء للمجموعة العربية كلها ويقلل من هيبة العرب وحضورهم في المنظمة العربية. وتماسك المجموعة يمكن أن يترجم إلى قرارات ذات أهمية تاريخية- فوحدة المجموعة وقوتها بعد حرب تشرين (أكتوبر) 1973 وثورة النفط قاد إلى الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ودعوتها للجلوس كمراقب في الأمم المتحدة عام 1974، كما فرضت اللغة العربية لغة رسمية للأمم المتحدة، كماأنتجت المجموعة وخطيبها المفوه المرحوم الدكتور فايز الصايغ قرار "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية" عام 1975 وفـُرقتها بعد غزو العراق للكويت ضيعت ذلك القرار بإلغائه رسميا عام 1991. الزميل الكاتب : عبد الحميد صيام - نيويورك أود أن أعرض في هذه المقالة لوجهة نظر شخصية أضعها بين يدي الممثل الدائم تتعلق بالقرار اللئيم 1559 (2004) الذي اعتمد في ظل ظروف الانقسام الداخلي واستهداف سوريا من قبل إدارة بوش التي أرادت أن تعلق فشلها في العراق على شماعة سوريا بحجة دعم المقاومة في العراق. فإذا كان الهدف من ذلك القرار إخراج الوجود العسكري السوري من لبنان فقد حقق القرار أهدافه وتم الاعتراف المتبادل بين الدولتين وتبادل السفارات. وإذا كان هدفه إجراء انتخابات حرة في لبنان دون تدخل من أحد (المقصود سوريا) فقد تم ذلك بنجاح. أما إذا كان الهدف منه تجريد سلاح المقاومة اللبنانية، فإنه سيكون وصفة أكيدة لتجديد الانشراخ اللبناني ومقدمة لحرب أهلية ثانية، لبنان والعرب في غنى عنها. إن هناك مسؤولية تاريخية منوطة بمهمة السفير سلام وهي التعامل مع هذا القرار كأنه غير موجود وغير ملزم. فكل شيء تغير منذ اعتماد القرار: وضع لبنان الداخلي تغير، إدارة بوش وتدخلاتها الفجة في الشأن اللبناني انتهت غير مأسوف عليها، وشيراك وعلاقاته الحميمة مع أطراف لبنانية دون أخرى ولت إلى غير رجعة، بوابات دمشق دلف منها معظم الأطراف الفاعلة في لبنان والحبل على الجرار. كما أن الحدية في الانقسام بين معسكري العاشر والرابع عشر من آذار لم تعد قائمة خاصة بعد انسحاب السيد وليد جنبلاط من المعسكر الأخير وتشكيل الحكومة. فالقرار المذكور، كما صرح وزير الخارجية اللبناني علي الشامي، " قد ألغي عمليا ". وأكد نفس الفكرة السيد جنبلاط في الثالث من شهر كانون الثاني (يناير) عندما قال:" من أجل استقرار لبنان الداخلي، يمكن وضع القرار 1559 على الرف وعلى الأحزاب اللبنانية أن تعمل على تجاوز خلافاتها بالحوار الذي يرعاه الرئيس ميشيل سليمان". النقطة الأخرى التي أود أن أؤكد عليها وهي أن تيري رود لارسن، المبعوث الخاص للأمين العام والمكلف بمتابعة تنفيذ ذلك القرار، قد فقد أهليته لمثل تلك المهمة بعد أن انحاز لطرف ضد آخر وأظهر عداوة غير مسبوقة لقسم فاعل في لبنان دون آخر، ومقاطعة له من قبل سوريا. نفس السيناريو يتكرر عندما كان منسقا لعملية السلام في فلسطين حتى أن السلطة الفلسطينية قد أعلنت عام 2004 أنه "شخص غير مرغوب فيه" لكثرة تحامله في بياناته المتكررة على الجانب الفلسطيني وكأنهم هم المعتدون الذي يحتلون إسرائيل. ثم قام كوفي عنان بضغوط أمريكية بإعادة تدويره وقذفه إلى الساحة اللبنانية في آب (أغسطس) 2006 لتنفيذ ذلك القرار مستغلا حالة الانقسام الخطيرة آنذاك. ويكفي أن نعرف أن زوجته كانت سفيرة للنرويج في إسرائيل وأن مركز شمعون بيرز قد منحه وزوجته جائزة قيمتها 100,000 دولار أمريكي وهذه الجائزة لم تمنح لأحد قبله أو بعده. نعرف أن التحديات الداخلية والخارجية أمام لبنان كثيرة ولكننا نثق أنه سيمثل العرب أفضل تمثيل وأنه أفضل من يدافع عن قضاياهم وعن هموم ومشاغل العالم النامي وقضايا الحق والعدل والأمن والسلام الدوليين. ونحن نؤيد دعوة الرئيس سليمان في كلمته أمام الجمعية العامة في دورتها الرابعة والستين عندما أبدى استعداد بلده لأن يكون لبنان "مركزا دوليا للحوار بين الثقافات والحضارات والأديان بما يتناسب مع دوره كجسر تواصل بين الشرق والغرب ومع رسالته كبلد تعيش فيه وتتفاعل ثماني عشرة طائفة بصورة فريدة ومميزة". ولذا فإننا متفائلون بنجاح لبنان وممثله الدائم في ما ينتظره من مهمات جسام تهم العرب عامة ولبنان خاصة. *أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك |













