| الملك من دافوس: السياسة بحروف نافرة |
|
|
|
الزميل الكاتب : عريب الرنتاوي - عمان سدّد الملك عبد الله الثاني من دافوس، ضربة قوية لكل "الأحلام السوداء" التي ما زالت "تعشعش" على ما يبدو، في "العقل الباطن" لليمين واليمين المتطرف في إسرائيل الذي يجتمع تحت سقف حكومة نتنياهو والائتلاف المشكّل لها، رافضا "أي طرح بقيام الأردن بدور في الضفة الغربية المحتلة"، مؤكدا "أن الأردن لن يقبل باستبدال الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية بجيش أردني"، و"أن الأردن لا يقبل حتى مناقشة هذا الطرح". ليست هذه هي المرة الأولى التي يطلق فيها الملك مثل هذه التأكيدات القاطعة في حزمها ووضوحها، فقد سبق لجلالته أن قطع الشك باليقين حين كرر في غير مناسبة، بأنه لن يسمح بحال من الأحوال بأن "تحل الدبابة الأردنية محل الدبابة الإسرائيلية"، الأمر الذي سدّ بإحكام، كل ثغرة أو شق، كان يمكن للأحلام والرهانات السوداء أن تتسلل من خلالها إلى قلب "نظرية الأمن الوطني الأردني" و"منظومة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني". بيد أن حديث الملك في دافوس، يكتسب مع ذلك أهمية خاصة، وفي هذا التوقيت بالذات، الذي يشهد عودة إسرائيل للّعب على معزوفة "الدور الأمني الأردني في الضفة الغربية"، فتسريبات مكتب نتنياهو عن زيارة سرية قام بها مستشار رئيس الحكومة لشؤون الأمن القومي عوزي آراد لعمان، لعرض "منحة" إسرائيلية على الأردن بتوسيع دوره الأمني في الضفة، ما زالت طازجة بعد، وهي تبرهن على أن "نتنياهو 2" ليس سوى نسخة قبيحة عن "نتنياهو 1"، وأن الرجل الذي جاء للحكم ببرنامج "السلام الاقتصادي" و"الدور الأمني الأردني"، ما زال على حاله، وأن "خطاب بار إيلان" لم يكن أكثر من "زلة لسان" خطط لها بإتقان، بهدف تفادي الضغوط الأمريكي وتجنيب دولة الاحتلال خطر الانزلاق إلى مجابهة مبكرة مع إدارة الرئيس أوباما. لقد سقط الرهان الإسرائيلي، ليس الآن، بل ومنذ اللحظة الأولى لمجيء نتنياهو وحكومته وائتلافه إلى سدة صنع القرار في إسرائيل، فالوعي الأردني لهذه "اللعبة/المناورة" توّلد مبكرا، والرد الأردني جاء استباقيا وحاسما ومتكررا، وبصورة لم تبق "مطرحا" للوهم إلا لدى الذين يحالون تجريب كافة الخيارات المستحيلة، لتفادي الدخول في ترجمة الخيار الوحيد المقبول لحل الصراع الفلسطيني: دولتين لشعبين. والملك في دافوس لم يكتف بالرد على "طروحات اللحظة الراهنة" الإسرائيلية فحسب، بل وقدم طرحا استباقيا بديلا كذلك، نابعا من رؤية استشرافية تجهد إسرائيل في إغماض الأعين عنها، فالبديل عن "حل الدولتين" لن يكون أبدا، حلا خارج فلسطين وعلى حسابها وحساب الأردن، وأي حديث عن "خيار أردني" مرفوض من قبل الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء، والمخرج من "استعصاء السلام" لن يتوفر باستدعاء "طرف ثالث" واستمطار بدائل خرقاء وغير واقعية، البديل الواقعي الوحيد لحل الدولتين هو "حل الدولة الواحدة" ثنائية القومية، وعلى القيادة الإسرائيلية أن لا تضيع الوقت وتبدد الجهود في مطاردة "خيوط الدخان والأوهام"، عليها الانصياع لإجماع العالم وتسهيل قيام دولة فلسطينية مستقلة على كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس. و"التشاؤم غير المسبوق، الذي يشعر به الملك لأول مرة، وكشف عنه في دافوس، هو الأقرب للقراءة الواقعية لمجريات الأحداث، وللوضع الذي آلت إليه جهود تحقيق السلام وحل الصراع، والذي سيزداد سوءا إذا لم يتم التوصل إلى حل، ثم أن المهل الزمنية المتبقية للإنقاذ والخروج من الاستعصاء باتت تقاس بالأسابيع، فإذا "لم يتم البدء بمحادثات جادة وفاعلة خلال الشهر القادم، فإن فرص تحقيق السلام ستتضاءل بشكل كبير" وستتقوّض "فرص قيام الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة. من دافوس "المسترخية" على سفوح الألب، ومن على أرفع منصة دولية لرجال المال والسياسة والأعمال، قرع الملك أجراس التحذير والإنذار، ووجه جملة رسائل في حديث واحد: للمجتمع الدولي والقوى الفاعلة فيه على وجه التحديد بأن رمل ساعة الحقيقة والاستحقاق قد أخذ بالنفاذ...وللحكومة الإسرائيلية بأن حبال الكذب والمناورة قصيرة، لكنها ستكون كافية للالتفاف على عنقها وعنق "الأمن الإسرائيلي" فالدولة الواحدة هي البديل الوحيد لحل الدولتين...وللفلسطينيين بأن الانقسام يسهم في زيادة الأمور السيئة سوءا...وإلى الداخل الأردني بأن لا بديل عن التوحد في جبهة وطنية صلبة تجمع الأردنيين جميعا، على اختلاف منابتهم وأصولهم، ضد "أحلام إسرائيل وأوهامها ومؤامراتها"، وأن مواجهة "الطروحات السوداء" هذه، هو عنصر توحيد لنا جميعا، تحت راية البرنامج الذي أعاد الملك إطلاقه من دافوس، وليس مادة للسجال الداخلي أو ورقة لتحقيق مكاسب فئوية ضيقة وانتهازية. والوحدة الوطنية هي أولى الأولويات في مواجهة "ذئب إسرائيلي جريح"، لم يقبل بحل الدولتين، وينظر للدولة الواحدة كخطر وجودي ويلمس لمس اليد، يوما بعد آخر، انهيار فرص ما أسماه بـ"الخيار الأردني"، فهل نرتقي جميعا بوعينا لخطورة ما ينتظرنا ؟! |













